كتب قانونية

الخميس، 28 يوليو، 2016

الدعوى الجنائية بين تقسيمها.. وانقضائها محمد بن عبد العزيز المحمود

الدعوى الجنائية بين تقسيمها.. وانقضائها   محمد بن عبد العزيز المحمود













الدعوى الجنائية بين تقسيمها.. وانقضائها

محمد بن عبد العزيز المحمود

    تميّز نظام الإجراءات الجزائية السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/ 39وتاريخ 1422/7/28ه بتوافقه وتماشيه مع تعاليم الشريعة الإسلامية السمحة التي كفلت للإنسان حقوقه المادية والمعنوية وحرمت الاعتداء على حريته بأي نوعٍ من أنواع الاعتداء إلا في حدود معينة بينّها الشارع الحكيم.

ومن هذا التوافق ما بينّه النظام حيال تقسيم الدعوى الجنائية ؛ إلى عامة وخاصة، ومَنء له الحق في رفعها ؟ وكذلك أسباب انقضاء الدعوى بقسميها.

فنقول وبالله التوفيق:

إن الدعوى الجنائية تنقسم إلى قسمين هما:

1- دعوى جنائية عامة: وهي الدعوى التي تتعلق بالجرائم التي تقع اعتداء على الحق العام، وتتمثل في الجرائم التي تنال بالاعتداء على الدولة أو المجتمع مباشرة.

مثال ذلك: جرائم الحدود العامة، كجريمة الزنا والحرابة (الإفساد في الأرض) وكذلك جرائم التعزير على المعاصي التي فيها حق الله عز وجل.

وهذا القسم من الدعوى يتولى رفعها ومباشرتها أمام المحكمة المختصة: المدعي العام التابع لهيئة التحقيق والادعاء العام، حيث نصت المادة رقم (16) من نظام الإجراءات الجزائية على ذلك.

2- دعوى جنائية خاصة: وهي الدعوى التي تنصرف إلى الجريمة التي تقع اعتداء على حق خاص، كجرائم القصاص عموماً سواء كان في النفس أو فيما دونها، وكذلك الجرائم التعزيرية التي فيها اعتداء على الحقوق الفردية.

وهذا القسم من الدعوى يتولى رفعها المجني عليه أو مَنء ينوب عنه أو وارثه من بعده، وهذا ما نصت عليه المادة رقم (17) من النظام، فلا يجوز إقامة الدعوى الجزائية أو إجراءات التحقيق في الجرائم الواجب فيها حق خاص للأفراد إلا بناءً على شكوى من المجني عليه أو مَنء ينوب عنه أو وارثه من بعده إلى الجهة المختصة ؛ إلا في حالات استثنائية ترى هيئة التحقيق والادعاء العام مصلحة عامة في رفع الدعوى والتحقيق في هذه الجرائم وهي:

أ - القذف والسب في مكان غير علني.

ب- السرقة والاختلاس وخيانة الأمانة من أصول المجني عليه أو فروعه.

ج - قضايا العقوق.

د - الامتناع عن أداء النفقة أو أجرة الحضانة أو الرضاعة أو المسكن المحكوم بها بحكم واجب التنفيذ.

ه - الامتناع عن تسليم الصغير لمن له الحق في حضانته، أو أخذه بقصد حضانته من يد مَنء يتولاه، أو يكفله، بحكم واجب التنفيذ.

إذا تقرر هذا فإن الدعوى الجنائية العامة تنقضي بأحد أسبابٍ أربعة هي:

أولاً: صدور حكم نهائي:

والمقصود بالحكم النهائي هو: الحكم المكتسب للقطعية إما:

أ - بقناعة المحكوم عليه (ولا يشترط قناعته فيما فيه إتلاف) وهوما يتضمن - في الدعوى أو العقوبة المحكوم بها - إزهاق نفس آدمي، أو ذهاب عضو من أعضائه،

أو منفعة من منافعه، أو بعضها (بل لا بد من تصديق مجلس القضاء الأعلى).

ب - تصديق الحكم من محكمة التمييز، (أو من مجلس القضاء الأعلى وذلك فيما فيه إتلاف)، وسواءً كان ذلك الحكم بالإدانة أو البراءة.

ج - انتهاء المدة التي يحق فيها للمتهم الاعتراض على الحكم.

ومما ينبغي التنبيه عليه هو أن اكتساب الأحكام للقطعية في نظام الإجراءات الجزائية بالمملكة العربية السعودية يكون من المحاكم الشرعية فقط.

أما الأمر السامي الصادر من مقام مجلس الوزراء فهو أمر للتنفيذ فقط وليس للمصادقة على الحكم أو تأييده.

كما ان نظام الإجراءات الجزائية بيّن الأحوال التي يجوز فيها - لأي من الخصوم

- أن يطلب إعادة النظر في الأحكام النهائية الصادرة بالعقوبة وهذه الأحوال هي:

1- إذا حُكم على المتهم في جريمة قتل ثم وُجِد المُدعى قتله: حياً.

2- إذا صدر حكم على شخص من أجل واقعة، ثم صدر حكم على شخص آخر من أجل الواقعة ذاتها، وكان بين الحكمين تناقض يُفهم منه عدم إدانة أحد المحكوم عليهما.

3- إذا كان الحكم قد بُني على أوراق ظهر بعد الحكم تزويرها، أو بُني على شهادة ظهر بعد الحكم أنها شهادة زور.

4- إذا كان الحكم بُني على حكم صادر من إحدى المحاكم ثم ألغي هذا الحكم.

5- إذا ظهر بعد الحكم بيّنات أو وقائع لم تكن معلومة وقت المحاكمة، وكان من شأن هذه البيّنات أو الوقائع عدم إدانة المحكوم عليه، أو تخفيف العقوبة.

ويجوز طلب إعادة النظر ولو سبق تنفيذ الحكم، أو سقط بالعفو أو الصلح أو وفاة المحكوم عليه، أو بصدور عفو عن العقوبة.

ثانياً: عفو ولي الأمر فيما يدخله العفو:

والمقصود بقولنا: "فيما يدخله العفو" العقوبات التعزيرية الواجبة حقاً لله تعالى.

أما جرائم الحدود (السرقة، الزنا، القذف، شرب المسكر، الحرابة، البغي، الردة) فلا يدخلها العفو بعد وصولها لولي الأمر.

فالحدود إذا ثبتت ووصلت لولي الأمر تصبح واجبة التنفيذ لا يجوز العفو ولا الشفاعة فيها.

لكن في جرائم التعزير التي يكون الحق فيها لله تعالى أو فيها حق الله،فإن لولي الأمر العفو عنها سواءً كان ذلك قبل الحكم صدور أو بعده وقبل التنفيذ.

وإذا عفا ولي الأمر عن جرائم التعزير الواجبة حقاً لله تعالى، فإن عفوه لا يؤثر بأي حال على حقوق المجني عليه (الحق الخاص).

ثالثاً: ما تكون التوبة فيه بضوابطها الشرعية: مسقطة للعقوبة.

والتوبة هنا لا تكفي لإسقاط حقوق العباد، فمن سرق مال أحد ثم تاب بعد ذلك، فإن هذه التوبة لا تُسقط حق الآدمي بل يجب عليه رد المظالم إلى أهلها لتبرأ ذمته.

أما التوبة من الحدود التي فيها حق الله كالحرابة ؛ فإن تاب المحارب قبل القدرة عليه سقط عنه ما كان حقاً لله عز وجل ولا يسقط عنه ما كان للناس، أما إذا كانت التوبة بعد القدرة عليه فلا تقبل توبته. أما بقية الحدود ففيها تفصيلات للعلماء لا يتسع المقام لذكرها.

رابعاً: وفاة المتهم:

جاء نظام الإجراءات الجزائية لتقرير أن العقوبة تختص بالجاني فقط، فلايُسأل أحدٌ عن جرم غيره أو يؤاخذ به مهما كانت درجة القرابة بينهما، وهذا الأصل قررته الشريعة الإسلامية وأكدت عليه. قال تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. وإذا كان هذا الحكم للجاني فالمتهم من باب أولى، وبناءً عليه إذا توفي المتهم انقضت الدعوى الجزائية العامة، بالنسبة له وحده، سواءً كانت الوفاة قبل تحريك الدعوى الجزائية أو أثنائها فإذا مات قبل تحريك الدعوى كان الإجراء هو حفظ الأوراق، أما إذا كان بعد تحريك الدعوى الجزائية فيكون الإجراء صدور أمر من المحقق بحفظ الدعوى الجزائية العامة. والمقصود بانقضاء الدعوى الجزائية العامة للمتوفى هو عدم المطالبة بمعاقبته بدنياً لتعذر ذلك بوفاته، وكذلك لا يطالب - للحق العام - بإيقاع عقوبة مالية لانقضائها بوفاته أيضاً.

وكذلك إذا كانت الوفاة بعد الحكم الشرعي النهائي فلا يطالب الجاني المتوفى بالعقوبة البدنية - لانقضائها بوفاته - ولا يطالب أيضاً بالعقوبة المالية لأن المقصود منها ردعه وزجره ولا يمكن ذلك بعد وفاته.

ثم إن انقضاء الدعوى الجزائية بوفاة المتهم لا يمنع جهة التحقيق من مباشرة التحقيق أو استكماله من أجل معرفة الجريمة ومرتكبيها؛ لدفع احتمال وجود شريك،كما أنه لا أثر لانقضاء الدعوى بالوفاة بالنسبة لمتهم معين على سيرها بالنسبة لمتهم آخر؛ سواء كان فاعلاً أصلياً، أو شريكاً في جريمة.

كما أنه لا يمنع الحكم الذي يصدر بانقضاء الدعوى الجزائية العامة بوفاة المتهم من إعادة التحقيق؛ إذا تبيّن أن المتهم لا يزال حياً، وعلى هيئة التحقيق والادعاء العام رفع الدعوى الجزائية من جديد.

وفي كل الحالات الأربع التي تنقضي بها الدعوى الجزائية العامة لا يوجد مانعٌ من الاستمرار في دعوى الحق الخاص، كما أنه لا مانع من مصادرة ما تعد حيازته جريمة كحيازة سلاحٍ غير مرخص.

أما الدعوى الجنائية الخاصة فلقد حدد نظام الإجراءات الجزائية في المادة الثالثة والعشرين أسباب انقضاء الدعوى الجنائية الخاصة في أمرين:

أولاً:صدور حكم نهائي، وهو الحكم المكتسب للقطعية إما بقناعة المحكوم عليه، أو تصديق الحكم من محكمة التمييز أو مجلس القضاء الأعلى حسب الاختصاص سواءً كان الحكم بالإدانة أو البراءة، أو انتهاء المدة التي يحق فيها للمتهم الاعتراض على الحكم. فإذا صدر الحكم واكتسب صفة القطعية انقضت الدعوى، ذلك أن حكم القاضي يقطع النزاع ويُنهي الخصومة.

ثانياً: عفو المجني عليه أو وارثه المطلق وبدون مقابل، وكذلك إذا ترك المدعي دعواه بإرادته قبل صدور الحكم فيها (تنازل عن الدعوى) فقد انقضت الدعوى الجنائية الخاصة.

ثم إنه لا يمنع عفو المجني عليه، أو وارثه من الاستمرار في دعوى الحق العام، كما أنه إذا تعدد المجني عليهم أو ورثتهم فعفو بعضهم لا يمنع استمرار الدعوى من البقية، إلا في حالة مطالبتهم بالقصاص من قاتل مورثهم فإن عفو بعض مستحقي الدم ولو كان واحداً يمنع من الاستمرار في القصاص فيعدل عن القصاص إلى الدية لأن القصاص لا يتجزأ.


هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.