كتب قانونية

السبت، 18 يونيو، 2016

كيف نقرأ قرارات محكمة النقض ؟ قراءة أخرى في قرار محكمة النقض عدد 331 حول التعدد

كيف نقرأ قرارات محكمة النقض ؟ قراءة أخرى في قرار محكمة النقض عدد 331 حول التعدد












كيف نقرأ قرارات محكمة النقض ؟ قراءة أخرى في قرار محكمة النقض عدد 331 حول التعدد

كيف نقرأ قرارات محكمة النقض ؟ قراءة أخرى في قرار محكمة النقض عدد 331 حول التعدد
كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي
نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط
أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا باحث قانوني
تداولت مجموعة من صفحات التواصل الاجتماعي مبدأ أقره أحد قرارات محكمة النقض، بل وذهبت بعض المقالات التي نشرت إلى تسفيه عمل مستشاري محكمة النقض والجرأة بالقول بأنهم لا يسايرون أبجديات العلوم وغير ذلك من النعوت التي لا تليق بكل عالم متبصر وفقيه متمكن. ولكن ما الدافع لذلك التحامل على قرار صادر عن محكمة النقض ؟
صحيح إننا نقر حق نشر المقررات القضائية باعتبارها تجسيد اعمليا لروح النص التشريعي، وقناة مهمة لتوضيح الطريقة التي تنزل بها مقتضيات التشريع على الحالات الخاصة، فتَخرج بذلك تلك المقتضيات من جمودها ومن صورة التعامل معها وكأنها أشكال وقوالب جامدة .
غير أنه في المقابل لا ندافع على التعامل مع تلك المقررات بمعزل عن أصول البحث العلمي الرزين وكذا بالتعامل معها على أساس أنها مادة صحفية صيغت لغرض ما. إن قواعد وأصول التعامل مع المقررات القضائية تقتضي التمكن من النص التشريعي وأصوله وروحه.
فمن حيث معرفة النص التشريعي، فلا يكفي فيه أن يطلع الشخص على كلمات النص لوحده وإنما يجب اعتبار ذلك النص ومقتضياته مجرد حلقة من مجموعة حلقات تتضمنها نصوص تشريعية مرتبطة بعضها ببعض، ولا يستقيم فهم واحد منها من غير الوقوف على مختلف المقتضيات القانونية المتعلقة بها لتتوضح صورة الترجمة التشريعية كاملة بدل الوقوف على جزء منها دون اعتبار كلياتها ، كما لو أننا نقرأ الآية على شاكلة "ويل للمصلين".
ثم إن النص التشريعي لم يولد من فراغ وخاصة إذا تعلق بصميم المسائل المجتمعية كالأسرة والزواج وغيرهما؛ وإنما له أصول ممتدة في الأعراف والتقاليد وكذا في حيثيات الانشغال اليومي للأفراد. والمشرع إنما يقوم بترجمة كل ذلك في صيغة تشريعية لتسهل معرفته ويكون معيارا يحتكم إليه عند المنازعة أو ليكون قاعدة لتعرُّف الغير عليها. ولذلك فإن لكل مقتضى تشريعي أصل لابد من اعتباره ونحن بصدد قراءة النصوص التشريعية من جهةنهاأالتصور التشر والتعليق على المقررات القضائية من جهة أخرى .
وأما روح النص التشريعي فلا سبيل لتلمسها إلا من خلال الغاية من اللجوء لمقتضى تشريعي معين، وما إذا كان هذا المقتضى أو غيره هو الأولى بالتطبيق والتنزيل. ولن يتحقق ذلك إلا بالوقوف على النص التشريعي من جهة وما عرض على القضاء من نوازل من جهة أخرى، والتأكد من توافر جميع شروط تطبيق قاعدة ما باعتبار ما سبق ذكره من ترابط المقتضيات وأصولها. ثم بعد ذلك اختيار الصيغة المناسبة لتنزيل ذلك المقتضى على النحو المناسب للنزاع المعروض بالشكل الذي يحقق أكبر قدر من العدالة بمختلف صورها و تجلياتها بما في ذلك العدالة النفسية.
إن التعليق على المقررات القضائية على نحو غير علمي ولا يعترف بالقواعد المذكورة أعلاه لا يكون تعليقا بالمعنى العلمي المعروف، وإنما يمكن أن يدخل في صيغة أخرى قد تكون رأيا أو ما شابه.
و أما بالنسبة لقرارات محكمة النقض خاصة فإن التعليق عليها لا يستقيم بالوقوف على قاعدتها فقط، وإنما يجب أن يقرأ القرار ذاته لاعتبارين اثنين :
أولهما أن القاعدة قد تكون مجرد تعبير ناشئ عن فهم المعلق لمقتضى القرار،
ثانيهما أن القاعدة لا تتضمن أسبابها ومدى استجابته لحيثيات النزاع.
ولذلك فإن عدم اعتبار كل ذلك لا يكون مفيدا في وصف ما يكتب على أي مقرر قضائي عموما و قرار محكمة النقض خصوصا تعليقا.
و بهذه المناسبة نشير إلى ما تم تداوله من استغلال غير علمي وغير منهجي لمبدأْ أقره قرار محكمة النقض عدد 331 الصادر بتاريخ 23 يونيو 2015 في الملف الشرعي عدد 276/2/1/2015 المنشور بالعدد 80 من مجلة " قضاء محكمة النقض ".
فقد تمت قراءة المبدأ المذكور (منشور مرفقا بهذا المقال أسفله) بمعزل عن الحيثيات التي دفعت محكمة النقض لإصداره .
و هنا لابد من وضع القارئ أمام وقائع ذلك النزاع لتتضح له الصورة جلية ويقارن مدى البعد الذي ذهبت إليه التعليقات أو التناول الصحفي للمبدأ المنشور .
فأصل النزاع كان متمثلا في قيام علاقة زوجية بين رجل و امرأة عاشا ردحا من الزمن تحت سقف دار واحدة، وأنجبا خلال حياتهما الزوجية ثلاث بنات، غير أن نفس الزوج كانت تتوق إلى ابن ذكر، ولكن أمله أصبح في حكم الضائع بعدما وصلت زوجته لسن اليأس من الولادة بحكم سنها، مما دفعه لطلب الزواج من امرأة أخرى لعل القدر يكون بجانبه في إنجاب الطفل الذكر، وهو ما دفعه لسلوك المساطر القانونية التي أقرتها المدونة ورفع دعوى التعدد أمام محكمة أول درجة التي باشرت الإجراءات فاستدعيت الزوجة وأشعرت بطلب زوجها فوافقت بعدما أقرت بصحة جميع ما جاء بطلبه، هذا بالإضافة إلى أن الزوج الطالب قام بتبرير توفره على مصادر التعيش التي تمكنه من إعالة أسرتين. غير أن المحكمة المعروض عليها النزاع رفضت طلبه، وبعد أن استؤنف الحكم أقرته محكمة الدرجة الثانية ورفضت الطلب من جديد، مما حدا بالطالب إلى الطعن بالنقض في قرار محكمة الاستيناف بعلة:
1- أن رغبته في إنجاب ولد ذكر قائمة وأن زوجته التي أنجبت له ثلاث إناث لم تعد قادرة على الإنجاب بحكم سنها،
2- وأنه يتوفر على الشروط اللازمة للتعدد وعلى رأسها توفره على موارد كافية لإعالة أسرتيه
3- كما أن زوجته الأولى وافقت على التعدد .
و بعدما راقبت محكمة النقض ما خلصت إليه محاكم الموضوع ووقفت على مبررها الذي رفضت به الدعوى وتيقنت أن ذلك الرفض تم بالعلة التالية " أن رغبة الطاعن في إنجاب مولود ذكر لتوفره على البنات فقط غير مبرر للاستجابة لطلبه فقط "، أقرت بأن ما ذهبت إليه محكمة الموضوع غير مؤسس مادام الطالب/الزوج قد أثبت المبرر الموضوعي الاستثنائي الذي هو رغبته في إنجاب مولود ذكر، وأنه لا يوجد لا في القانون و لا في الشرع ما يمنعه من تلك الرغبة، وأنه لما برر قدرته على إعالة الأسرتين ووافقت له زوجته الأولى بالتعدد فإن شروط مقتضيات المادتين 40 و41 من مدونة الأسرة كلها متوافرة وأنه كان على محكمة الموضوع أن تستجيب لطلبه .
فقرار محكمة النقض لم يخرق القانون، وإنما طبقه تطبيقا سليما منسجما مع مقتضيات المادتين 40 و41 من مدونة الأسرة. تلك المقتضيات التي تجيز للمحكمة منح الإذن بالتعدد في حالة توفر الظرف الاستثنائي والمبرر الموضوعي مع إثبات القدرة المالية على إعالة الأسرتين . و بالتالي فإن محكمة الموضوع لما رفضت الطلب فقد بنت حكمها على أساس غير محدد وغير سليم وهو أساس مجمل لا يمكن أن تبنى عليه المقررات القضائية وفق ما تقتضيه أصول صناعة القضاء.
لذلك فإن اجتثات المبدأ من حيثياته وقراءته بمعزل عن تلك الحيثيات، يبعث على الاعتقاد بأن ما ورد بخصوصه لا يدخل في نطاق التعليق العلمي على المقررات القضائية. وكل ذلك بالمناسبة يعصف بحق الإنسان في المحاولة لتحقيق رغبته الشخصية التي لا يطالها لا قانون و لا شرع ، ألا وهي الرغبة في إنجاب الولد عموما والذكر على وجه الخصوص خاصة وأن الزوج في حديثنا هذا لم ينكر العشرة مع الزوجة الأولى التي لم تنكرها أيضا، ولم يبخس حق بناته أو ينكرهن ، ولكنه تاق للمولود الذكر وهو ما يدخل في باب الرخص الثابتة لكل إنسان كحقه في أن يتزوج و ما يترتب عن ذلك من رغبات في الإنجاب أو رغبته في إنجاب الذكر.
و هنا تجدر الإشارة إلى أن محكمة النقض التي أصدرت المقرر عملت بقاعدة لا "ضرر و لا ضرار" فهي لما تأكدت من توفر شروط المادة 41 من مدونة الأسرة وتحققت من موافقة الزوجة الأولى وأن زوجها الطالب لم يرغب في تطليقها لمجرد عدم إنجابها للذكر تكون قد وقفت على انتفاء الضرر بالزوجة الأولى وبناتها من الطالب، ولما أقرت ذات المحكمة حق الطالب في الزواج مرة ثانية من أجل تحقيق رغبته وفق حيثيات الوقائع المعروضة تكون قد حققت شرط انعدام الضرار به. فأقامت بذلك موازنة حقيقية بين الحق الواجب.
وخلاصة القول فإن التعليق على المقررات القضائية لا يمكن أن يتم بمجرد الرأي المطبوع بنسبة عالية من الذاتية، فالتعرف على آليات صناعة تلك المقررات جزء لا يتجزأ من مهارة التعليق عليها وهو ما يجعل التعليق أقرب ما يكون إلى الموضوعية التي يقتضيها اتخاذ القرار القضائي.