كتب قانونية

الخميس، 16 يونيو، 2016

جريمة الرشوة في القانون المغربي

جريمة الرشوة في القانون المغربي












جريمة الرشوة

ماهية جريمة الرشوة
1.    تعريف الرشوة
اهتم المشرع المغربي بجريمة الرشوة وقد نص عليها ضمن المواد 248..256 من القانون الجنائي والمواد 35..40 من ظهير 06/10/1972 وإذا كان من عادة المشرعين أنهم لا يهتمون بالتعريفات فان الفقهاء والقانونين وكذا القضاء ينصرفون إلى تعريف الجرائم، وهكذا فان الفقه عرف جريمة الرشوة بأنها هي عرض من جانب وقبول من جانب آخر لأي فائدة أو منفعة كانت مقابل القيام أو الامتناع عن العمل من أعمال وظيفته .
2.    علة التجريم
تتجلى خطورة الرشوة في مظهرين ه،ما ، أولهما أنها تسفر عن فقدان الثقة لدى الأفراد بالمهمة التي أودعتها الدولة بين أيدي الموظفين العموميين والأمر الآخر يكمن في أن الرشوة في حد ذاتها تؤدي إلى انتفاء العدالة بين المواطنين .
وقد أصاب المشرع الجنائي المغربي  باعتناقه مذهب ثنائية الرشوة  لان ذلك من شانه تشديد العقاب على كل من المرتشي) المواد 248 ,249 والراشي الفصل 251 من القانون الجنائي على حد سواء ثم انه يسمح باستقلال الجريمتين في المسؤولية والعقاب إذ يتصور وقوع إحدى الجريمتين دون الأخرى بالضرورة ومن نتائج ذلك الاستقلال إمكانية متابعة الراشي عن جريمة عرض الرشوة التي قد يرفضها الموظف العمومي والعكس صحيح إذ يمكن مساءلة هذا الأخير لطلبه الرشوة.

   II.            جريمة المرتشي
ينص الفصل 248 من القانون الجنائي: "يعد مرتكبا لجريمة الرشوة... من طلب أو قبل عرضا أو وعدا أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى من أجل :
o      القيام بعمل من أعمال وظيفته بصفته قاضيا أو موظفا عموميا أو متوليا مركزا نيابيا أو الامتناع عن هذا العمل، سواء كان عملا مشروعا أو غير مشروع ، طالما أنه غير مشروط بأجر . وكذلك القيام أو الامتناع عن أي عمل ولو أنه خارج عن اختصاصاته الشخصية إلا أن وظيفته سهلته أو كان من الممكن أن تسهله.
o      إصدار قرار أو إبداء رأي لمصلحة شخص أو ضده، وذلك بصفته حكما أو خبيرا عينته السلطة الإدارية أو القضائية أو اختاره الأطراف.
o      الانحياز لصالح أحد الأطراف أو ضده، وذلك بصفته أحد رجال القضاء أو المحلفين أو أحد أعضاء هيئة المحكمة.
o      إعطاء شهادة كاذبة بوجود أو عدم وجود مرض أو عاهة أو حالة حمل أو تقديم بيانات كاذبة عن أصل مرض أو عاهة أو عن سبب وفاة وذلك بصفته طبيبا أو جراحا أو طبيب أسنان أو مولدة.
كما تنص الفصل 249 من نفس القانون: يعد مرتكبا لجريمة الرشوة... كل عامل أو مستخدم أو موكل بأجر أو بمقابل ، من أي نوع كان طلب أو قبل عرضا أو وعدا ، أو طلب أو تسلم هبة أو هدية أو عمولة أو خصما أو مكافأة ، مباشرة أو عن طريق وسيط ، دون موافقة مخدومة ودون علمه ، وذلك من أجل القيام بعمل أو الامتناع عن عمل من أعمال خدمته أو عمل خارج عن اختصاصاته الشخصية ولكن خدمته سهلته أو كان من الممكن أن تسهله. ويضح من النصين أعلاه أن جريمة المرتشي تقوم على ثلاث عناصر :
1.    صفة المرتشي
يصنف القانون الجنائي جريمة الرشوة ضمن الجرائم التي تشترط توافر صفة معنية في شخص الفاعل الرئيسي للجريمة، ويترتب علي ذلك أن الرشوة لا تقع إلا من فاعل يتميز بصفة الموظف العمومي أو من في حكمه ومختصا بالعمل أو الامتناع المطلوب منه أداؤه .  إلا أن المشرع الحق بها أشخاص آخرين يعملون بالأساس في القطاع الخاص لما لنشاطهم من أهمية اقتصادية واجتماعية.
ويتصور ارتكاب جريمة المرتشي استنادا إلى المادتين 248 و 249 من ق.ج  من طرف الموظفين  العموميين/ القضاة و أعضاء هيئة الحكم / المحكمون و الخبراء/ أصحاب المراكز النيابية / الأطباء و الجراحون وأطباء الأسنان و المولدات.
2.    الركن المادي في جريمة المرتشي
يتكون الركن المادي لجريمة الرشوة من نشاط يتمثل في صورة من الصور الآتية: طلب، أخذ أو قبول، تقاضي فائدة في مقابل أداء عمل من أعمال وظيفته أو الامتناع عن أداء واجبات وظيفته أو الإخلال بها.
v   الطلب : يقصد به التعبير بإرادة منفردة  الصادر عن الموظف أو من في حكمه برغبته في الحصول على مقابل لأداء عمل أو الامتناع عنه.
v   القبول : يقصد به قبول الموظف أو من في حكمه  العرض المقدم من طرف   صاحب المصلحة .
v   الاستلام :  يقصد به تلقي أو أخذ المرتشي لمقابل أداء وضيفته أو الامتناع عن أدائها.  مثل هبة أو هدية أو منفعة أخرى ويتم باستلام الموظف لما عرض عليه، مهما كان شكل هذا الاستلام.
3.    الركن المعنوي
الرشوة جريمة عمدية يتشكل الركن المعنوي فيها من القصد الجنائي. هذا القصد الجنائي هو قصد عام يتكون من العلم والإرادة؛ علم الموظف بأن هناك فائدة قدمت له، مع علمه بأن تقديم تلك الفائدة هي في مقابل قيامه بعمل أو امتناع أو مخالفة لواجبات وظيفته، وإرادته أن يحصل عليها.

III.            جريمة الراشي
تنص الفصل 251 من القانون الجنائي على " من استعمل عنفا أو تهديدا ، أو قدم وعدا أو عرضا أو هبة أو هدية أو أية فائدة أخرى لكي يحصل على القيام بعمل أو الامتناع عن عمل أو على مزية أو فائدة مما أشير إليه في الفصول 243 إلى 250 ، وكذلك من استجاب لطلب رشوة ولو بدون أي اقتراح من جانبه ، يعاقب بنفس العقوبات المقررة في تلك الفصول ، سواء أكان للإكراه أو للرشوة نتيجة أو لا."
من خلال هذه الفصل يتضح لنا أن جريمة الراشي مستقلة عن جريمة المرتشي.
1.    الركن المادي في جريمة الراشي
v   استعمال العنف أو التهديد: حالة إكراه الموظف بغية دفعه إلى مخالفات واجبات وظيفته ونحو ذلك إشهار السلاح في وجهه لإرغامه على الفعل المخالف أو التهديد بخطف أحد أولاده أو إتلاف ماله إلى غير ذلك من الحالات... ويقوم الركن المادي بهذا النوع من التهديد سواء كان للتهديد نتيجة أم لا.
v   تقديم وعد أو عرض: يكفي لكي تقوم الجريمة في حق الراشي أن يقوم بإغراء الموظف للاتجار بوظيفته. لذلك كان مجرد تقديم الوعد أو العرض كافيا بإدانته بغض النظر عن قبول الموظف المختص بالعمل أو الامتناع للوعد أو العرض أو رفضه له. ويشترط في العرض أن يكون جادا أي يهدف من وراءه الحصول على مصلحة معينة.
v   الاستجابة لطلب الرشوة: تقوم هذه الحالة على عكس الحالات السابقة من صور الركن المادي على تصرف سلبي من جانب المرتشي هو استجابته لطلب المرتشي فهو لم يعرض رشوة ولم يحاول إغراء الموظف بوعد أو عهد ولكنه استجاب للموظف حينما طلب منه رشوة مختارا وعلى بينة من الأمر وشرط قيام هذه الجريمة هو علم الراشي بطبيعة المقابل المطلوب منه
2.    الركن المعنوي
جريمة الراشي جريمة عمدية يلزم فيها توافر القصد الجنائي العام بعنصريه العلم والإرادة. علم باركان الجريمة وإرادته إلى الفعل المكون لها ونتيجته فيلزم ان يكون الجاني عالما بأنه يتجه بفعله إلى موظف عمومي أو مستخدم لكي يكرهه على القيام بالعمل أو يغريه للقيام به كما يلزم أن يتجه الجاني بإرادته إلى إحداث الفعل المادي ونتيجته ولو لم يتحقق بالفعل.
IV.            جريمة الوساطة في الرشوة
الوسيط في عملية الرشوة هو كل شخص يتدخل بين الراشي و المرتشي ممثلا احدهما لدى الأخر في القيام بدوره لإتمام جريمة الرشوة. و القانون المغربي لم يتعرض صراحة لحكم الوساطة في الرشوة على الرغم من خطورتها عكس التشريعات المقارنة. و أمام غياب نص خاص بالوساطة في الرشوة يبقى التكييف القانوني هو المشاركة طبقا للفقر الثالثة من الفصل 129 ق.ج .
  V.            إثبات جريمة الرشوة و عقوبتها
1.    إثبات جريمة الرشوة
لم يحدد المشرع المغربي وسيلة خاصة لإثبات جريمة الرشوة وبذلك فهي تخضع للأحكام العامة للإثبات المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية الفصل 286. ولذلك فقد تثبت بالاعتراف – قضائيا كان أم غير قضائي-كما قد تثبت حالة التلبس بالأوراق الصادرة عن المتهم أو عن الغير، أو بناء على محضر الضابطة القضائية في حالة التلبس بالجريمة، كما يمكن أن تثبت الرشوة بالشهادة، بما في ذلك شهادة المتهمين بعضهم على بعض. كما تلعب القرائن دورا هاما في إثبات هذه الجريمة والتي يستخلصها القاضي من وقائع القضية المعروضة أمامه وعلى كل فإن خصوصية جريمة الرشوة تجعل للظروف والملابسات المحيطة بالفعل المادي للجريمة دور كبير في استجلاء عناصرها لاسيما القصد الجنائي لدى الجاني.
2.    العقوبة المقررة  لجريمة الرشوة
قرر المشرع الجنائي لمرتكب جريمة الرشوة عقوبات متفاوتة تتناسب و خطورة الفعل الصادر عن الجاني . وتتراوح هذه العقوبات بين عقوبات أصلية وأخرى إضافية.
1.1.        العقوبات الأصلية

‌أ.        العقوبات الجنحية
هي التي نصت عليها المادتان248 و 289 من ق.ج :
Ø    الحبس من سنتين إلى خمس والغرامة من ألفي درهم إلى خمسين ألف درهم، بالنسبة للموظف العمومي المرتشي و هي نفس العقوبة المقررة للراشي بمقتضى الفصل 251 من ق.ج
Ø    الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات والغرامة من خمسة آلاف درهم إلى مائة ألف درهم على ارتكاب جريمة الرشوة في إطار المشروعات الخاصة سواء كان الفاعل راشيا أو مرتشيا.
‌ب.  العقوبات الجنائية
شدد المشرع عقوبة الرشوة لتصبح جناية إذا ما اقترنت بإحدى ظروف التشديد.
·        إذا كان الغرض من الرشوة القيام بعمل يكون جناية في القانون: الحالة المنصوص عليها في الفصل 252 من القانون الجنائي والتي يكون الغرض فيها من الرشوة القيام بعمل يكون جناية في الواقع. وهكذا تنص الفصل على انه: " إذا كان الغرض من الرشوة أو استغلال النفوذ هو القيام بعمل يكون جناية في القانون، فإن العقوبة المقررة لتلك الجناية تطبق على مرتكب الرشوة أو استغلال النفوذ ".
·        ارتشاء أحد رجال القضاء لإصدار حكم بعقوبة جناية ضد متهم: وقد نص على هذه الحالة الفصل 253 ق.ج الذي قرر بأنه: “إذا كانت رشوة أحد رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين أو قضاة المحكمة قد أدت إلى صدور حكم بعقوبة جناية ضد المتهم، فإن هذه العقوبة تطبق على مرتكب جريمة الرشوة”
ويشترط لتشديد العقوبة استنادا إلى هذا النص صدور حكم بعقوبة جناية بالفعل ضد المتهم.

·        إذا كانت قيمة المقابل في الرشوة تساوي أو تعدى خمسة وعشرون أف درهم: في هذه الحالة تطبق عقوبة السجن من5 سنوات إلى 10 وغرامة من 5000 إلى 100000 درهم . طبقا للمادتان 6 و7 من قانون 79.03.
1.2.        العقوبات الإضافية

o      المصادرة : جاء في الفصل 255 ق ج بأنه " لا يجوز مطلقا أن ترد إلى الراشي الأشياء التي قدمها، ولا قيمتها بل يجب أن يحكم بمصادرتها وتمليكها لخزينة الدولة "
الحرمان من بعض الحقوق المشار إليها في الفصل 40 من ق.ج : جاء في الفصل 256 ق ج بأنه: "في الحالات التي تكون فيها العقوبة المقررة طبقا لأحد فصول هذا الفرع عقوبة جنحية فقط، يجوز أيضا أن يحكم على مرتكب الجريمة بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 من خمس سنوات إلى عشر كما يجوز أن يحكم عليه بالحرمان من مزاولة الوظائف أو الخدمات العامة مدة لا تزيد عن عشر سنوات".