نصوص قانونية

الخميس، 28 يوليو، 2016

أوْجُهُ البُطْلَان فيْ نِظام الإجْرَاءَات الجَزائية السُّعْودي د نَاصِرْ بنْ رَاجِحْ الشَهرَاني

أوْجُهُ البُطْلَان فيْ نِظام الإجْرَاءَات الجَزائية السُّعْودي  د  نَاصِرْ بنْ رَاجِحْ الشَهرَاني












أوْجُهُ البُطْلَان فيْ نِظام الإجْرَاءَات الجَزائية السُّعْودي

الشيخ: نَاصِرْ بنْ رَاجِحْ الشَهرَاني
عُضُو هَيئَة التحقيْق والادعَاءْ العَامُ بمكَةَ المكرَّمَة

   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
   فلقد مثّل صدور نظام الإجراءات الجزائية في المملكة العربية السعودية ([1]) نقلة مهمة ومنعطفاً إيجابياً في العدالة الجنائية القائمة على أحكام الشريعة الإسلامية. وإذا كان هذا النظام قد تأثر بالأنظمة الأخرى في الوطن العربي وخصوصاً قانون الإجراءات الجنائية المصري، فإنه ظل محتفظاً بسمات النظام في المملكة العربية السعودية القائم على الشريعة الإسلامية.
   ومن أهم ما تعرّض له هذا النظام البطلان، حيث خصص لذلك الفصل التاسع من الباب السادس، والذي لم يكن نظام مديرية الأمن العام ينص على البطلان ولم تتعرض نصوصه لذلك.
   وإذا كان نظام الإجراءات الجزائية – كما أشرنا سابقاً – قد تأثر بأنظمة أخرى، فإن أي دراسة لهذا النظام تستدعي الاطلاع على تلك الأنظمة ومراجعة أحكام القضاء فيها، بحثاً عن الحكمة التي هي ظآلة المؤمن.
   وإذا كان نظام الإجراءات الجزائية هو مجموعة من القواعد التي وضعها المنظم لتحكم سير الدعوى الجزائية، فإن هذه القواعد ليست مجرد نصوص مكتوبة، بل هي الطريق الأمثل الذي رسمه المنظم ويتعين سلوكه في الدعوى الجزائية والخروج عن هذا الطريق هو مخالفة تستدعي ما يعرف إجرائياً بالبطلان.
   والبطلان هو جزاء على الإجراء نفسه، أما القائم فقد يكون محلاً لمساءلة جنائية أو إدارية أو مدنية، تبعاً لنوع المخالفة وظروفها، ولا يتعين الخلط بين الجزاء الإجرائي (البطلان) والجزاءات الأخرى المشار إليها.
   وسوف تكون خطة البحث على النحو التالي:
   المبحث الأول: ماهية البطلان، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: تعريف البطلان.
المطلب الثاني: الفرق بين البطلان والانعدام
المطلب الثالث: أحوال البطلان
المطلب الرابع: معيار البطلان
   المبحث الثاني: البطلان في الأنظمة المقارنة، وفيه ثلاثة مطالب:
          المطلب الأول: البطلان في نظام الإجراءات الجزائية السعودي
          المطلب الثاني: البطلان في الأنظمة الإجرائية الجزائية لدول مجلس التعاون لدول الخليج
          المطلب الثالث: البطلان في قانون الإجراءات الجنائية المصري
   المبحث الثالث: الدفع بالبطلان، وفيه مطلبان:
          المطلب الأول: شروط الدفع
          المطلب الثاني: أثر الرضا في زوال البطلان
   المبحث الرابع: آثار البطلان

المبحث الأول
ماهية البطلان

البطلان الأول: تعريف البطلان
   في اللغة بطل الشيء – بطلاً، وبطولاً، وبطلاناً – ذهب ضياعاً. يقال: بطل دم القتيل، وذهب دمه بطلاً.
   وبطل فسد وسقط حكمه يقال: بطل البيع وبطل الدليل، فهو باطل.
   (أبطل): جاء بالباطل يقال: أبطل البيع والحكم والدليل والعمل([2]).
   قال تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ ))[البقرة:264].
   والباطل – في اصطلاح الفقهاء – ما وقع غير صحيح من أصله، بخلاف الفاسد الذي يقع صحيحاً في جملته ويعوزه بعض الشرط([3]).
   والبطلان في الإجراءات الجزائية – في اصطلاح شراح الأنظمة – هو الجزاء المترتب على تخلف كل شروط صحة الإجراء الجنائي أو بعضها، مما يحول دون أن ينتج الإجراء أثره النظامي([4]).
المطلب الثاني: الفرق بين البطلان والانعدام
   البطلان هو جزاء إجرائي، ينتج بسبب تخلّف أحد الشروط المتعلقة بصحة الإجراء الجنائي، ويترتب على ذلك عدم تحقق آثار الإجراء النظامي.
   وانعدام العمل النظامي يعني عدم وجوده([5]) وهو يتفق مع البطلان في أن الإجراء معيب ولكنه لا يتعلق بشرط من الشروط المتعلقة بالصحة، بل هو يتعدى ذلك إلى زوال ركن من أركان هذا الإجراء([6])، فالعيب في حال الانعدام هو عيب جسيم إلى درجة أخل بالإجراء فأصبح منعدماً مشوهاً لا شكل له ولا قيمة في حين أن البطلان يمس شرطاً من الشروط يرتب عيباً أقل جسامة.
   فالتفتيش الذي يجريه أحد العامة في منزل شخص هو إجراء منعدم يُعدُّ غير موجود نظاماً لا أثر له على الإطلاق.
   فكل إجراء لم يتخذ هو إجراء منعدم بالضرورة، إذ هو لم يتخذ أصلاً وكل إجراء فقد أحد أركانه الأساسية اللازمة لقيامه هو إجراء منعدم أيضاً.
   فالإجراء المنعدم ليس له وجود فعلي ولا وجود نظامي، أما الإجراء الباطل فله وجود فعلي وليس له وجود نظامي([7]).
   والإجراء المنعدم يُتصرف في مواجهته كأنه لم يكن أصلاً في حين أن الإجراء الباطل يلزم له حكم قضائي يثبت بطلانه.
   ولقد أثار خلاف لدى شرّاح الأنظمة حيال الأخذ بنظرية الانعدام بجانب البطلان كأحد الإجراءات الإجرائية أم يكتفي بالبطلان ([8]).
   فهناك من يرى أن نظرية الانعدام تكامل نظرية البطلان، فالانعدام عند هؤلاء هو أشد صور البطلان، أي هو العيب الجسيم للإجراء، أو عدم اتخاذه أصلاً.
   كما لو اتخذ الإجراء من شخص ليس له علاقة بالإجراء؛ أي انعدام العلاقة الإجرائية بين متخذ الإجراء ومن اتخذ الإجراء في مواجهته، أو يكون الإجراء في ذاته جريمة، كدخول موظفٍ منزلَ شخص لتفتيشه على غير مقتضى نظامي ([9]).
   في حين أن الرأي الآخر يرى أن تقدير صحة إجراءات التحقيق راجع إلى المحكمة، فالنتائج التي سوف تترتب على الانعدام يرتبها البطلان([10]).
   وأرى أن نظرية الانعدام يمكن الأخذ بها وإن كانت في حدود ضيقة ومحدودة للغاية، إلا أن استبعادها بالكلية أمر فيه نظر.
   فإذا ضمت سلطة التحقيق بالأوراق إجراء التفتيش، ورتبت عليه نتائج، ثم ثبت لاحقاً أن الإجراء لم يتخذ أصلاً على الإطلاق، فماذا نسمي الحال هنا؟
   إنه ولاشك إجراء منعدم لعدم القيام به، ولو أوكل رجل الضبط الجنائي لأحد العامة القيام بالمعاينة، ماذا نسمي هذا الإجراء في هذه الحالة؟
   إنه إجراء منعدم لا محالة وهو أقل ما يمكن أن نقول به.
   ونخلص إلى أنه يمكننا إيجاز الفرق بين البطلان والانعدام في هذه النقاط:
   1- الإجراء المنعدم ليس له وجود فعلي أو نظامي، أما الإجراء الباطل فله وجود فعلي وليس له وجود نظامي.
2- العيب في الإجراء المنعدم جسيم يقوض أحد أركان الإجراء، في حين أن الإجراء الباطل أقل جسامة يتعلق عادة بشروط صحة الإجراء.
3- الانعدام لا ينص عليه في النظام، إذ لا حاجة لذلك، في حين أن البطلان قد ينص عليه نظاماً.
4- الانعدام لا يحتاج إلى حكم قضائي يقرره، إذ النظام يرتبه، في حين أن البطلان لا يتقرر إلا بحكم قضائي.
5- الانعدام لا مجال فيه للتصحيح أو تلافيه، في حين أن البطلان على خلاف ذلك.
6- الانعدام على درجة واحدة من القوة، في حين أن البطلان على درجتين فإما يكون متعلقاً بالنظام العام أو متعلقاً بمصلحة الخصوم وهو في الحالة الأولى مطلق وفي الثانية نسبي.
المطلب الثالث: أحوال البطلان
   تتنازع تشريعات تنظيم البطلان وجهتي نظر ([11])، لكل وجهة حيثياتها وما يدعمها من حجج.
   الرأي الأول:
   يذهب أنصار هذا الرأي إلى تقرير البطلان كجزاء إجرائي عند مخالفة أية قاعدة إجرائية.
   ويرى أنصار هذه الوجهة أن ذلك كفيل باحترام أحكام نظام الإجراءات الجزائية، وأن تنتج هذه القواعد أهدافها التي من أجلها قد قررت، ورغم أن هذا الرأي فيه صحة إلا أنه يؤدي إلى «شكلية مفرطة وبطء معيب في سير الدعوى» ([12]).
   الرأي الثاني:
   يتقرر البطلان هنا في الحالات التي تتم فيها مخالفة القواعد الإجرائية المهمة، ويغض الطرف عند مخالفة القواعد الإجرائية الأقل أهمية.
   ولاشك أن هذه الوجهة تحقق نوعاً من المرونة في الدعوى الجزائية وتتفادى الجمود الذي قد يترتب على الأخذ بالرأي الأول.
   ويمكننا القول: إن هناك نظريتين رئيسيتين في البطلان([13]) نتناولهما على النحو التالي:
   أولاً: نظرية البطلان بنص النظام:
   فتقوم هذه النظرية على مبدأ«لا بطلان بغير نص» ([14])، فالنظام «القانون» يحدد الحالات التي يكون فيها البطلان وهي حالات محددة في النظام يقدّرها المنظم، ولا مجال للاجتهاد من القاضي مطلقاً، إذ متى توفرت إحدى هذه الحالات حكم بالبطلان، فهو منصوص عليه في النظام ولا يملك إلا تقريره، وهناك تشريعات تأخذ بهذه النظرية، ومن ذلك قانون الإجراءات الجنائية الإيطالي «المادة 184/1 إجراءات»، ومن التشريعات العربية التي تأثرت بذلك قانون الإجراءات الجنائية الصومالي، حيث تنص المادة (90) على أنه: «لا يجوز تقرير البطلان ما لم ينص القانون على ذلك صراحة»([15]).
   ولهذه النظرية مزاياها وعيوبها. فمن مزاياها أن النص على حالات البطلان يجعل من السهولة والوضوح تطبيقه، وتتوحد بذلك الأحكام القضائية في هذا الشأن، إذ لا مجال للاجتهاد.
   ومن عيوبها أن النص على حالات البطلان يعني نوعاً من الجمود في تطبيق البطلان، وقد تتعرض بعض قواعد نظام الإجراءات الجزائية للمساس عند التطبيق، ومع هذا لا يملك القاضي تقرير البطلان بحجة أن حالاته مقررة في النظام لا يمكن الزيادة عليها في حيث أن دائرة الحالات التي ينص عليها قد تخفق في الوفاء بكل الحالات التي يتوجب فيها تقرير البطلان.
   ثانياً: نظرية البطلان الذاتي:
   إذا كانت النظرية الأولى تحجم من سلطة القاضي فإن هذه النظرية تعطيه سلطة أوسع في تحديد القواعد التي يترتب البطلان على مخالفتها. ويعطي النظام القاضي أداة يستخدمها عند تقرير البطلان.
   تتمثل هذه الأداة في المعيار المجرد الذي يعطيه النظام للقاضي للتمييز بين القواعد التي يترتب البطلان على مخالفتها، وتلك التي لا يبطل الإجراء المخالف لها([16]).
   فمتى كانت المخالفة قد مست قاعدة جوهرية تحمي مصالح أساسية تقرر البطلان، ومتى كانت المخالفة قد مست قاعدة غير جوهرية أقل أهمية من الأولى لم يتقرر البطلان.
    وما من شك أن هذه النظرية هي أكثر عملية من الأولى من ناحية التطبيق العملي، وإعطاء القاضي سلطة تقديرية في ذلك فيه مرونة في حسن سير الدعوى.
   وهذه السلطة تنطلق من الثقة في القاضي، ومع هذا فإن بها عيوباً تتمثّل في أن القواعد الجوهرية ليست دائماً بذلك الوضوح الذي يمكن معه القطع بأن القاعدة جوهرية، إذ إن هناك قواعد قد تختلف في مدى جوهريتها الآراء، وبالتالي تختلف الأحكام ويرتب ذلك خلافات كثيرة في الفقه القضاء.
   ومع هذا تظل هذه النظرية الأكثر شيوعاً واستخداماً([17]).
المطلب الرابع: معيار البطلان
   إن القواعد الإجرائية المنصوص عليها في نظام الإجراءات الجزائية، تتفاوت بين ما هو جوهري وما هو غير جوهري أو ما يعرف بالقواعد الإرشادية.
   ونظام الإجراءات الجزائية في أصله هو لضمان حسن سير العدالة الجزائية وللحفاظ على حقوق الأفراد وللموازنة بين حق الأفراد وحق المجتمع عندما تقع الجريمة، ووفقاً لهذه الاعتبارات والمصالح تتفاوت قواعده بين جوهري أو غير جوهري.
   وحيث إن البطلان هو جزاء إجرائي لاختلال أحد شروط القيام بالإجراء، فإن هذا البطلان يختلف باختلاف القاعدة الإجرائية التي أصابها الخلل فيكون مطلقاً إذا كانت القاعدة الإجرائية جوهرية، ثم هو نسبي إذا كانت القاعدة الإجرائية غير جوهرية.
   إلى هنا والأمر واضح جلي، إلا أن ما يثير الجدل هو: كيف نميز بين القواعد الجوهرية وغير الجوهرية في الإجراءات هي المصلحة التي ترعاها تلك القاعدة، فإذا كانت المصلحة عامة أو متعلقة بأطراف الدعوى الجزائية فإن القاعدة هنا جوهرية لا يجوز الاتفاق على مخالفتها، في حين أن المصلحة إذا كانت تتعلق بالأسلوب الأمثل للقيام بالإجراء وترشيد أطراف الدعوى الجزائية، فإن القاعدة بذلك تكون غير جوهرية.
الفرق بين البطلان المطلق والبطلان النسبي:
   البطلان المطلق هو جزاء إجرائي على مخالفة قاعدة جوهرية تتعلق بالنظام العام من قواعد نظام الإجراءات الجزائية، وقد تعرضت المادة (189) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي لبعض حالاته في حالة مخالفة الأنظمة المتعلقة بولاية المحكمة من حيث تشكيلها أو اختصاصها بنظر الدعوى وهذه الصور على سبيل المثال، ويترتب على كونه بطلاناً مطلقاً أنه يمكن التمسك به في أي حالة كانت عليها الدعوى، كما إن المحكمة تقضي به ولو بغير طلب الخصوم، وذلك لكونه متعلقاً بالنظام العام، وكأن المساس بهذه القواعد مساسٌ بالنظام العام لخطورة هذه المصالح وأهميتها.
   أما البطلان النسبي فهو جزاء إجرائي على مخالفة قاعدة غير جوهرية من قواعد نظام الإجراءات الجزائية، وهو درجة أدنى من البطلان المطلق ويتعلق بمصلحة الخصوم بالمفهوم الضيق.
   ويترتب على التفرقة بين البطلان المطلق والبطلان النسبي ما يلي:
   1- البطلان المطلق لا يجوز التنازل عنه صراحة أو ضمناً في حين أن البطلان النسبي يمكن التنازل عنه.
   2- البطلان المطلق تقضي المحكمة من تلقاء نفسها دون حاجة لطلب الخصوم، في حين أن البطلان النسبي يلزم أن يطالب بد ذو مصلحة.
   3- البطلان المطلق يمكن إثارته أمام محكمة التمييز (النقض) في حين أن البطلان النسبي لا يجوز إثارته لأول مرة أمام محكمة التمييز (النقض).
   وسنورد فيما يلي مثالاً على قاعدتين نص عليهما نظام الإجراءات الجزائية السعودي، لنميّز بين الجوهري منها وعدم الجوهري وما يترتب على ذلك من فرق بين بطلان مطلق وبطلان نسبي.
   فلقد نصّت المادة (40) على حرمة المساكن، وحددت المادة (41) أن يكون تفتيشها بأمر سبب من هيئة التحقيق والادعاء العام، في حين أن المادة (47) تبين ما يجب أن يتضمنه محضر التفتيش بعد إجرائه، من اسم القائم بالإجراء، ووظيفته، وتاريخ التفتيش، وساعتها، إلى آخر ما ورد في المادة.
   فحرمة المنازل مقررة في الشريعة الإسلامية، وتحديد ولي الأمر سلطة مختصة بالإذن بتفتيشها هو استثناء لحاجة التحقيق، لذلك فإن دخولها بغير إذن هو مخالفة لقاعدة تتعلق بالنظام العام، وهي قاعدة جوهرية ترتب بطلاناً مطلقاً، بل قد يُعدُّ الداخل للمنزل ولو كان من رجال السلطة العامة مرتكباً لجريمة توجب مجازاته.
    أما النص على شكل التفتيش وبياناته فهي قاعدة إرشادية أراد المنظم منها إخراج الإجراء في شكل مثالي؛ ليحافظ على حجيته، ولذلك فإن مخالفة قاعدة أو أكثر مما أشير إليه في المادة (47) لا يرتب بطلاناً مطلقاً، بل قد يرتِّب بطلاناً نسبياً، ما لم يكن المحضر قد أعد خلافاً لهذه القواعد مما يجعله في صورة لا يمكن معه قبوله أو الركون إليه، كأن يخلو في الوقت والتاريخ وأسماء الحضور وتوقيعاتهم، ففي هذه الحالة – مثالاً – يتعدى البطلان من كونه نسبياً إلى أن يصبح مطلقاً.
   أما إذا غفل القائم بالإجراء مثلاً عن ذكر تاريخ التفتيش فإن ذلك إجراء يمكن تصحيحيه طبقاً لنص المادة (190) (إذا كان البطلان راجعاً لعيب في الإجراء يمكن تصحيحه فعلى المحكمة أن تصححه)، حيث يمكن استدعاء القائم بالإجراء وسؤاله عن ذلك.

المبحث الثاني
البطلان في الأنظمة المقارنة

   تتباين مواقف التشريعات في أنظمة الإجراءات الجزائية في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وجمهورية مصر العربية في تنظيمها للبطلان بشكل عام.
   فهناك تشريعات لم تضع تنظيماً لنظرية البطلان كالبحرين وقطر، وتشريعات أخذت بنظرية البطلان الذاتي كقانون الإجراءات الجنائية المصري، ونظام الإجراءات السعودي، وتشريعات جمعت بين نظريتي البطلان القانوني والذاتي كنظام الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي.

المطلب الأول: البطلان في نظام الإجراءات الجزائية السعودي:
   إن القاعدة المستقرة في النظام السعودي والتي لا تحتاج إلى النص عليها في أي نظام، أن كل إجراء يخالف أحكام الشريعة الإسلامية يكون باطلاً.
   (فكل عمل أو تصرف جاء موافقاً لنصوص الشريعة أو مبادئها العامة وروحها فهو صحيح وما جاء مخالفاً لنصوص الشريعة أو مبادئها العامة وروحها التشريعية فهو باطل بطلاناً أصلياً ولا يترتب عليه أي أثر) ([18]).
   ولقد عالج نظام الإجراءات الجزائية أوجه البطلان في الفصل التاسع المواد (188-192) ([19]).
   وباستقراء هذه النصوص يتبيّن لنا أن النظام السعودي قد اعتنق نظرية البطلان الذاتي، وقد ميّز لإعمال هذه النظرية بين مخالفة القواعد الجوهرية ومخالفة القواعد غير الجوهرية.
   فنص في المادة (188) على ما يلي:
«كل إجراء مخالف لأحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة المستمدة منها يكون باطلاً» ولم يحدد النص نوع تلك الأحكام إلا أن ما يفهم من قصده بأحكام الشريعة الإسلامية هي تلك الأحكام الثابتة بالقرآن الكريم أو السنّة المطهرة أو بالإجماع أو القياس.
   ثم نص في المادة (189) على ما يلي:
   «إذا كان البطلان راجعاً إلى عدم مراعاة الأنظمة المتعلقة بولاية المحكمة من حيث تشكيلها أو اختصاصها بنظر الدعوى، فيتمسك به أو في أي حالة كانت عليها الدعوى وتقضي به المحكمة ولو بغير طلب».
   وفي هذا يكون المنظم في المملكة قد نص على بعض القواعد والتي اعتبر مخالفتها ترتب بطلاناً مطلقاً، للخصوم الحق في التمسك به أنى كانت عليه الدعوى، وللمحكمة أن تقضي به دون حاجة لطلب الخصوم وذلك لتعلقه بقواعد جوهرية من النظام العام، وتتمثّل في تشكيل المحكمة أو اختصاصها النوعي أو المكاني، حيث إن «اختصاصها بنظر الدعوى» هو لفظ عام يستغرق الاختصاص النوعي والمكاني. والنص على هذه الحالات على سبيل المثال لا الحصر، إذ لم يرد بنص المادة ما يفيد أنها على سبيل الحصر، بل إن المادة التالية (190) تؤكد على أن ما ورد في المادة (189) هو على سبيل المثال، حيث نصّت المادة (190) على ما يلي:
«في غير ما نص عليه في المادة التاسعة والثمانين بعد المائة، إذا كان البطلان راجعاً إلى عيب في الإجراء يمكن تصحيحه، فعلى المحكمة أن تصححه. وإن كان راجعاً إلى عيب لا يمكن تصحيحه فتحكم ببطلانه».
   وقد أراد المنظم من ذلك أن الحالات المشار إليها في المادة (189) لا يمكن تصحيحها لخطورة مخالفتها ولعلق الأمر بتشكيل المحكمة واختصاصها ولا مناص من تفادي ذلك إلا بإعادة المحاكمة بتشكيل صحيح أو إجراء المحاكمة في المحكمة المختصة.
   ونظمت المادة (191) آثار البطلان فنصت على ما يلي:
   «لا يترتب على بطلان الإجراءات السابقة عليه ولا الإجراءات اللاحقة إذا لم تكن مبنية عليه».
   فالدليل المستمد من الإجراء الباطل لا يمكن التعويل عليه أما الإجراءات السابقة أو اللاحقة على الإجراء الباطل إذا لم تكن قد بنيت على هذا الإجراء الباطل ولم تتصل به فلا يترتب عليها البطلان.
   وذلك من صور الحد من آثار البطلان، إذ إن البطلان قد يؤدي إلى هدم الدعوى الجزائية بكاملها، لذلك سعى المنظم إلى قصره على الإجراء المخالف وما بني عليه دون ماعداهما.
   وأخيراً نصت المادة (192) على ما يلي:
   «إذا وجدت المحكمة أن في الدعوى عيباً جوهرياً لا يمكن تصحيحه فعليها أن تصدر حكماً بعدم سماع الدعوى ولا يمنع هذا الحكم من إعادة رفعها إذا توافرت الشروط النظامية».
   وبذلك يكون المنظم السعودي قد اقتصر على ذكر العيب الجوهري؛ وهو ما كان مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية أو الأنظمة ولا يمكن تصحيحه ويصدر حكماً بعدم سماع الدعوى ويفهم من قوله: «ولا يمنع هذا الحكم من إعادة رفعها إذا توافرت الشروط النظامية»، أن الأمر يتعلق بشروط رفع الدعوى. والفرق كبير بين الحكم بعدم سماع الدعوى والحكم بالإدانة أو عدمها.
   فالحكم بعدم سماع الدعوى لا يخوض في مدى صحة الاتهام من عدمه، بل هو ينصبّ على شروط إقامة الدعوى، فلو أقيمت الدعوى الجزائية من غير السلطة المختصة بها فإن المحكمة تحكم بعدم سماع الدعوى، ثم إذا توفر الشرط أعادت نظرها؛ حيث يكون العيب الجوهري قد صحح.

المطلب الثاني: البطلان في قوانين الإجراءات الجنائية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي
   تناولت وثيقة الرياض للنظام الموحد للإجراءات الجزائية في دول مجلس التعاون، وهي الوثيقة الاسترشادية للدول الأعضاء عند تنظيم أو تعديل قوانين الإجراءات الجزائية أحكام البطلان في الباب الخامس، المواد (208-214).
   ولقد تبنت الوثيقة الوسيلة القضائية لإقرار البطلان ومعيار الغاية، حيث نصّت المادة (208) على ما يلي:
   «يكون الإجراء باطلاً إذا نص القانون صراحة على بطلانه أو إذا شابه عيب لم تتحقق بسببه الغاية من الإجراء ومع ذلك لا يحكم بالبطلان إذا ثبت تحقيق الغاية من الشكل أو البيان المطلوب».
   ولقد ميّزت الوثيقة بين تلك المخالفات التي تتعلق بالنظام العام وغيرها من المخالفات، وذكرت في المادة (209) أمثلة على تلك المخالفات المتعلقة بالنظام العام كعدم مراعاة تشكيل المحكمة أو ولايتها في الدعوى أو اختصاصها النوعي، حيث يجوز التمسك بالبطلان في أيّ حالة كانت عليها الدعوى، وتقتضي به المحكمة دونما حاجة لها.
   في حين نصت المادة (210) على ما يلي:
   «فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام لا يجوز أن يتمسك بالبطلان إلا من شرع لمصلحته ما لم يكن قد تسبب فيه».
   وهذا ما يعرف بالبطلان النسبي أي أنه لا يتعلق بقواعد جوهرية، بل قواعد مقررة لمصلحة الخصوم، ومخالفتها لا يُعدُّ انتهاكاً للنظام العام. ونزول من تقرر لمصلحة البطلان عن حقه يزول به البطلان «نص المادة 211»، ولم تختلف كثيراً أحكام البطلان في قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي عن تلك المشار إليها في وثيقة الرياض، فقد نصت المادة (221) منه على ما يلي: (يكون الإجراء باطلاً إذا نص القانون صراحة على بطلانه أو إذا شابه عيب لم تحقق بسببه الغاية من الإجراء».
   في حين نصت المادة (223) على ما يلي:
   «فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام لا يجوز أن يتمسك بالبطلان إلا من شرع لمصلحته ما لم يكن تسبب فيه».
   وهي تطابق ما أشرنا إليه سابقاً في وثيقة الرياض، ومع هذا فإن نوع البطلان لم يتقرر بنص صريح، وإنما يمكن فهم ذلك من قول المنظم النظام العام([20]).
   أما قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية الكويتي فقد جمع بين البطلان القانوني والبطلان الذاتي ([21]). فمن قبيل البطلان القانوني «المنصوص عليه» ما ورد في حكم المادة (175): «يجب أن يكون الحكم مشتملاً على الأسباب التي بني عليها وإلا كان باطلاً».
   فالبطلان منصوص عليه بنص المادة في حالة عدم اشتمال الحكم على الأسباب التي بني عليها.
   في حين أن البطلان الذاتي يتجلى في نص المادة (146):
   «إذا تبين للمحكمة أن إجراءات الدعوى أو التحقيق به عيب جوهري، فلها أن تأمر ببطلانه وبإعادته أو أن تقضي بتصحيح العيب الذي لحقه كلما كان ذلك ممكناً ولا يجوز الحكم ببطلان الإجراء إذا لم يترتب على العيب الذي لحقه أي ضرر بمصلحة العدالة أو الخصوم، وللمحكمة أن تصدر حكماً بعدم قبول الدعوى الجزائية التي قدمت إليها إذا وجدت أن بها عيباً شكلياً جوهرياً لا يمكن تصحيحه ولا إعادة الإجراء المعيب».
   فللقاضي هنا سلطة تقديرية في تقرير البطلان وفقاً لنوع المخالفة أي تلك التي تمس النظام العام أو مصلحة الخصوم.
   وقد سكت القانون الإجرائي الجزائي في قطر والبحرين عن وضع تنظيم لنظرية البطلان، ومع هذا لا يمكننا القول بأنه لا يوجد جزاء إجرائي على مخالفة القواعد الأساسية، «فهناك قواعد جوهرية تعتبر ملزمة ويعتبر الإخلال بها سبباً للإبطال من غير أن يرد نص صريح بذلك»([22]).

المطلب الثالث: البطلان في قانون الإجراءات الجنائية المصري
   عالج قانون الإجراءات الجنائية المصري البطلان في الفصل الثاني عشر تحت عنون «في أوجه البطلان» وذلك المواد (331-337). ويرى البعض أن القانون المصري هو أول تشريع عربي يضع نظرية عامة للبطلان([23]).
   وقد نص في المادة (331) على ما يلي:
   «يترتب البطلان على عدم مراعاة أحكام القانون المتعلقة بأي إجراء جوهري».
   وقد حدد في المادة (332) الإجراءات في حال كون البطلان راجعاً لعدم مراعاة أحكام القانون في تشكيل المحكمة أو ولايتها أو اختصاصها أو غيره مما يتعلق بالنظام العام. واستكمال في المادة (333) أنه في غير الحالات المشار إليها في المادة (332) يسقط الحق بالدفع بالبطلان إذا كان الإجراء خاصاً بجمع الاستدلالات أو التحقيق الابتدائي أو التحقيق بالجلسة إذا تم الإجراء بحضور محامي المتهم ولم يعترض على ذلك.
   وحدد في المادة (334، 335) إمكانية تصحيح الإجراء الخاطئ، وأوضح في المادة (336) الآثار المترتبة على الحكم بالبطلان ثم كيفية معالجة الأخطاء المادية في الحكم في المادة (337).
   ويلاحظ انتهاج المنظم المصري البطلان الذاتي، حيث يكون للقضاء السلطة التقديرية في تحديد جوهرية الإجراء من عدمها.
   وهناك من يرى في الفقه القانوني الإجرائي المصري أن كل ما يتعلق بضمانات الأمن الشخصي كالقبض والتفتيش والحبس الاحتياطي كل هذه الإجراءات ترتبط بالنظام العام ومخالفة أي من قواعدها يرتب بطلاناً مطلقاً، ويرون «أن التفرقة بين قاعدة تتعلق بالمصلحة العامة وأخرى تتعلق بمصلحة الخصم هي تفرقة مفتعلة؛ لأن ما هو مقرر لمصلحة الخصم هو أيضاً مقرر للمصلحة العامة أي لحسن سير العدالة»([24]).
   ويرى آخرون أن أحكام القبض والتفتيش تتعلق بمصلحة الخصوم ومخالفة هذه القواعد يترتب عليها بطلان نسبي ([25]).
   في حين أن هناك رأياً نؤيده، يرى وجوب التفرقة بين القواعد الموضوعية للإجراء والقواعد الشكلية له، فالأولى يترتب على مخالفتها بطلانٌ مطلقٌ كون قواعدها تتعلق بالنظام العام، والثانية يترتب على مخالفتها بطلانٌ نسبيٌّ لتعلقها بمصلحة الخصوم([26]).

المبحث الثالث
الدفع بالبطلان

   الدفع هو الوسيلة التي من خلالها يتمسك من وقع البطلان لمصلحته بالبطلان، فهو طريق سلكه صاحب الشأن ليطلب بطلان الإجراء الذي يرى أنه مخالف للقانون([27]).
   والبطلان قد يكون متعلقاً بالنظام العام وقد يون متعلقاً بمصلحة الخصوم فهو في الأولى مطلق وفي الثانية نسبي وفي كلتا الحالتين يقتضي الأمر أن يدفع بالبطلان من له مصلحة في هذا الدفع إلا أنه في المطلق تحكم به المحكمة من تلقاء نفسها دون حاجة لدفع الخصوم.
   وسوف نتناول في هذا المبحث شروط الدفع في المطلب الأول، واثر الرضا في زوال البطلان في المطلب الثاني.

المطلب الأول: شروط الدفع بالبطلان
   يشترط للدفع بالبطلان شرطان أحدهما شرط عام في كل دفع، وهو شرط المصلحة، ويعني ذلك أن يكون للدافع مصلحة فيما دفع به، والثاني ألا يكون من تمسك بالدفع بالبطلان هو السبب في حدوثه.
   الشرط الأول: توفر المصلحة:
   وتعني المصلحة «الفائدة أو المنفعة العملية مادية أو معنوية التي تعود على المدعي من الحكم له بطلباته، والتي حرم منها نتيجة الاعتداء على حقه أو مركزه القانوني، وإذا لم يكن للطالب مصلحة في طلبه أو دفعه، يمكن أن تعود عليه فلا يكون هناك مبرر؛ لأنه يسمع طلبه أو دفعه هذا»([28]).
   فالطلب الذي لا يقوم على مصلحة لا اعتبار له فالقاعدة «حيث لا مصلحة فلا دعوى»، وهذه الفائدة لا يعني فيها أن تكون محققة الوقوع، بل يكفي أن تكون محتملة.
   وشرط المصلحة بديهي من القواعد العامة لا حاجة للنص عليه، إذ هو يتفق مع العقل والمنطق، إذ لا حاجة لشخص في دفع لا يرتب له مصلحة.
   فمثلاً إذا كانت غاية التفتيش هو البحث هن الأدلة المادية في جريمة وقعت، وذلك لإظهار الحقيقة فإن هذا الإجراء إذا لم ينتج دليلاً أو أنتج دليلاً لم تأخذ به المحكمة في حكمها، فإنه لا مصلحة من وراء الدفع ببطلان التفتيش في هذه الحالة، إذ الإجراء من الناحية العملية لم ينتج أثر يمكن التعويل عليه، فلا حاجة لشخص أن يدفع ببطلانه ولا حاجة للمحكمة في الرد على هذا الدف إن هو قدم، حيث لا مصلحة؛ وإلا أصبح البطلان نظرياً لا فائدة منه([29]).
   وقد قضت محكمة النقض المصرية بأنه لا مصلحة للمتهم في الدفع ببطلان القبض، إذا كان الحكم المطعون فيه، إذ أدان المتهم بتهمة إحراز مخدر، قد اعتمد على الاعتراف الصادر منه أمام النيابة باعتباره دليلاً مستقلاً عن الأدلة المستمدة من القبض والتفتيش([30]).
   واشتراط المصلحة لا يعني تلك الفائدة العائدة على من قدم الدفع في حال البطلان النسبي، بل هي أيضاً تشترط حتى في تلك الدفوع المتعلقة بالمخالفات التي يترتب عليها بطلان مطلق.
   الشرط الثاني: ألا يكون الطاعن سبباً في حدوث البطلان:
   هذا الشرط ليس عاماً في كل حالات البطلان، بل يكون في البطلان النسبي فقط ولا عبرة في البطلان المطلق المتعلق بالنظام العام بهذا الشرط.
   ولم يرد النص على هذا الشرط في نظام الإجراءات الجزائية السعودي في حين نصت عليه صراحة المادة (210) من وثيقة الرياض للنظام الإجرائي الموحد لدول مجلس التعاون «فيما عدا الحالات التي يتعلق فيها البطلان بالنظام العام لا يجوز أن يتمسك بالبطلان إلا من شرع لمصلحته ما لم يكن قد تسبب فيه».
   وبذلك يكون هذا النص قد جاء على الشرطين وهما المصلحة وعدم التسبب في وقوع البطلان.
   ومن أمثلة ما يكون متوجباً على الشخص من الحضور أثناء إجراء التفتيش، وقد يهمل الشخص في استخدام هذا الحق فلا يجوز له أن يدفع ببطلان التفتيش استناداً لعدم حضوره، إذ هو المتسبب في ذلك.
   وهناك من يرى أن هذا الشرط قائم على أساس أن هناك تنازلاً من صاحب الحق([31])، في حين يرى آخرون أن علّة هذا الشرط هي مجازاة من تسبب في البطلان([32]).
المطلب الثاني: أثر الرضا في زوال البطلان
   نظراً لما يكتنف إجراءات التحقيق من مساس بحرمة الشخص وحريته، لذلك كانت هناك ضمانات عدة لمصلحة الأشخاص المتخذة في مواجهتهم الإجراء، ضماناً لعدم تجاوز السلطة وتوفيقاً بين حق المجتمع وحق الفرد؛ ولأن أغلب هذه القواعد إنما هي مقررة لصالح الفرد، لذلك كان رضاه بإجراء معين سبباً معقولاً لزوال حقه في الدفع بالبطلان.
   فإذا توافر الرضا بشروط صحته بأن كان صادراً من ذي صفة وصريحاً ليس به أي شبهة وقبل القيام بالإجراء كان منتجاً في عدم قبول دفع الشخص بالبطلان.
   وهناك من يرى أن الرضا لا يعتد به في زوال البطلان إذا ما انتهكت بعض قواعد الإجراءات كقواعد التفتيش مثالاً وأن هذه الضمانات المقررة لحماية الشخص لا يجوز التخلي عنها مطلقاً([33]).
   وإن كان هذا الرأي فيه وجاهة وحرص واضح على حقوق الأفراد وعدم التفريط بها حتى ولو رضوا بذلك إلا أنه لا يمكن التسليم به في كل الأحوال.
   فإذا كانت هذه الضمانات قد تقررت شرعاً ونظاماً لحماية الفرد وللموازنة بين حقين يبدوان متعارضين، فإن هذا الفرد إن هو تنازل عن حقه هذا، فهذا شأنه وحده.
   ومع هذا أرى أن يكون هناك ضوابط معينة للأخذ بهذا الرضا، إضافة للشروط المقررة والتي أشرنا إليها سابقاً، إذ إن إجراءات التحقيق قد تكون في حالات كثيرة من الدقة بحيث يتعذر على الشخص «العادي» معرفة ما له وما عليه تحديداً، إذا ما أخذنا الطبيعة السكانية والاجتماعية والتعليمية لدول نامية مثل مجتمعاتنا، فيجب أن تتماشى هذه القواعد النظامية مع هذا الخليط من العوامل، التي قد تؤثر على إدراك الفرد العادي ومن باب أولى تؤثر لا محالة على الشخص الأمي، الذي يجهل في أحوال كثيرة ما يجب عليه، ويجب ألا نستند في ذلك على قاعدة «عدم العذر بالجهل»، إذ نحن لا نقصد الجهل المقصود في هذه القاعدة ولا نريد المساس بهذه القاعدة المستقرة، ولكن نهدف إلى حماية حرمات الناس متى شعرنا أن بعض الأفراد قد يفرّط في حقه جهلاً منه بما له. وليكن ذلك مما يمس رضاه الصريح الحر.
   وقضاء محكمة النقض المصرية مستقر على الرضا بالتفتيش يمنع من الدفع بالبطلان، فقد قضت في حكم لها بما يلي:
   «حرمة المنازل وما أحاطها به الشارع من رعاية تقتضي حين يكون دخولها بعد رضا أصحابها وبغير إذن النيابة أن يكوت هذا الرضا صريحاً حراً حاصلاً منهم قبل الدخول وبعد إلمامهم بظروف التفتيش وبعد وجود مسوغ يخول من يطلبه سلطة إجرائه»([34]).
   ومما لاشك فيه أن أثر الرضا في زوال البطلان يرتبط مباشرة بنوع القاعدة الإجرائية، فإذا كانت القاعدة مما يعتبر في النظام العام، فإنه لا يجوز التنازل عنها صراحة أو ضمناً، أما إذا كانت القاعدة مما هو مقرر لمصلحة الخصوم فإن الرضا بمخالفتها يفقد الشخص الدفع ببطلانها.

المبحث الرابع
آثار البطلان

   لا يرتب البطلان أثراً حتى يتقرر بحكم أو أمر من قضاء التحقيق حتى ولو كان هذا البطلان مطلقاً أي متعلقاً بالنظام العام([35]).
   والإجراء الذي يتقرر بطلانه تزول آثاره النظامية ولا يعتد به إطلاقاً ويطرح كل دليل استمد من هذا الإجراء.
   فلو أسفر التفتيش عن ضبط أشياء متعلقة بالجريمة، ثم قررت المحكمة بطلان هذا التفتيش لأي سبب كان فإن الاستناد على ضبط هذه الأشياء كدليل على وقوه الجريمة من المتهم يصبح أمراً غير ممكن، وذلك أمر منطقي ولا جدال فيه، إذ البطلان قرر أساساً جزاء على مخالفة قواعد الإجراء، فإذا تم الإجراء على غير هدى هذه القواعد كان من اللازم إبطال الدليل المستمد منه، وإذا لم يبطل هذا الدليل فما الحاجة إذاً للبطلان أصلاً؟
   وقد تكون هناك أدلة أخرى في الدعوى لم تستمد من الإجراء الباطل، وهذه الأدلة لا يؤثر في صحتها بطلان ذلك الإجراء متى كانت منفصلة عن الإجراء الباطل.
   وقد نصت المادة (191) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي على ما يلي:
   «لا يترتب على بطلان الإجراء بطلان الإجراءات السابقة عليه ولا الإجراءات اللاحقة له إذا لم تكن مبنية عليه».
   فلو ضبطت مثلاً مادة مخدرة مع شخص إثر القيام بتفتيش باطل، ثم اعترف المتهم لدى جهة التحقيق بحيازة هذه المادة، ولم يكن الاعتراف مبنياً على هذا التفتيش، فيكون هنا لدينا دليلان أحدهما اعتراف المتهم، والآخر محضر التفتيش، فالمحكمة متى قررت بطلان التفتيش تطرح هذا الدليل جانباً في حين أن الاعتراف يؤخذ به كونه دليلاً مستقلاً أو منفصلاً عن التفتيش.
   وهو يؤخذ بمفهوم المخالفة من نص المادة (336) من قانون الإجراءات الجنائية المصري والتي تنص «إذا تقرر بطلان أي إجراء فإنه يتناول جميع الآثار التي تترتب عليه مباشرة، ويلزم إعادته متى أمكن ذلك».
   وإن كان النصان السعودي والمصري مختلفيم في مبناهما اللغوي إلا أنهما يؤديان إلى نفس النتيجة والمعنى.
    فالقول بأن البطلان يتناول الآثار المباشرة للإجراء الباطل، لا يختلف عن القول بأن البطلان لا يلحق بالإجراءات السابقة أو اللاحقة على الإجراء الباطل، إذا لم تكن مبنية عليه، فالمعنى كما نرى واحد، والنتيجة والغاية واحدة.
   ولاشك أن تحديد الصلة بين الإجراء الباطل وغيره من الإجراءات الأخرى سواء السابقة عليه أو اللاحقة له هو من شأن قاضي الموضوع([36]).
   وقد مضت محكمة النقض المصرية في حكم لها بما يلي:
   «إن البطلان طبقاً للمادة 336 إجراءات جنائية لا يلحق إلا بالإجراء المحكوم ببطلانه والآثار المترتبة عليه مباشرة وهو لا يلحق بما سبقه من إجراءات، كما إنه لا يؤثر في قرار النيابة بإحالة الواقعة إلى غرفة الاتهام أو قرار غرفة الاتهام بإحالة الدعوى إلى محكمة الجنايات، ولا يمكن أن يترتب على مثل هذا البطلان إن صح إعادة القضية إلى النيابة، بل يكون للمحكمة أن تصحح الإجراء الباطل طبقاً للمادة 335 إجراءات» ([37]).
   وقد نصت على تصحيح الإجراء المادة (190) من نظام الإجراءات الجزائية السعودي كما يلي:
   «في غير ما نص عليه في المادة السابقة، إذا كان البطلان راجعاً إلى عيب في الإجراء يمكن تصحيحه فعلى المحكمة أن تصححه وإذا كان راجعاً إلى عيب لا يمكن تصحيحه فتحكم ببطلانه».
   وهو كذلك مقتضى المادة (227) من قانون الإجراءات الجزائية الإماراتي «يجوز تجديد الإجراء الباطل بإجراء صحيح ولو بعد التمسك بالبطلان على أن يتم ذلك في الميعاد المقرر قانوناً لاتخاذ الإجراء، فإذا لم يكن للإجراء ميعاد مقرر في القانون حددت المحكمة ميعاداً مناسباً لتجديده، ولا يعتد بالإجراء إلا من تاريخ تجديده».
   كما تنص المادة (335) من قانون الإجراءات الجنائية المصري على ما يلي:
   «يجوز للقاضي أن يصحح ولو من تلقاء كل إجراء يتبين له بطلانه».
   ولاشك أن تخويل القاضي هذه السلطة في تصحيح الإجراء ما هو إلا وسيلة للحد من آثار البطلان والتي قد تهدم الدعوى الجزائية برمتها.



([1]) بالمرسوم الملكي رقم (م/39) في 28/7/1422هـ والمنشور في جريدة أم القرى العدد (3867) في 17/8/1422هـ.
([2]) د. إبراهيم أنيس وزملاؤه، المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية، الطبعة الثانية، 1392هـ، اسطنبول، المكتبة الإسلامية، الجزء الأول ص (3) 
([3]) الباطل والفاسد عند الجمهور مترادفان وليسا كذلك عند الأحناف، فالفاسد والباطل عندهم من باب الأخص والأعم، انظر: نجم الدين أبي الربيع سليمان الصوفي، شرح مختصر الروضة، تحقيق د. عبد الله التركي، الجزء الأول، الطبعة الثانية، 1419هـ بيروت: لبنان. مؤسسة الرسالة، ص445.
([4]) د.محمود نجيب حسني، شرح قانون الإجراءات الجنائية، الطبعة الثالثة 1988، القاهرة، دار النهضة العربية، ص358.
([5]) د. أحمد فتحي سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجزائية، 1985م، القاهرة، دار النهضة العربية، ص432.
([6]) د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص356.
([7]) د. أحمد عوض بلال، الإجراءات الجنائية المقارنة والنظام الإجرائي في المملكة، 1992، القاهرة، دار النهضة العربية، ص145.
([8]) د. حامد راشد، أحكام تفتيش المسكن في التشريعات الإجرائية العربية الطبعة الأولى، 1998، القاهرة، دار النهضة العربية، ص221.
([9]) رمسيس بهنام، الإجراءات الجنائية تأصيلاً وتحليلاً، منشأة المعارف الإسكندرية، 1984، ص98، مشار إليه في د. حامد راشد مرجع سابق، 221.
([10]) فتحي والي، الوسيط في قانون القضاء المدني، دار النهضة العربية القاهرة، ص1987، مشار إليه في د. حامد راشد مرجع سابق، 223.
([11]) د. محمود نجيب حسني، مرجع سابق، ص359.
([12]) المصدر السابق نفسه.
([13]) د. أحمد عوض بلال، مرجع سابق، ص149.
([14]) د. أحمد فتحي سرور، مرجع سابق، ص421.
([15]) مشار إلى ذلك في د. حامد راشد، مرجع سابق، ص230.
([16]) د. محمد نجيب حسني، مرجع سابق، ص360.
([17]) د. أحمد عوض بلال، مرجع سابق، ص153.
([18]) عبد القادر عودة، التشريع الجنائي الإسلامي، 1413، الطبعة الثانية عشرة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ص224.
([19]) لم يكن نظام مديرية الأمن العام بالمملكة ينص على البطلان ولم تتعرض نصوصه لذلك.
([20]) عادل عبد الله خميس، التفتيش في القانون المصري والإماراتي، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، 1996م، ص155.
([21]) د. حامد راشد، مرجع سابق، ص233.
([22]) د. عاطف النقيب، أصول المحاكمات الجزائية، منشورات عويدات، بيروت، الطبعة الأولى، 1986م، ص374.
([23]) د. ممدوح السبكي، حدود سلطات مأمور الضبط القضائي في التحقيق، 1998م، القاهرة، دار النهضة العربية، ص489.
([24]) د. محمود مصطفى، الإثبات في المواد الجنائية في القانون المقارن، الجزء الثاني 1978م، القاهرة، مطبعة جامعة القاهرة، ص108.
([25]) د. هلالي عبد الله أحمد، ضمانات المتهم في مواجهة القبض، دار النهضة العربية، القاهرة، 2000، ص119.
([26]) د. سامي الحسيني، النظرية العامة للتفتيش في القانون المصري والمقارن، القاهرة، دار النهضة العربية، 417.
([27]) د. أحمد عوض بلال، مرجع سابق، ص153.
([28]) د. محمود محمد هاشم، إجراءات التقاضي والتنفيذ، مطبعة المدني، القاهرة، ص21-30.
([29]) د. سامي الحسيني، مرجع سابق، ص435.
([30]) نقض 5/5/1958 مجموعة أحكام النقض س9/رقم 23، ص 50 مشار إليه في ممدوح السبكي، مرجع سابق، 501.
([31]) د. أحمد فتحي سرور، نظرية البطلان في قانون الإجراءات الجنائية، ص35 مشار إليه في د. ممدوح السبكي، مرجع سابق، 502.
([32]) د. سامي الحسيني، مرجع سابق، ص437.
([33]) انظر في عرض هذا الرأي د. سامي الحسيني، مرجع سابق، ص448.
([34]) نقض 29/1/1063 أحكام النقض س14، ق80 ص43، مشار إليه في حسن المرصفاوي في قانون الجزاءات الجنائية، 1999م، منشأة المعارف بالإسكندرية، ص411.
([35]) د. أحمد فتحي سرور، مرجع سابق، ص448.
([36]) د. أحمد عوض بلال، مرجع سابق، ص153.
([37]) نقض 15/3/1056 أحكام النقض س6، ق107، ص361، مشار إليه في المرصفاوي، مرجع سابق، ص1402.