كتب قانونية

الأحد، 17 يناير، 2016

د.حسن فتوخ حجية التقييد بالرسم العقاري في مواجهة الخلف العام والخلف الخاص

د.حسن فتوخ  حجية التقييد بالرسم العقاري في مواجهة الخلف العام والخلف الخاص











حجية التقييد بالرسم العقاري
في مواجهة الخلف العام والخلف الخاص
د. حسن فتوخ
مستشار بمحكمة النقض
رئيس قسم التوثيق والدراسات والبحث العلمي
تقديــــم: إن حجية التقييدات الواردة بالرسم العقاري لا تسري في مواجهة طرفي العلاقة التعاقدية فحسب، وإنما في مواجهة خلفائهم العامين أو الخاصين كذلك، وذلك حسب الأحوال المحددة في القانون، الشيء الذي يوحي أن تقييد الإراثة أو الوصية من قبل الورثة أو الموصى له، لا يمنع المفوت إليه غير المقيد من مطالبتهم قضائيا بإتمام إجراءات نقل الملكية إليه، وأن الخلف الخاص بدوره تنتقل إليه جميع حقوق والتزامات سلفه السابقة على التفويت. ومن ثم فإن حجية التقييدات المؤقتة وأثرها في حفظ المراكز القانونية وضمان الحقوق العينية والشخصية المتعلقة بالعقارات المحفظة تختلف بحسب ما إذا كان الخلف عاما أو خاصا كما سنتولى بيانه.
ذلك، أن موضوع هذه الدراسة يقتضي منا الوقوف على نطاق مظاهر هذه الحجية، ومدى اختلافها بين الخلف العام، والخلف الخاص، وبيان أهمية الحماية القانونية لأصحاب الحقوق في مواجهة هؤلاء الخلفاء، واستعراض بعض المواقف القضائية المتعلقة بكل نوع من أنواع الخلف أعلاه.
وتأسيسا على ما ذكر، فإن التطرق لمسألة الحجية في مواجهة كل من الخلف العام والخلف الخاص، يستلزم منا تقسيم هذا الموضوع إلى محورين على الشكل التالي:
المحور الأول: حجية التقييدات في مواجهة الخلف العام
المحور الثاني: حجية التقييدات في مواجهة الخلف الخاص

المحور الأول:
حجية التقييدات في مواجهة الخلف العام
يعتبر الخلف العام ملتزما بتنفيذ التزامات موروثه كمبدأ عام تطبيقا لمقتضيات الفصل من ق.ل.ع، وأن تقييد الإراثة أو الوصية بالرسم العقاري لا يخول الورثة أو الموصى لهم الحق في التمسك بحسن النية في اكتساب الحقوق تجاه الوارث، أو الحاجز، أو الدائن المرتهن رهنا مؤجلا، أو المشتري من الهالك غير المسجل لرسم شرائه، ما دام أن هذا الأخير سبق له أن رفع دعوى ضد البائع قيد حياته، أو ضد ورثته بعد وفاته، ترمي إلى تطهير العقار من الحجز وإتمام إجراءات البيع، وبادر إلى تقييد مقاله احتياطيا بالرسم العقاري. إذ يحق لهذا الأخير المطالبة بالتشطيب على الإراثة أو الوصية وأمر المحافظ بالقيام بهذا الإجراء.
وبالمقابل، فإنه لا يعتد إلا بتاريخ تقييد إراثة الواهب إذا تعلق الأمر بعقار محفظ عملا بالفقرة الثانية من المادة من مدونة الحقوق العينية، أي أن الموهوب له إذا لم يقيد عقد الهبة قبل حصول المانع وهو وفاة الواهب، وتم تقييد إراثة الواهب، فإن الملكية تنتقل إلى الخلف العام ويبقى معه عقد الهبة غير المقيد أثناء حياة الواهب غير عامل وعديم الأثر في مواجهة الورثة.
أما إذا كان الواهب أو المتصدق مريض مرض الموت وقت إبرام الهبة أو الصدقة فإن عقد الهبة أو الصدقة يقع باطلا حسبما أكدته محكمة النقض التي اعتبرت: "أن بطلان الصدقة لمرض الموت مقرر فقها لمصلحة الورثة والدائنين، ولا ينظر فيه إلى أهلية المريض وعوارضها، وإنما النظر فيه إلى شروطه المعتبرة شرعا، فما دام المتصدق كان يعاني من مرض السرطان وهو من الأمراض المخوفة التي حكم الأطباء بكثرة الموت به، وأنه تصدق وهو بحاله بدار بعد أن أقعده المرض الفراش واشتد به واتصل به إلى أن توفي حسبما هو ثابت من الملف الطبي المستدل به، فإن المحكمة لما التفتت عن النظر في مدى توافر علاقة المرض بموته وجنحت إلى النظر في مدى سلامة إرادته للتصدق، واعتبرت إرادته سليمة رغم أنه بحال مرض مخوف أقعده الفراش واتصل بموته وتصدق وهو بحاله تكون قد خرقت القانون المتمثل في القواعد الفقهية الواجبة الإعمال في النازلة".
كما أن محكمة النقض اعتبرت في هذا السياق: "أن شهادة العدلين بعد الخطاب عليها تعد حجة رسمية لا يطعن فيها إلا بالزور، كما أنها أرجح من شهادة اللفيف إذ لا عبرة بالكثرة مع ضعف العدالة. وأن الحجة المثبتة للحوز مقدمة على النافية في التبرعات، والمحكمة لما قضت للطرف المدعى بالاستحقاق اعتبرت رسم الهبة المدلى به متوفر على الشروط المتطلبة شرعا، وأن رسم ثبوت التصرف المدلى به من الطرف المدعى عليه يعد حجة ناقصة، وأن ما جاء برسم ثبوت الملك يتناقض وما جاء بموجب التصرف تكون قد طبقت القواعد الفقهية".
وأضافت نفس المحكمة في قرار آخر ما يلي: "الهبة تصح بالعقد العرفي المشهود على صحة توقيع أطرافه ولو احتفظ الواهب بمنفعة العقار لنفسه، وأنه يكفي تسجيلها بالرسم العقاري لتتم حيازتها وإخلاء محلها إن تعلقت بدار للسكن".
أما بالنسبة لأحكام الحوز في الصدقة فقد اعتبرت محكمة النقض أنه: "بمقتضى مدونة الحقوق العينية فإن التقييد بالرسم العقاري يغني عن الحيازة الفعلية للملك الموهوب وعن إخلائه من طرف الواهب إذا كان محفظا أو في طور التحفيظ. فإذا كان غير محفظ فإن إدراج مطلب لتحفيظه يغني عن حيازته الفعلية وعن إخلائه، وأن أحكام الهبة تسري على الصدقة، ومن ثم فإن الطاعنة دفعت بأنها تتصرف في جزء من الدار المتصدق بها وأنها سلكت مسطرة التحفيظ مما يعني أنها جدت وثابرت في الحوز. والمحكمة لما قضت ببطلان رسم الصدقة دون الرد على ما أثير و المؤيد بالحجة تكون قد خرقت القانون".
وغني عن البيان أن نفس الإشكالية المتعلقة بالحوز المادي والتقييد بالرسم العقاري في مجال الهبة والصدقة التي تخضع لنفس أحكام الهبة حسب المادة من مدونة الحقوق العينية، تطرح أيضا بالنسبة لعقود الحبس الواردة على عقارات محفظة التي تخضع لمدونة الأوقاف عملا بالإحالة المنصوص عليها في المادة من مدونة الحقوق العينية.
وقد اعتبرت محكمة النقض في هذا الصدد أن عدم تقييد عقد التحبيس بالرسم العقاري لا يمكن أن يؤثر على صحة موضوعه أو يحد من أثره في نقل الحق للأحباس خاصة و أن الحيازة المادية للملك المحبس قد تمت فعلا وكانت بصفة علنية كافية وثابتة باعتراف الورثة أنفسهم وأن استغلالها كان قبل وفاة الطرف المحبس وبعده، الشيء الذي يمنع على الخلف العام الحق في التمسك بإبطال عقد التحبيس في مواجهة الأحباس.
ولعل هذا التوجه القضائي قد تم تكريسه من طرف المشرع حسب الثابت من المادة من مدونة الأوقاف التي تنص على ما يلي: "إذا توفي الواقف قبل أن يحوز الموقوف عليه المال الموقوف حوزا صحيحا، بطل الوقف ما لم يطالب به في حياة الواقف".
أما بالنسبة للمشتري من الهالك قيد حياة هذا الأخير- متى تعذر عليه تقييد عقد شراءه لسبب من الأسباب-، فيمكنه أن يطلب الحكم على خلفه العام بالتشطيب على الإراثة، وإتمام إجراءات البيع وذلك بإلزامهم بنقل ملكية المبيع في اسمه بالرسم العقاري، وأمر المحافظ بالقيام بإجراءات التشطيب على الإراثة المذكورة وبتقييد عقد الشراء بالرسم العقاري. ومن ثم فإن المحافظة على حق المشتري تستلزم تباعا إجراء تقييد احتياطي لمقال الدعوى أعلاه، وذلك للاستفادة من مفعوله بأثر رجعي عند التقييد النهائي للحكم من جهة، وتفاديا لإمكانية ضياع حقه نتيجة لتفويت الورثة للعقار محل النزاع للغير من جهة أخرى.
وقد اعتبرت محكمة النقض في نازلة مماثلة أن الموصى له يعتبر خلفا عاما للهالك باعتباره المالك الوحيد لتركته، وأن تقييد وصيته بالرسم العقاري لا يحصن الحقوق التي آلت إليه عن طريق الوصية من الطعن في التقييد المذكور، ولا تسمح له بالتمسك بقرينة حسن النية المنصوص عليها في المادة من مدونة الحقوق العينية، طالما أنه لا يعتبر غيرا بالنسبة للمشتري من الهالك الموصي، مؤكدا على أن البيع المبرم من طرفه لفائدة الغير مثقلا بالتقييد الاحتياطي لا يحول دون التشطيب على الوصية أعلاه تحقيقا للأثر المتوخى من التقييد الاحتياطي الذي تحول إلى تقييد نهائي للحكم الصادر بشأنه والقاضي باعتراف الحق لصالحه.
ويستفاد من خلال هذا القرار، أن تقييد الموصى له للوصية بالرسم العقاري لا يكسبه صفة الغير في مواجهة الشخص المتلقي للحق من موروثه، وغير المسجل لعقد شراءه قبل تقييد الوصية، لأن صفة الخلف العام للهالك تبقى لصيقة به، وتجعله ملزما بتنفيذ التزامات موروثه تطبيقا للفصل من ق.ل.ع، ويحل محله في الوفاء بالالتزام بصرف النظر عن تقييد إراثته من عدمه بالرسم العقاري. ومن ثم فلا يمكن اعتباره غيرا لكي يتمسك بالتقييد بحسن نية في مواجهة المشتري من الموصي الهالك، ويتعين بالتالي التشطيب على وصيته وتقييد الحكم القاضي بإتمام إجراءات البيع حفاظا على حقوق المشتري المضمونة بتقييد احتياطي بناء على مقال الدعوى الصادر بشأنها الحكم المذكور.
وبالمقابل، فإن الخلف العام تنتقل إليه حقوق الدفاع عن التركة، ويحق له المطالبة ببطلان جميع التصرفات التي أبرمها الموروث، وبالتشطيب على اسم المشتري منه أو الموهوب له، وتقييد الإراثة بالرسم العقاري باعتبارهم ورثة للهالك. وعليه فإن الإشكال يطرح حول مدى أحقية أحد الورثة في تقديم هذا الطلب، أو وجوب رفعه من طرف جميع الورثة ؟
جوابا عن ذلك، فقد اعتبر العمل القضائي أن المدعية بصفتها خلفا عاما للهالك، من حقها أن تطلب بطلان العقد الرابط بين الموروث والمشتري وحدها دون باقي الورثة من أجل الحفاظ على المال المشاع معللة ذلك بما يلي: "... إن المدعية فرعيا هي ابنة للبائع الهالك وبالتالي فهي في أقل الأحوال مالكة على الشياع للمنزل المدعى فيه وهذا يعطيها الحق والصفة القانونية للمطالبة ببطلان البيع الذي انصب على هذا العقار من منطلق واجبها في الحفاظ على الشيء المشاع الذي يقرره الفصل من ق.ل.ع الذي على ما يلي: "على كل مالك على الشياع أن يحافظ على الشيء المشاع بنفس العناية التي يبذلها في المحافظة على الأشياء الخاصة به وهو مسئول عن الأضرار الناشئة عن انتفاء هذه العناية".
وقد استند هذا الحكم على رأي بعض الفقه للقول بأحقية المتعاقدين والخلف العام كالورثة في التمسك بصحة أو بطلان العقد تبعا للتعليل التالي: "حيث إنه لئن كان الفصل العاشر من ق.ل.ع ينص على أنه لا يجوز للمتعاقد الذي كان أهلا للالتزام وبالأحرى لورثته أن يحتج بنقص أهلية الطرف الذي تعاقد معه فإن هذا المنع ينحصر على حالة القاصر أو ناقص الأهلية ولا يشمل حالة عديم الأهلية كما هو الحال في النازلة وهذا أمر طبيعي لأن الحالة الأولى يترتب عنها إبطال الالتزام لا غير بخلاف الحالة الثانية التي تؤدي إلى البطلان وهو من النظام العام بحيث إن من حق كل ذي مصلحة أن يثيره.
وحيث إن هذا الاتجاه كرسه الفقه ولا خلاف عليه، فقد جاء في كتاب نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود للدكتور مأمون الكزبري الجزء الأول مصادر الالتزامات الطبعة الثانية الصفحة ما يلي: أن العقد الباطل بقوة القانون يعتبر باطلا منذ صدوره أي غير منعقد بين عاقديه فهو عدم في نظر القانون وعندئذ لا يتوقف بطلانه على حكم من القاضي لأن القانون هو الذي قرر بطلانه من أصله فضلا عن أنه لو توقف بطلانه على قضاء القاضي لكان قبل صدور الحكم منعقدا غير باطل مع أن المفروض أنه باطل بحكم القانون....".
وجاء في الصفحة ما يلي: "أن سبب البطلان في العقود الباطلة بقوة القانون يعود إلى كون العقد قد خولف فيه نظام التعاقد فالبطلان مقرر إذن للمصلحة العامة لا صيانة لمصلحة خاصة؛ لذلك فإن لكل ذي مصلحة في البطلان أن يدعي به وذو المصلحة هو كل من له حق يتأثر بصحة العقد أو ببطلانه وعلى هذا الأساس يستطيع أن يتمسك بالبطلان كل من المتعاقدين والخلف العام كالورثة والخلف الخاص كمشتر ثان لعين مبيعة حيث تقضي مصلحته بالتمسك ببطلان العقد الأول حتى تخلص له العين و الدائنون كدائني البائع الذين من مصلحته الادعاء ببطلان البيع أي بقاء المبيع في ذمة مدينهم المالية و التنفيذ عليه لاستيفاء ديونهم من ثمنه...".
وإذا كنا نتفق مع الحكم أعلاه من حيث النتيجة التي انتهى إليها، فإن ما قضى به بخصوص أحقية أحد الورثة في طلب البطلان يبقى في نظرنا محل نقاش قانوني، على اعتبار أن النص التشريعي المعتمد من قبل الحكم كأساس لهذا التوجه القضائي وهو الفصل أعلاه، يتعلق بأعمال الإدارة التي لا يدخل ضمنها رفع الدعاوى الرامية إلى استحقاق عقار الهالك عن طريق الإبطال أو البطلان، لأن ذلك من شأنه المساس بمبدأ نسبية الأحكام، وبحجية الشيء المقضي به كقرينة قانونية مفترضة في الأحكام القضائية. إذ لا يجوز للخلف العام أن يكون طرفا في دعوى البطلان أو الإبطال إلا إذا كان جميع الورثة ممثلين فيها حتى يسري مفعول حجية الحكم الصادر بشأنها في مواجهة كافة الورثة بدون استثناء، ويحسم النزاع بشكل نهائي بعد صيرورة الحكم نهائيا وحائزا لقوة الشيء المقضي به. بل إن محكمة النقض جعل هذا الحق المقرر للمالك على الشياع مقصورا على دعوى رفع الضرر دون غيرها، واعتبر أنه غير ملزم في هذه الحالة بالإدلاء بوكالة عن باقي المالكين في رفع الدعوى المذكورة.
أما فيما يتعلق بالحجز العقاري الجاري على عقار الهالك من طرف الدائن، ولئن كان لا يحول دون تقييد الورثة لإراثتهم بالرسم العقاري المثقل بالحجز المذكور، فإن الخلف العام يكون ملزما تجاه المشتري من موروثهم قيد حياته بتطهير العقار حتى يتأتى له تقييد شرائه ونقل الملكية إليه. ومن ثم فلا يجوز للخلف العام المطالبة بإبطال أو بطلان العقد لكون عقار الهالك مثقل بحجز عقاري تطبيقا لمقتضيات الفصل من ق.م.م، لأن هذه الإمكانية مخولة للغير الذي يتضرر من التصرفات التي يجريها مدينه من أجل إضعاف الضمان العام للدائنين المنصوص عليه في الفصل من ق.ل.ع.
وقد اعتبرت محكمة النقض أن الخلف العام لا يعد من الغير حتى يمكنه التحلل من التزام الهالك بعلة إيقاع حجز على عقار هذا الأخير من طرف الدائن معللا ذلك بما يلي: "لكن حيث إن التصرفات التي يجريها المحجوز عليه والضارة بالغير هي وحدها التي تكون باطلة، أما إذا لم يتضرر أحد من الغير من تصرف المحجوز عليه فيبقى التصرف صحيحا وينتج مفعوله بين الطرفين. وبما أن الطالبين هم خلفاء للهالك في العقار محل النزاع فلا حق لهم في التمسك بالحجز كسبب لإبطال العقد لأنهم ليسوا من الغير وحلوا محل الهالك كطرف في العقد، ولا يمكنهم التحلل من التزام موروثهم بدعوى الحجز على العقار المبيع" .

المحور الثاني:
حجية التقييدات المؤقتة في مواجهة الخلف الخاص
إذا كان المشرع قد أجاز في الفصل من ظهير التحفيظ العقاري عدم الإضرار بحقوق الأطراف بعضهم على بعض، وإمكانية إقامة دعاوى فيما بينهم بسبب التزاماتهم العقدية، فإن الإشكال الذي يطرح في هذا الصدد يتعلق بصفة المشتري لملكية عقار محفظ، ومدى اعتباره غيرا، أو خلفا خاصا يحل محل سلفه في التحمل بالحقوق العقارية التي يكون العقار مثقلا بها ولو كانت غير مقيدة؟ أو بعبارة أخرى كيف يمكن التوفيق بين مقتضيات الفصل من ق.ل.ع والفصل من ظهير التحفيظ العقاري؟
إن تفويت العين المكتراة اختياريا أو جبريا لا يعتبر سببا قانونيا لفسخ عقد الكراء الرابط بين المالك السابق والمكتري طبقا للفصل أعلاه، رغم كون هذا الحق الشخصي غير مقيد بالرسم العقاري، وإنما يظل ساريا في مواجهة المالك الجديد الذي يحل محل سلفه في كل حقوقه والتزاماته الناتجة من الكراء القائم، ويفقد هذا الأخير صفته كمكري منذ تاريخ تقييد عقد التفويت تطبيقا لمبدأ الأثر الإنشائي للتقييد، ويصبح بالتالي الشخص المقيد مكتسبا لصفة الغير حسبما استقر عليه العمل القضائي الصادر في هذا الشأن من خلال الحيثيات التالية: "... وحيث من الثابت بمقتضى الشهادة العقارية المستدل بها بالملف.. أن الشقة موضوع النزاع الموضوع لها الرسم العقاري ... في ملكية السيد (...) .. أن المستأنف عليه لا ينازع في كونه فوت العقار أثناء قيام العلاقة الكرائية وأنه لا محل للتمسك باستمرار هذه العلاقة بناء على مراسلات وإقرارات صادرة عن الطرف المستأنف للمدة الفاصلة بين تاريخ انتقال الملكية وتاريخ قيام النزاع الحالي واعتمادها لإعطائه صفة الادعاء ما دام قد ثبت عكس ذلك الإقرار بحجة انتقال الملكية للغير وهي الإدلاء بما يثبت انتقال ملكية العقار موضوع الطلب للغير المالك الجديد الذي تلقى الملك عنه وحل محله في كل حقوقه والتزاماته الناتجة عن الكراء القائم قبل التفويت عملا بأحكام الفصل من ق.ل.ع".
غير أنه في المقابل، نجد البعض الآخر من العمل القضائي قد اعتبر أن المشتري لعقار محفظ خلفا خاصا للبائع، وتنتقل إليه جميع الحقوق والواجبات، ويحل محل المالك السابق في النزاع القائم بينه وبين المكتري، رغم جهل المالك الجديد للنزاع المذكور، وتحوزه بالملك المبيع فارغا، وإكرائه للغير، وتأسيس هذا الأخير أصلا تجاريا عليه.
ونرى أن المشتري لعقار مثقل بحق شخصي للكراء، يعتبر خلفا خاصا في مواجهة البائع سواء كان عقد الشراء مقيدا بالرسم العقاري أم لا، في حين يعد غيرا في مواجهة المكتري للعقار المبيع.
ومؤيدنا في ذلك، أن المشرع ولئن نص على الأثر الإنشائي للتقييد بالنسبة للحقوق المتعلقة بالعقارات المحفظة، فإنه أجاز إمكانية مقاضاة الأطراف لبعضهم البعض قصد إجبارهم على تنفيذ اتفاقاتهم تطبيقا لمقتضيات الفصل من ظهير التحفيظ العقاري. بل إنه خول لهم الحق في المطالبة بإبطال التقييد المنشئ للحقوق المضمنة بالعقد الرابط بينهم عملا بمقتضيات المادة من مدونة الحقوق العينية دون أن يمتد أثر هذا الإبطال إلى الغير المتلقي للحق من قبل الخلف الخاص للمالك السابق، متى كان حسن النية.
أما بالنسبة لاكتسابه لصفة الغير في مواجهة المكتري، فإن المشرع نص على وجوب إشهار عقود الأكرية التي تتجاوز مدتها ثلاث سنوات، تحت طائلة عدم التمسك بها في مواجهة الغير وهو المالك الجديد باعتباره لا يعد طرفا في العلاقة الكرائية، وتعامل بحسن نية على ضوء البيانات الواردة في الرسم العقاري التي لا تتضمن أي إشارة إلى عقد الكراء.
غير أنه إذا كان المالك الجديد يحل محل سلفه حسبما أشير إليه أعلاه، فإن التساؤل يثار بشأن أحقيته في التمسك ببطلان عقد الإيجار في مواجهة المكتري إذا كان مخالفا للفصل من ق.م.م؟
إن الجواب على ذلك، يقتضي منا التمييز بين حالتين:
- أولاهما تتعلق بالكراء العادي الذي يقل عن ثلاث سنوات، حيث إن المالك الجديد يكون ملزما بالتحمل بكافة الالتزامات في مواجهة المكتري السابق على التفويت، ولو كانت العلاقة الكرائية الرابطة بين البائع والمكتري غير واردة في محرر مكتوب، أو غير مسجلة بالرسم العقاري، ما عدا إذا تعلق الأمر بكراء مبرم من طرف الحارس القضائي فإنه ينتهي لزوما انتهاء إجراء الحراسة القضائية، ولا يحتج به في مواجهة المالك الجديد ولو وقع إشهاره بالرسم العقاري.
- ثانيهما تتعلق بالكراء الذي تتجاوز مدته ثلاث سنوات، إذ لا يحتج به في مواجهة المالك الجديد إلا إذا كان مسجلا بالرسم العقاري، أي أن إثره يقتصر على الطرفين فيما بينهما، ولا يمكن أن يمتد إلى المالك الجديد طالما أن المكتري في حد ذاته قد أهمل القيام بالإجراءات القانونية اللازمة لإشهار حقه الشخصي، ويعتبر بالتالي محتلا بدون سند في مواجهة هذا الأخير.
وتماشيا مع المقتضيات المنظمة في نصوص خاصة، فإن عقد الكراء المبرم من طرف مالك على الشياع لا تلزم باقي الشركاء إلا إذا كان يملك ثلاثة أرباع الملك. إذ إن هذا الكراء وإن كان صحيحا بين طرفيه المكري والمكتري، فإنه لا يلزم بقية الشركاء عملا بمبدأ نسبية العقود، ويحق لهم المطالبة بطرده من العقار بسبب الاحتلال بدون سند. ومن ثم فإن المالك الجديد بموجب الشراء من كافة الشركاء بمن فيهم المكري، أو من باقي الشركاء المالكين لثلاثة أرباع دون الشريك المكري، لا يكون ملزما بالكراء أعلاه، لأن البائعين له لم يكونوا طرفا في الكراء المذكور، ويعتبر بالتالي المكتري أعلاه في وضعية المحتل بدون سند، طالما أنه يتواجد في ملك الغير. وهذا ما أكدته محكمة النقض في أحد قراراته بما يلي: "... بمقتضى الفصل من قانون الالتزامات والعقود فإن كراء المحل من طرف مالك على الشياع لا تلزم شركاؤه إلا إذا كان يملك ثلاثة أرباع الملك، وإذا اختل هذا الشرط فلا يجوز له أن يقوم بكرائه تلقائيا بل يجب عليه أن يعرض الأمر على المحكمة لتقرر ما تراه في صالح الجميع ولها أن تأمر بتعيين مدير يتولى إدارة المال المشاع أو تأمر بالقسمة وعليه فإن الكراء الذي يصدر عن الشريك رغم عدم توفره على الأغلبية المذكورة وقبل التجائه إلى المحكمة وإن كان صحيحا في العلاقة بين طرفيه فإنه لا يلزم بقية الشركاء ولهم أن يطلبوا إخراج المستأجر دون أن يجبروا على انتظار نتيجة القسمة".
كما نجد أن المشرع قد منع على العدول والموثقين والمحافظين على الأملاك العقارية ومأموري إدارة التقييد أن يحرروا أو يتلقوا أو يسجلوا العقود المتعلقة بعمليات الإيجار الواردة على تجزئة عقارية إلا إذا تم الإدلاء لهم إما بنسخة مشهود بمطابقتها للأصل من محضر التسلم المؤقت، وإما بنسخة مشهود بمطابقتها للأصل من شهادة مسلمة من رئيس مجلس الجماعة الحضرية أو القروية تثبت أن العملية لا تدخل في نطاق قانون التجزئات العقارية. وقد رتب جزاء البطلان المطلق على العقود المخالفة للأحكام المذكورة، وخول للإدارة ولكل من له مصلحة في المطالبة بالتصريح القضائي بهذا البطلان.
وبذلك نخلص إلى القول إن نطاق الحلول الملزم به المالك الجديد في مواجهة المكتري يكتسي طابعا نسبيا وليس مطلقا. إذ إن الحماية المقررة قانونا للمكتري تتوقف من جهة على مدة عقد الكراء وتقييده من عدمه، ومن جهة أخرى على الطرف الذي أبرمه ومدى احترامه للقانون، الشيء الذي يستتبع القول بوجوب إشهار عقود الأكرية في الرسم العقاري إعمالا لمبدأ الأثر الإنشائي للتقييد في مواجهة الغير.
ويترتب على هذا النقاش القانوني، إشكالا آخر يتعلق بحجية التقييد الاحتياطي في مواجهة المكتري السابق للتفويت. فهل يعتد بالأثر الرجعي للتقييد الاحتياطي في انتقال الحق نهائيا للمالك الجديد لاحتساب أجل ثلاث سنوات المنصوص عليه في الفصل من قانون رقم . .
وجوابا على ذلك، فإن انتقال الملك في العقارات المحفظة لا يتم إلا بتقييد الشراء بالرسم العقاري، وأن ثلاث سنوات يتعين احتسابها ابتداء من تاريخ التقييد النهائي وليس من تاريخ التقييد الاحتياطي. إلا أن سريان مفعول التقييد النهائي للعقد بأثر رجعي منذ تاريخ التقييد الاحتياطي يجعل بداية احتساب الأجل أعلاه محل تساؤل؟
ذلك أن الغاية من مؤسسة التقييد الاحتياطي لا تتحقق بكيفية جزئية وإنما بشكل كلي، على اعتبار أن التقييد النهائي للعقد، أو للحكم القضائي، ولئن كان يتم بتاريخ لاحق، فإن مفعوله يسري من تاريخ التقييد الاحتياطي، ويكون بالتالي المالك الجديد محقا في طلب إفراغ المكتري بسبب الاحتياج في حالة مضي أكثر من ثلاث سنوات على تحول تقييده الاحتياطي إلى تقييد نهائي بالرسم العقاري. وذلك بخلاف الحجز العقاري أو الإنذار العقاري الذي يفرض على المستفيد من أحدهما أن يواصل إجراءات البيع الجبري للعقار المحجوز لاقتضاء حقه من منتوج البيع، دون أن يستفيد الراسي عليه المزاد من الحجز العقاري بأثر رجعي من تاريخ إجرائه، وإنما يتم احتساب الأجل أعلاه من تاريخ تقييد المحضر المذكور بالرسم العقاري.
وجدير بالذكر، أنه بالرغم من اعتبار المشتري الراسي عليه المزاد خلفا خاصا للمدين المنزوعة ملكيته جبرا عنه، فإن هذا الأخير يتحلل من الالتزام بضمان استحقاق العقار كله أو بعضه، وإنما يحق للمشتري عن طريق المزاد الرجوع بالثمن والتعويضات إن كان لها محل على الدائنين الذين باشروا الحجز العقاري، دون المدين الذي لا يجوز اختصامه في دعوى الرجوع باعتباره لم يتعاقد رضائيا مع الراسي عليه المزاد بشأن البيع القضائي أعلاه. هذا إضافة إلى أن المدين معفى تشريعيا من ضمان العيوب الخفية التي تطال الشيء المبيع، وذلك بمقتضى الفصل من ق.ل.ع الذي ينص على ما يلي: "لا دعوى لضمان العيب في البيوع التي تجري بواسطة القضاء".
ومع ذلك، فإننا نجد بعض العمل القضائي يذهب خلاف المقتضى أعلاه، معتبرا أن الشريك في عقار محفظ الذي وقع بيعه جبرا بناء حكم بقسمة تصفية، ملزم قانونا بتطهير حصته المبيعة من الحجز التحفظي الواقع عليها في إطار ضمان الاستحقاق، حتى يتأتى للراسي عليه المزاد العلني تقييد محضر إرساء المزاد .
ونعتقد أن من رسا عليه المزاد قد أخطأ في سلوكه للمسطرة القانونية السليمة لتقييد محضر إرساء المزاد، لأنه كان عليه أن يطلب تحويل الحجز التحفظي الواقع على العقار بعد حصول البيع بالمزاد إلى منتوج البيع الجبري بين يدي كتابة الضبط، وأمر المحافظ بالتشطيب عليه من الرسم العقاري، طالما أن الغاية من الحجز المذكور قد تحققت واقعا وقانونا، على أن لا يتم تنفيذ الأمر الاستعجالي من طرف المحافظ، إلا بعد الإدلاء لهذا الأخير بمحضر تنفيذي يتم بمقتضاه تحويل الحجز التحفظي إلى ثمن البيع بين يدي رئيس مصلحة كتابة الضبط، وذلك حفاظا على حقوق ومصالح الحاجز تحفظيا بالرسم العقاري.


المصدر: الصفحة الرسمية للدكتور حسن فتوخ على الفيسبوك.