نصوص قانونية

السبت، 12 مارس، 2016

القتل الخطأ الناتج عن انهيار عمارة - تحديد صورة الخطأ غير العمدي

 القتل الخطأ الناتج عن انهيار عمارة - تحديد صورة الخطأ غير العمدي










القتل الخطأ الناتج عن انهيار عمارة - تحديد صورة الخطأ غير العمدي:

قرار محكمة النقض عدد 1243
 الصادر بتاريخ 7 دجنبر 2011
في الملف الجنحي عدد /2011/5/6
   
القاعدة:
القتل الخطأ- السلوك الإجرامي- تحديد صورة الخطأ غير العمدي
مادامت المحكمة الزجرية قد قررت إدانة صاحب البناء عن القتل الخطأ الناتج عن انهيار عمارة مجاورة لورش بنائه بسبب أشغال الحفر فإنه كان عليها أن تبرز في تعليلها القانوني والواقعي ما هو العمل أو الامتناع عن العمل المقترف من طرفه، والذي يعكس إحدى صور الخطأ المنصوص عليها في الفصلين 432 و 433 من القانون الجنائي، والمتجلية تحديدا في عدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه أو الإهمال أو عدم مراعاة النظم والقوانين، وأن تجيب عن دفعه بانتفاء مسؤوليته الجنائية بكونه عهد بأشغال الحفر لمقاولة مختصة تحت إشراف مهندس مسؤول، ولما لم تفعل فإن تعليل قرارها يكون مشوبا بالقصور الموجب لنقضه.

                                                    نقض وإحالة

                                         باسم جلالة الملك وطبقا للقانون

في شأن وسيلتي النقض الأولى والثانية المتخذتين من فساد التعليل بعدم ارتكاز القرار المطعون فيه على أسباب قانونية سليمة وتناقض حيثياته خرقا لقاعدة مسطرية جوهرية ورد التنصيص عليها ضمن قواعد المادتين 365 و 370 من ق.م.ج، ومن عدم الارتكاز على أساس قانوني وواقعي والمس بحقوق الدفاع بعدم الجواب على حجج الطاعنة وتحريف الوقائع خرقا للمادتين المذكورتين، ذلك أن المحكمة أدانت الطاعنة من أجل القتل الخطأ والجرح الخطأ والمشاركة
استنادا إلى علل فاسدة ومتناقضة، فقد ورد في الصفحة السابعة من القرار المطعون فيه ما نصه: "لكن حيث من الثابت حسب وثائق الملف والوقائع الثابتة من النزاع، أنه رغم علم الظنينة بعدم وجود قبو بالعمارة اﻟﻤﺠاورة لبقعتها فقد بادرت إلى مباشرة أشغال الحفر تمهيدا لبناء عمارة دون اتخاذ الاحتياطات اللازمة ودون مراعاة النظم والقوانين، إذ لم تعمل على إخبار المهندس المشرف على المشروع بانطلاق الأشغال ولم تقم بدراسة التربة ولم تتخذ الاحتياطات التي من شأنها الحيلولة دون انهيار العمارة…". غير أنه بالرجوع إلى حيثيات
نفس القرار حينما قضى بعدم قبول متابعة النيابة العامة للعارضة من أجل مخالفة قانون التعمير، يتبين أن المحكمة أسست قضاءها بهذا الخصوص على عدم وجود أي دليل على مخالفة العارضة لقانون التعمير بواسطة محضر محرر من طرف أعوان السلطة المكلفين بمراقبة وضبط مثل هذه المخالفات، لذلك فإنه أمام عدم قيام هذه المخالفة لانعدام أي دليل يثبت عدم مراعاتها للنظم والقوانين المعمول بها في ميدان التعمير، فإن العارضة تتساءل عن الحجة
المعتمدة في إدانتها من أجل القتل الخطأ والجرح الخطأ، كما أن علة عدم إخبار الطاعنة للمهندس المشرف على المشروع تنطوي على تناقض مع باقي العلل وخاصة تلك التي اعتمدتها المحكمة في براءتها من جنحة صنع وثيقة طبقا للفصل 366 من ق.ج بالقول: " حيث إن الوقائع الثابتة من النزاع ظلت خالية مما يفيد تورط الظنينة في أي فعل يمكن اعتباره صنعا لوثيقة بوقائع غير صحيحة أو مشاركة في ذلك أو حتى استعمالا لتلك الوثيقة رغم علمها بطبيعتها، وبلاغ افتتاح الورش محل النزاع فضلا عن كونه مجرد رسالة إخبار بعيدة عن مقتضيات الفصل 366 من ق.ج فقد تضمنت وقائع صحيحة تتمثل في الإشارة إلى بدء الأشغال بتاريخ2000 /2/20 وهو التاريخ الفعلي والحقيقي لانطلاق أشغال  الورش، مما يجعل متابعة النيابة العامة بهذا الخصوص غير مرتكزة على أساس سليم ومجردة من كل إثبات، والحكم الابتدائي بقضائه بإدانة الظنينة من أجل صنع وثيقة تتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها يكون قد جانب الصواب مما يتعين معه إلغاؤه في ذلك والتصريح ببراءتها من ذلك". فإذا كانت هذه الوثيقة صحيحة فإن الذي أصدرها هو المهندس المشرف على الورش مما يفيد أن علمه بالشروع في عمليات الحفر قد تحقق مكانا وزمانا، ومن تم كانت العارضة متحللة من هذا الالتزام ما دام أنها تصرفت بما تفرضه القوانين والأنظمة من ضرورة إسناد مثل هذه الأشغال إلى ذوي الاختصاص وما دام ثبت بمقتضى كناش الورش أن المهندس قد أذن لها بالشروع في أعمال الورش والتزم بمراقبته. وعليه فإن العارضة تنعى على القرار المطعون فيه أنه أخذ بصحة البيانات الواردة في كناش الورش حين قضى ببراءتها من جنحة صنع وثيقة وببراءة المهندس المعماري، ثم أعرض عن هذه العلة حينما قرر مؤاخذتها من أجل القتل الخطأ والجرح الخطأ مما يشكل تناقضا يجعله فاسد التعليل ومنعدم الأساس، ثم إن القرار المطعون فيه قد أورد في حيثياته ما يلي: "حيث بعدم احتياط الظنينة وعدم مراعاتها للنظم والقوانين وشروعها في الحفر جعل العمارة محل النزاع تنهار، فقد تسببت في مقتل 6 أشخاص وجرح عدد آخر، الأمر الذي يبقى معه الحكم الابتدائي المستأنف القاضي بإدانتها من أجل جنحتي القتل الخطأ والجرح الخطأ مصادفا للصواب... ". غير أنه بالرجوع إلى إحدى الوثائق الحاسمة التي وردت على السيد وكيل الملك ضمن أوراق الضابطة والمتعلقة بمحضر اجتماع اللجنة التقنية بتاريخ 26/2/2000 بأمر من السيد عامل صاحب الجلالة على المنطقة لتدارس أسباب انهيار العمارة، يتبين من خلاصة التقرير الذي أعدته LPEEاللجنة أن تقرير الخبرة التي أنجزها المختبر العمومي للتجارب والدراسات حصر أسباب انهيار العمارة في 7 أسباب أولها أعمال حفر القبو بالبقعة الأرضية رقم 12 على عمق 3 أمتار من جهة يمين العمارة المنهارة، ثم أضاف التقرير 6أسباب أخرى منها ما يتعلق بالغش في البناء الحاصل في العمارة المنهارة ومنها ما يرجع إلى عدم تحمل الدعامات الأساسية لثقل الطابقين الرابع والخامس اللذين تمت إضافتهما بالعمارة المنهارة بدون ترخيص. فانطلاقا من هذه الحقائق ترى الطاعنة أن ما انتهى إليه القرار المطعون فيه لم يكن مبنيا على أساس ولم يجب عما أثير من وسائل الدفاع رغم جديتها، فالعارضة لم تقم بعملية الحفر بصفتها الشخصية بل أسندت ذلك بموجب اتفاق إلى كل من الظنينين محمد (ف) ومحمد (ك) اللذين اعترفا في جميع أقوالهما تمهيديا وقضائيا أنهما تعاقدا معها لأجل القيام بعملية حفر قبو بالبقعة التي تملكها بعد حصولها على ترخيص قانوني من السلطات المحلية للقيام بذلك وأنهما استخدما لهذا الغرض آلة للحفر، وشرع أحد العمال التابع لهما بإنجاز المطلوب بتاريخ 20/2/2000  وانتهى بتاريخ 22/2/2000 بحضور ومراقبة المهندس المعماري الذي كان يطلع على  سير الأشغال بين الفينة والأخرى. ومعلوم أن المسؤولية الجنائية لا تقوم بالوكالة خلاف المسؤولية المدنية، وأن العارضة تعاقدت مع مقاولة مستقلة ماليا وإداريا ولا تخضع من حيث التسيير والتوجيه إلا لسلطة الظنينين محمد (ك) ومحمد ف) وأن عملية الحفر تمت بتوجيه من هذين الأخيرين وقد استندت الطاعنة في دفع مسؤوليتها الجنائية إلى ما استقر عليه اﻟﻤﺠلس الأعلى بهذا الخصوص في قراره عدد 2863 الصادر بتاريخ  09/10/2003 في الملف المدني عدد 2003/5/1/1074 ، غير أن القرار المطعون فيه خرج عن هذه المبادئ وقضى ببراءة من قام بعملية الحفر وأدان العارضة، مما يجعله فاسد التعليل وغير مبني على أساس صحيح ومعرضا للنقض والإبطال. بناء على المادتين 365 و 370 من ق.م.ج:
حيث يجب بمقتضى البند الثامن من المادة 365 من ق.م.ج والبند الثالث من المادة 370 من نفس القانون أن يكون كل حكم أو قرار معللا من الناحيتين الواقعية والقانونية وإلا كان باطلا وأن نقصان التعليل يوازي انعدامه. وحيث إنه لما كان المقرر قانونا أن جرائم القتل والجرح خطأ تتحقق بعدم التبصر أو عدم الاحتياط أو عدم الانتباه أو الإهمال أو عدم مراعاة النظم والقوانين عملا بمقتضى الفصلين 432 و 433 من ق.ج، فإن المحكمة ملزمة كلما قررت إدانة المتهم من أجل هذه الجرائم أن تبين السلوك المرتكب من طرفه والذي يعكس واقعا وقانونا إحدى صور الخطأ المعددة في الفصلين المذكورين، وعليه فإن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه لما اكتفت في تعليل قرارها بإدانة الطاعنة من أجل القتل الخطأ والجرح الخطأ بالقول: "حيث بعدم احتياط الظنينة وعدم مراعاتها للنظم والقوانين وشروعها في الحفر جعل العمارة محل النزاع تنهار...". فإنها لم تبرز حسب هذا التعليل ما هو العمل أو الامتناع عن العمل المقترف من طرف الطاعنة والذي ينطوي على عدم الاحتياط وعدم مراعاة النظم والقوانين، خاصة وأنها لم تشرع في عملية الحفر إلا بعد استنفادها لكل المساطر التنظيمية المقررة في هذا الميدان وأنها أسندت عملية الحفر لمقاولة مختصة تحت إشراف مهندس مختص الأمر الذي يجعل قرارها والحالة هذه مشوبا بالقصور في التعليل وعرضة للنقض والإبطال.

                                              لأجله
                   قضت محكمة النقض بنقض القرار المطعون فيه.

الرئيس: السيد حسن القادري – المقرر: السيد حسن البكري – المحامي العام: السيد أحمد مسموكي.