كتب قانونية

الخميس، 28 يوليو، 2016

السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس المؤلف : محمد بن عبد العزيز المحمود

السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس المؤلف : محمد بن عبد العزيز المحمود















العنوان : السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس
المؤلف : محمد بن عبد العزيز المحمود

بسم الله الرحمن الرحيم


السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس


إعداد /
الملازم أول
محمد بن عبد العزيز المحمود
شرطة منطقة القصيم



1427هـ

المقدمة
 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ؛ نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين .. وبعد :

إن أهمية هذه الندوة تتجلى في كون المشاركين بها هم رجال العدالة التي أمر الله عز وجل بتحقيقها ، فالقضاء أحد أركان الدولة المؤسسة لها ؛  فالدولة تقوم على المجتمع، والمجتمع يقوم على الفرد، والفرد يحتاج إلى الأمن على دينه ونفسه وعرضه وماله ، فلا استقرار للمجتمع بدون أمن ، ولا حياة بدون عدالة .
وأجهزة العدالة الجنائية تقوم بمهام جسام تتعلق بالفصل في الخصومات الواقعة بين الأفراد في المجتمع ، وتلك التي تقع بينهم وبين المجتمع ككل والمتمثلة في ارتكاب الجرائم الجنائية والاعتداء على المصالح العامة .
ولا يقتصر هذا الدور على القضاة فحسب ، بل إن هناك العديد من الأشخاص والأجهزة التي تعمل مع القضاة جنباً إلى جنب ، كرجال الضبط الجنائي الذين يشاركون في مرحلة جمع الاستدلالات وفي بعض إجراءات التحقيق – استثناءً - ، وهناك أعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام الذين يقومون بأعمال التحقيق ، والإشراف على رجال الضبط الجنائي ، ثم يتولون الادعاء أمام المحاكم التي يتولى قضاتها محاكمة المتهم بإصدار الأحكام الشرعية .
ولقد جاءت الأنظمة ببيان أعمال رجال العدالة الجنائية وواجباتهم ، وإلزامهم بالتقيّد بنصوصه وأحكامه ، فلا يجوز الخروج عليها ولا الحياد عنها .
 
ورجال الضبط الجنائي وأعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام  هم من رجال العدالة الجنائية المتقيدين بهذه الأنظمة فيما يتعلق بعملهم في مرحلة ما قبل المحاكمة ، والذي غايته البحث عن الحقيقة أينما وجدت ، سواءً كانت بتبرئة هذا المتهم أم بإثبات إدانته .
 وسوف أعرض في هذه الورقة  إلى التعريف برجال الضبط الجنائي ، وعلاقتهم بأعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام ، ثم نلمح إلى واجبات وسلطات رجال الضبط الجنائي  في مرحلة الاستدلال ، ثم سنتكلم عن السلطات الاستثنائية لهم في حالة التلبس بالجريمة ، وقبل ذلك لا بد من معرفة حقيقة التلبس بالجريمة ، وحالاته ، وشروطه ؛ إذ إن مباشرة رجل الضبط الجنائي لهذه السلطات الاستثنائية متوقفٌ على توفر حالة التلبس في الجريمة المنتقل إليها من عدمه ، ولقد ضمّنت هذه الورقة بعض الأمثلة الواقعية  التي تواجه رجال الضبط الجنائي أثناء ممارستهم لأعمالهم الميدانية .

اسأل الله عز وجل أن أكون قد وُفقت في إضافة الجديد والمفيد لإخواني وزملائي رجال العدالة الجنائية من قضاة ٍ، ومحققينَ ، ورجال ضبط جنائي .
والحمد لله رب العالمين ,,,


   
    الباحث
            ملازم أول
        محمد بن عبد العزيز المحمود








الفصل الأول / إجراءات الاستدلال والقائمين عليها .
 وفيه ثلاثة مباحث  :

المبحث الأول :
مفهوم إجراءات الاستدلال :

يتطلب نظام الإجراءات الجزائية تحريك الدعوى الجزائية وفقاً لإجراءاتٍ معينة ، متى ما توافرت أدلة الاتهام الكافية لمحاكمة المتهم .
وتبدأ هذه الإجراءات بتقديم البلاغ عن الجريمة الذي يتلقاه رجل الضبط الجنائي ، وبناءً عليه يباشر عمله الأصيل في جمع الاستدلالات المتعلقة بالجريمة ، ثم إرسال تلك الاستدلالات التي تحصّل عليها إلى هيئة التحقيق والادعاء العام والتي إما أن ترفع الدعوى أمام المحكمة مباشرة اكتفاءً بمحضر الاستدلال ويتم تكليف المتهم بالحضور مباشرة ً أمام المحكمة المختصة ، وإما أن تباشر التحقيق فيها ، وإما أن تصدر أمراً بحفظ الأوراق إذا رأت أن الاستدلالات التي جُمعت بمعرفة رجل الضبط الجنائي غير كافية لإثبات الاتهام .
فالمرحلة الأهم هي مرحلة الاستدلال ، وهي المرحلة التي تستنبط منها المحكمة الدليل الجنائي ، فإذا كانت الإجراءات في هذه المرحلة مبنية على أسس ٍ سليمة ، موافقة للنظام ، فإن الدليل المستمد منها يكون قوياً ، ومن ثمّ من الممكن أن تقوم التهمة على المتهم ، ويطمئن القاضي في حكمه عليه .
أما التساهل في هذه المرحلة من رجال الضبط الجنائي فإنه قد يؤدي إلى ضياع حق المجني عليه ، بل وحق المجتمع بأسره ؛ فتعمّ الفوضى في البلاد ، ويحلّ الخوف والظلم مكان الأمن والعدل .
فلهذه المرحلة أهمية بالغة في استجلاء الحقيقة وإيضاحها ، فسلطة التحقيق تستند على ما يتم جمعه فيها من بيانات ، وإلى نوعية تلك الأدلة والقرائن التي تم جمعها ، وإلى المعلومات التي تم الحصول عليها ؛ في تحريك الدعوى الجزائية ، أو حفظ الأوراق وإصدار أمر بأنه لا وجه لإقامة الدعوى .

و جمع الاستدلالات في هذه المرحلة هي المهمة الأساسية لرجل الضبط الجنائي في المملكة العربية السعودية ؛ إذ جاء نظام الإجراءات الجزائية الصادر بالمرسوم الملكي رقم  م /39 وبـتـاريـخ 28 /7 /1422هـ  بتحديد عمل رجال الضبط الجنائي بمرحلة الاستدلال فقط ، والذي أصبح اختصاصاً أصيلاً لرجال الضبط الجنائي ؛ لا يجوز لهم الخروج عنه  إلا في حالة التلبس بالجريمة ، أو الندب من  سلطة التحقيق   ( هيئة التحقيق والادعاء العام ) فلهم مباشرة بعض إجراءات التحقيق استثناءً في تلك المرحلتين .
المبحث الثاني :
ماهية رجال الضبط الجنائي والجهة المشرفة عليهم وظيفياً .

 ورد تعريف رجال الضبط الجنائي في المادة الرابعة والعشرون من نظام الإجراءات الجزائية وهم : الأشخاص الذين يقومون بالبحث عن مرتكبي الجرائم وضبطهم وجمع المعلومات والأدلة اللازمة للتحقيق وتوجيه الاتهام .
        والذي نلاحظه من هذا التعريف أن دورهم الإجرائي يبدأ بعد وقوع الجريمة ، سواء كانت هذه الجريمة تامة أو وقفت عند حد الشروع المعاقب عليه جنائياً ، وهم يختلفون عن رجال الضبط الإداري الذين يمارسون دورهم الإجرائي قبل وقوع الجريمة .
        ولذا فإن مهمة رجل الضبط الجنائي تبدأ بعد عجز رجل الضبط الإداري عن الحيلولة دون وقوع الجريمة ، وليس في ذلك استنقاص لجهودهم ، فالجريمة موجودة بوجود الخلق ، وهي ظاهرة اجتماعية تتطور بتطور المجتمعات .
        فإجراءات الضبط الجنائي هي إجراءات جمع الاستدلال التي تعقب وقوع جريمة ما، وتسبق مرحلة التحقيق فيها ، ولا تُـتخذ إلا بصدد واقعة ينطبق عليها وصف الجريمة الجنائية ؛ فلا تُتخذ إلا بصدد فعل محظور ومعاقب عليه شرعاً أو نظاماً ، فكل واقعةٍ لا ينطبق عليها وصف الجريمة لا تباشر حيالها إجراءات الضبط الجنائي ولو ترتب عليها ضرر ، فالشخص الذي يخالط الناس وهو مريض بمرضٍ معد ٍ لا ينطبق على فعله وصف الجريمة ، حتى لو تسبب في إصابة غيره بالمرض ، وإنما يُتخذ بحقه إجراءات الضبط الإداري التي تهدف إلى وقاية الناس من هذا المرض .
        كما إن إجراءات الضبط الجنائي لا يتولد عنها أدلة بالمعنى الفني ، ولا تعدو تلك المعلومات التي يتم الحصول عليها في هذه المرحلة إلا أن تكون مجرد دلائل وأمارات يصح الاستناد عليها في مرحلتي التحقيق والمحاكمة ، ولكنها لا ترقى لأن تكون أدلة بالمعنى الفني ، وذلك  بسبب افتقادها إلى الضمانات اللازمة لحماية الحرية الشخصية وحق الدفاع ، ولهذا سُميت بمرحلة الاستدلال ، وهي إجراءات تحضيرية أو تمهيدية للدعوى الجنائية ، بل هي سابقة عليها ، الهدف منها : جمع المعلومات والأدلة اللازمة للتحقيق والاتهام ولا يترتب على اتخاذ أي إجراء منها تحريك الدعوى الجزائية .

ولقد حدد نظام الإجراءات الجزائية رجال الضبط الجنائي حسب المهام الموكولة إليهم ، وأوردهم على سبيل الحصر في المادة السادسة والعشرين من النظام ، حيث نصت على أن :

         ( يقوم بأعمال الضبط الجنائي، حسب المهام الموكولة إليه، كل من:
1- أعضاء هيئة التحقيق والادعاء العام في مجال اختصاصهم·
2- مديري الشرط ومعاونيهم في المناطق والمحافظات والمراكز·
3- ضباط الأمن العام، وضباط المباحث العامة، وضباط الجوازات، وضباط الاستخبارات، وضباط الدفاع المدني، ومديري السجون والضباط فيها، وضباط حرس الحدود، وضباط قوات الأمن الخاصة، وضباط الحرس الوطني، وضباط القوات المسلحة، كل بحسب المهام الموكولة إليه في الجرائم التي تقع ضمن اختصاص كل منهم·
4- محافظي المحافظات ورؤساء المراكز·
5- رؤساء المراكب السعودية البحرية والجوية في الجرائم التي ترتكب على متنها.
6- رؤساء مراكز هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حدود اختصاصهم·
7- الموظفين والأشخاص الذين خولوا صلاحيات الضبط الجنائي بموجب أنظمة خاصة·
8- الجهات واللجان والأشخاص الذين يكلفون بالتحقيق بحسب ما تقضي به الأنظمة · ) .
 
        فلا يجوز إدخال غيرهم بدون نص ، ولا يجوز القياس أو حتى مجرد التقريب نظراً لخطورة المهام المسندة إليهم إجرائياً .

        كما حدد النظام في المادة الخامسة والعشرين منه علاقة رجال الضبط الجنائي – فيما يتعلق بوظائفهم – بهيئة التحقيق والادعاء العام ؛ فهم يخضعون فيما يتعلق بوظائفهم في الضبط الجنائي لإشراف هيئة التحقيق والادعاء العام والتي من حقها أن تطلب من رؤسائهم الإداريين النظر في أمر كل منْ تقع منه مخالفة لواجباته أو تقصير في عمله، ولها أيضاً أن ترفع الدعوى التأديبية عليه، دون إخلالٍ بالدعوى الجزائية. كما حددت هذا المادة علاقتهم برؤسائهم الإداريين فيما يتعلق بمسؤوليتهم عن كل ما يقع منهم من مخالفات أو تقصير، فهم يخضعون من حيث المسؤولية التأديبية لجهة عملهم، أما إذا ترتب على مخالفاتهم مسؤولية جزائية فإن المختص بها هي هيئة التحقيق والادعاء العام.

        ومدراء الشُرط ومعاونوهم في المناطق والمحافظات والمراكز ، وكذلك ضباط الشرطة العاملون في الأقسام اليوم يعدون من رجال الضبط الحنائي ،  وسوف نحاول في ورقتنا هذه أن نستعرض بعضاً من واجبات وسلطات رجل الضبط الجنائي  في مرحلة الاستدلال في الظروف العادية ، ثم بعد ذلك سنتكلم عن السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس وهو عنوان ورقتنا هذه .



المبحث الثالث :
واجبات وسلطات رجال الضبط الجنائي في مرحلة الاستدلال :

لا شك أن قيام هيئة التحقيق والإدعاء العام بأعمالها في مجال التحقيق سوف يمكّـن رجال الضبط الجنائي بوجه عام ، وضباط الشرطة بوجهٍ خاص من التفرغ للقيام بأعمال الاستدلال وجمع المعلومات والبيانات والإيضاحات عن الجريمة ، في حين تتولى هيئة التحقيق والادعاء العام مباشرة إجراءات التحقيق التي تتجاوز هذا إلى جمع الأدلة ذاتها ، وهذا هو الحاصل اليوم ؛ إذ نرى على أرض الواقع أن مراكز الشرطة وإدارات مكافحة المخدرات قد تفرغت للقيام بأعمال الاستدلال ، وإجراء التحريات ، وتلقي البلاغات وجمع المعلومات والبيانات ، بعكس ما كان في السابق ، حيث كانت أقسام الشُرط – مثلاً – تستقبل البلاغ وتقوم بأعمال الاستدلال والتحقيق ، وتقديم المتهم للمحاكمة ، ومن ثمّ تنفيذ الحكم عليه ..!! وفي هذا إنهاكٌ لها من جهة ، وظلمٌ للمتهم من جهة أخرى ، فليس من المعقول أن تكون الجهة القابضة هي نفس الجهة التي تحقق وتوجه الاتهام .
ولذا فقد نص نظام الإجراءات الجزائية في المادة السابعة والعشرين على واجبات معينة يجب على رجل الضبط الجنائي القيام بها حتى يؤدي عمله على الوجه المطلوب نظاماً ، كما منحه النظام في الوقت نفسه سلطات تمكنه من أداء عمله في هذه المرحلة الهامة .
وسنذكر هنا بعضاً من الإجراءات الواجب على رجال الضبط الجنائي القيام بها في مرحلة الاستدلال وهي :
1 – قبول البلاغات والشكاوى التي ترد إليهم في جميع الجرائم ، وفحصها ، وجمع المعلومات المتعلقة بها ، أيّاً كانت وسيلة علمهم بها ، ما دامت الوسيلة مشروعة .
        ويجب على رجل الضبط الجنائي أن يثبت ذلك كتابة في محضر جمع الاستدلال مبيّناً فيه زمان ومكان فتح ذلك المحضر ، وساعة ورود البلاغ إليه ، واسم المبلغ ، ويوقع على ذلك  ، وأن يسجّل ملخصها وتاريخها في سجلٍ يعد لذلك ؛ وهو ما يعرف اليوم بسجل الأحوال اليومية .

        2 – إبلاغ هيئة التحقيق والادعاء العام بذلك فوراً ؛ لتمكين الهيئة من الإشراف على أعمال رجل الضبط الجنائي ، أو الشروع في التحقيق في وقت مناسب ، ولما في ذلك من تنظيمٍ للعمل والمحافظة على الدليل ، لعدم توهين قوته في الإثبات ، علماً بأن النظام لم يُرتب على مجرد الإهمال في ذلك أي بطلان .
        وهذا الأمر معمولٌ به اليوم في أقسام الشرط ؛ فبمجرد ورود البلاغ يقوم ضابط الشرطة بتسجيل ملخصه وإرساله للمناوب بهيئة التحقيق والادعاء العام عبر الفاكس ، وفي حالة كون الجريمة كبيرة كالقتل مثلاً ؛ فإنه يتم الاتصال مباشرة عبر الهاتف على المحقق المناوب ليُعطى ملخصاً بالإبلاغ ومكان الحادث شفهياً ؛ ليتسنى له الانتقال مباشرة مع رجل الضبط الجنائي إلى موقع الجريمة ، ولذا فإنه ينبغي تزويد أقسام الشرط ببيان أسماء المحققين المناوبين وأرقام هواتفهم وتحديث ذلك دورياً .
        3 – الانتقال إلى محل الحادث للمحافظة عليه ، وضبط كل ما يتعلق بالجريمة ، والمحافظة على أدلتها ،  والقيام بالإجراءات التي تقتضيها الحال .
        وليس هناك ما يحول دون قيام رجل الضبط الجنائي بإجراء المعاينة في حالة عدم انتقال المحقق المختص إلى مكان الحادث ؛  لأن المقصود من الانتقال هو المعاينة ، والمحافظة على الأشياء ، وإثبات حالة الأمكنة ، والأشخاص ، ولأن المعاينة تعد من قبيل الإجراءات التي تقتضيها الحال والتي أشارت لها المادة السابعة والعشرون ، ولما جاء في مشروع اللائحة التنفيذية في الفقرة السابعة من المادة نفسها والتي تنص على أن ( يقوم رجل الضبط الجنائي – عند الانتقال – بتحرير محضر يشتمل على أمور منها : وصف المكان والحادثة وصفاً بيّناً ) .
        4 – إثبات جميع هذه الإجراءات في المحضر الخاص بذلك ، الموسوم بمحضر جمع الاستدلال ، والذي أحسنت مديرية الأمن العام بتعميمه على جهات الضبط الجنائي بدلاً لما كان معمولاً به في السابق تحت مسمى ( محاضر التحقيق ) والتي انتهى العمل بها بعد انتقال سلطة التحقيق لهيئة التحقيق والادعاء العام  ، ويوقع رجل الضبط الجنائي على ذلك المحضر مبيّناً وقت اتخاذ ذلك الإجراء ، ومكان حصوله .
        ويعد ضابط الشرطة هو المسؤول وحده عن صحة ما يُدون في محضر الاستدلال ، ما دام قد وقّع عليه إقراراً بصحته ، سواءً كتب ذلك المحضر بيده ، أو استعان بأحد الأفراد لكتابته ؛ ذلك أن عدم تحريره لذلك المحضر بيده لا يؤثر في اعتباره محرراً في حضرته وتحت بصره .
        مع العلم بأن ذلك المحضر لا يعتبر تحقيقاً في الأدلة ، ولا يعد من حالات صفة التحقيق الجنائي .
       
        ولم يكتف النظام بعرض الواجبات السابقة على رجل الضبط الجنائي ؛ بل نص على أن له سلطات معينة تكفل مباشرته لواجباته ، من أهمها :

1 – الحصول على الإيضاحات اللازمة ممن لديهم معلومات عن الواقعة الجنائية ومرتكبها ؛ كالمبلغ ، والمشتبه فيه ، والشهود وغيرهم .
        وذلك من خلال السؤال عن الجريمة وأسباب ارتكابها ومكان وزمان وقوعها ، لا الاستجواب ؛ إذ لا يجوز توجيه الأسئلة التفصيلية الهادفة إلى إثبات التهمة ، أو مواجهته بالأدلة القائمة ضده وإلا اعتبر ذلك استجواباً ، وهو محظور على رجل الضبط الجنائي .
2 – سماع أقوال مَنْ نُسب إليه ارتكاب الجريمة ، والتحري عنهم بجمع المعلومات المختلفة التي تبيّن شخصيّتهم .
3 – ضبط كل ما يتعلق بالجريمة والمحافظة على أدلتها ؛ وذلك بالتحفظ على مكان الجريمة بإبعاد الأشخاص الموجودين به دون داع ، ومنع اقتراب أحد منه أو العبث بمحتوياته .
4 -  الاستعانة بالخبراء من الأطباء ورجال الأدلة الجنائية وغيرهم ، لفحص الآثار المادية التي قد توجد على الأشياء المضبوطة أو في مكان الجريمة ، إذا استدعت الحال ، وخيف ضياعها ، كاستشارة الفني في معرفة نوع السلاح المستخدم في الجريمة ، وطلب رأيهم كتابة .
        مع ملاحظة أن الاستدعاء الذي يقوم به رجل الضبط الجنائي في هذه المرحلة لا يعدو أن يكون توجيهاً بطلب الحضور ، دون أن يتضمن تعرضاً مادياً للمستدعى والذي يكون فيه مساسٌ بحريته أو تقييد لها ، مما قد يلتبس حينئذ بالقبض المحظور على رجل الضبط الجنائي ما لم تكن الجريمة في حالة تلبس .

        هذه أهم إجراءات الاستدلال التي يجب أن يلتزم رجل الضبط الجنائي بها في الأحوال العادية ، مقدراً لكل حادثةٍ ظروفها  ، في ضوء ما يتمتع به من سلطةٍ تقديرية ؛ إذ لا يلزم القيام بجميعها في كل حادث ، ومعلومٌ أن إجراءات الاستدلال لم ترد على سبيل الحصر ، بل اكتفى النظام بإيراد أهمها .
        إذ أن جوهر هذه الإجراءات هو جمع المعلومات عن الجريمة ، فلرجل الضبط الجنائي أن يُباشر أي إجراء يكون به فائدة في الوصول إلى الحقيقة ، وله أن يختار الوسيلة الملائمة لتنفيذ ذلك ، شريطة أن يُراعي في ذلك الشرعية الإجرائية .

الفصل الثاني / ماهية التلبس وحالاته وشروطه .

وفيه مبحثان :
المبحث الأول : حقيقة التلبس وحالاته :

أوضحت فيما مضى أبرز إجراءات الاستدلال التي يقوم بها ضابط الشرطة بوجه خاص أو رجل الضبط الجنائي بوجه عام في الظروف والأحوال العادية ، لأن اختصاصهما الأصيل منحصر في أعمال الاستدلال ، أما في حالة التلبس بالجريمة - وهو موضوع ورقتنا هذه – فلقد خرج النظام عن هذا الأصل وخوّل سلطة الضبط الجنائي مباشرة بعض أعمال التحقيق استثناءاً ، وهذا خروجٌ عن الأصل العام الذي يقرر استئثار هيئة التحقيق والادعاء العام بجميع إجراءات التحقيق ، وحظرْ ذلك على رجال الضبط الجنائي إلا في حالة التلبس بالجريمة ، أو الندب من سلطة التحقيق ، مع ملاحظة أن بعض إجراءات التحقيق وهي التوقيف الاحتياطي ، والاستجواب – فيما عدا الأحوال التي يُخشى فيها فوات الوقت – محظورة ٌ على رجال الضبط الجنائي مطلقاً .

وقبل أن نتكلم عن السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس ، تجدر بنا الإشارة إلى معرفة حقيقة هذا التلبس ، وحالاته ، وشروطه ، إذ إن مباشرة رجل الضبط الجنائي لهذه السلطات الاستثنائية متوقفٌ على توفر حالة التلبس في الجريمة المنتقل إليها من عدمه ، وإلا فما الفائدة في معرفة هذه السلطات الاستثنائية إذا كان رجل الضبط الجنائي لا يعرف حقيقة التلبس  وحالاته ؟؟ ..

  فنقول :

التلبس هو : كشف الجريمة وقت وقوعها ، أو عقب ذلك ببرهة يسيرة .

        فالتلبس حالة تلازم الجريمة نفسها لا شخص مرتكبها ، فالجريمة يكون متلبساً بها ولو لم يضبط الجاني متلبساً بها ؛ فالتلبس إذن حالة عينية لا شخصية . فلا يُشترط لتوافر التلبس مشاهدة المتهم نفسه وهو يرتكب الجريمة ، وإنما يكفي أن تُشاهد الجريمة ذاتها في حالة ارتكاب ، فالتلبس وصفٌ يفيد تقارباً زمنياً بين لحظة ارتكاب الجريمة ولحظة كشفها ، بحيث يتم ضبطها في وقت تكون فيه أدلتها ظاهرة واحتمال الخطأ في التقدير ضعيفاً .
        مثل ما لو انتقل رجل الضبط الجنائي إلى موقع الجريمة وسمع صوت طلقاتٍ نارية أو شاهد دماً لم يجف أو شم رائحة مخدر ..
       
 فإذا ما توفرت حالة ٌمن حالات التلبس ؛ حُق لرجل الضبط الجنائي أن يقبض على مرتكب هذه الجريمة وأن يقوم بتفتيشه تفتيشاً ينتج آثاره ، غير أنه ليس بلازم أن يضبط المتهم نفسه متلبساً بالجريمة بل يكفي أن تكون الجريمة التي وقعت والتي يحصل القبض والتفتيش بسببها قد شوهدت في حالة تلبس ، وأن توجد دلائل قوية على وجود صلة بين مَنْ يراد ضبطه و تفتيشه ، وبين هذه الجريمة .

        حالات التلبس :
جاءت المادة الثلاثون من نظام الإجراءات الجزائية لتحديد حالات التلبس على سبيل الحصر لا على سبيل التمثيل ، فلا يصح التوسع في تفسيرها بطريق القياس أو التقريب . والحالات هي :

الحالة الأولى : إدراك الجريمة حال ارتكابها .

والمقصود بذلك : إدراك الأفعال المادية أو أيٍّ منها -  وهي الأفعال المكونة للركن المادي للجريمة -  بأي حاسةً من حواس رجل الضبط الجنائي بطريقة يقينية لا تحتمل شكاً ، وسواء بحاسة البصر : كرؤية شخص يطلق على آخر عياراً نارياً ، أم بحاسة السمع :  كسماع صوت العيار الناري وقت إطلاقه ، أم بحاسة الشم : كشمّ رائحة المخدر، أوشم رائحة المسكر تنبعث من فم المتهم ، أم بحاسة الذوق :  كذوق سم في إناء عند تناول طعام أو شراب ، أم بحاسة اللمس : كلمس كفيف لدم ساخن يسيل من جثة قتيل .    
ومن الممكن أن تتحقق المشاهدة التي يقوم عليها التلبس إذا شوهدت الجريمة بواسطة الأجهزة الحديثة كالدوائر التلفزيونية التي تنقل الحدث مباشرة لرجل الضبط الجنائي ويلزم إضافة إلى ذلك المعاينة للجريمة عن طريق أي حاسة من الحواس الخمس .

      وتعتبر هذه الحالة أظهر حالات التلبس بالجريمة ، وتسمى التلبس الحقيقي ،  أما ما عداها من الحالات التالية فهي تعد صوراً متنوعة من التلبس الحكمي أو الاعتباري .
         
الحالة الثانية :  إدراك الجريمة عقب ارتكابها بوقت قريب .

وفي هذه الحالة لم تشاهد الأفعال المادية للجريمة وإنما تمّ مشاهدة آثار ومعالم الجريمة التي تنبأ عن ارتكابها منذ وقت قريب ، أي النتيجة المترتبة على السلوك الإجرامي .
وهذه الآثار إما مادية: كرؤية القتيل أو الجريح والدماء تنزف منه ، أو معنوية:  كانتظار العامة في مكان الجريمة بمشاعرهم الساخنة أو فزعهم من رؤيتها .
  فالعنصر الزمني يلعب دوراً حاسماً في إسباغ وصف التلبس من عدمه على الجرائم ، لذا لابد أن يستشعر رجل الضبط الجنائي أهمية العنصر الزمني في تكييف وصف الجريمة بكونها في حالة تلبس أم لا ؟ وبالتالي يستطيع بناء إجراءاته على أسس سليمة بحيث يعوّل عليها في بناء القضية .

        ولا ينفي قيام حالة التلبس كون رجل الضبط الجنائي قد انتقل إلى محل الحادثة بعد وقوعها بزمن ؛ ما دام أنه قد بادر إلى الانتقال عقب علمه مباشرة ، وما دام أنه قد شاهد آثار الجريمة بادية ومعالمها ما زالت حيّة .

        وهنا تبرز مشكلة عملية تواجه رجال الضبط الجنائي وخصوصاً ضباط أقسام الشرطة ، وهي سرعة الانتقال لمسرح الجريمة فور تلقي البلاغ من رجال السلطة العامة ، أو من أحد المواطنين .
        إذ يغلب على البعض التباطؤ في الانتقال إلى الموقع ، ولن نناقش ما إذا كان سبب هذا التباطؤ هو الإهمال ؛ إذ إن المهمل لا علاج له إلا بالجزاءات التأديبية من مرجعه ، ولكن المشكلة هنا ليست في الإهمال ، وإنما في ضغط العمل الذي يواجهه ضباط الأقسام في المدن الكبيرة كمدينة بريدة مثلاً في منطقة القصيم ، والتي يوجد بها مركزان فقط من مراكز الشرطة ،  ويناوب في كل قسم ضابط واحد لمدة أربع وعشرين ساعة ، مما يجعل مهمته صعبة وخصوصاً وقد وُكل إليه تلقي جميع البلاغات والشكاوى وفحصها وجمع المعلومات المتعلقة بها طيلة الأربع والعشرين ساعة ، والتي يحتاج فيها – بحكم طبيعته البشرية – إلى أن يأخذ قسطاً من الراحة ويخلد إلى النوم ولو لمدة ساعتين على أقل تقدير ، وقد يوكل في هذه الساعتين أحد مرؤوسيه الذي قد لا يحسن التعامل مع الحدث بصورةٍ جيدة .
        ولذا فإني اقترح أن تكون مدة المناوبة في أقسام الشُرط التي تواجه ضغطاً في العمل اثنا عشر ساعة فقط ، وبعد ذلك تتم محاسبة رجل الضبط الجنائي على التقصير في عمل الإجراءات أو التأخير في الانتقال لمسرح الحادث .
  

الحالة الثالثة :  تتبع الجاني إثر وقوع الجريمة :
وتتحقق هذه الحالة إذا تبع المجني عليه شخصاً ، أو تبعت العامة شخصاً مع الصياح إثر وقوع جريمة . ويكفي من العامة الصياح باتهامه ولو لم تتبعه .
 
فيلزم لقيام حالة التلبس أن يكون هناك تتبع ، والتتبع لا يعني أكثر من رصد الجاني إما وقوفاً بالإشارة والصياح ، وإما باقتفاء السير وراءه ، وإما بمطاردته عدواً ، ولا بد أن يكون هذا التتبع موصولاً على إثر ارتكاب الجريمة ؛ فلا يكون هناك تلبس إذا ما صادف المجني عليه الجاني في اليوم التالي لوقوع الجريمة فجدَّ في مطاردته .
        أما إذا كان التتبع حاصلاً من العامة فيلزم أن يكون مع الصياح على إثر وقوع جريمة ، ولا يشترط في العامة أن يكون جمهوراً إذ يكفي التتبع من أحد العامة.
        هذا وينبغي لنا أن نفرق بين صياح العامة وتتبعهم للجاني في أثر ارتكاب جريمة وبين الإشاعة التي تتردد على ألسنة العامة بأن فلاناً هو مرتكب الجريمة ؛ فهذه لا تكفي لقيام حالة التلبس ، وإنما تنبه رجل الضبط الجنائي إلى جمع الاستدلالات للتحقق من وقوع الجريمة ومعرفة فاعلها .

الحالة الرابعة :  إذا وجد مرتكب الجريمة بعد وقوعها بوقتٍ قريب حاملاً : آلات ، أو أسلحة ، أو أمتعة ، أو أدوات ، أو أشياء أخرى يستدل منها على أنه فاعل أو شريك فيها ، أو إذا وجدت به في هذا الوقت آثار أو علامات تفيد ذلك .

 فهذه الحالة تتحقق عندما يُضبط الجاني وقد دلّت عليه بعض المظاهر التي تدل بذاتها على أن الجاني له علاقة بارتكاب جريمة وقعت منذ وقتٍ قريب .
وهذه المظاهر قد توجد " مع " الجاني ، وقد توجد " في " الجاني ، فأما المظاهر التي قد توجد مع الجاني فمنها أن يكون حاملاً لآلات أو أسلحة ( كالسكين أو الخنجر أو المسدس أو البندقية المستخدمة في الجريمة  والملطخة بالدماء ) أو أمتعة ( كالمسروقات المبلّغ عنها ، أو مبلغ الرشوة ) أو أوراق ( كالسند المزوّر ) أو أشياء أخرى ( كجسم الجريمة نفسه كالجثة )
        وأما المظاهر التي قد توجد في الجاني فمنها : أن توجد بالجاني خدوش، أو آثار مقذوف ناري حديث ، أو دماء ظاهرة ، أو تمزق في الملابس . 

        وبهذا يتضح أن النظام اكتفى لقيام حالة التلبس وجود مظاهر خارجية توحي بذاتها عن وجود الجريمة فالتعويل على المظهر الخارجي ولو كان خلاف الواقع ، ومن ذلك :-
        حيازة المخدرات فلا يشترط في جريمة التلبس بحيازة المخدرات أن يكون مَنْ رأى المظهر الخارجي قد تبين نوعية المادة التي شاهدها ، وإنما يكفي في ذلك وجود المظهر الخارجي المنبئ عن وجود جريمة ، فإذا باشر رجل الضبط الجنائي سلطاته الاستثنائية على ضوء ذلك من : تفتيش ، وقبض ، ثم نتج عن ذلك العثور على ما يعد حيازته جريمة ( كسلاح غير مرخص ) فإن هذا الضبط يُعد صحيحاً ولو كان التحقيق قد انتهى إلى عدم وقوع جريمة أصلاً لكون المادة المضبوطة - بعد تحليلها- ليست مادة محظورة حيازتها .

المبحث الثاني :
شروط صحة التلبس :

        لكي يكون التلبس نظامياً ، وتترتب عليه آثاره ، كان لا بد من توفر شروط لصحته هي :
1-  المشاهدة الشخصية أو الإدراك المتحقق بأي حاسة من حواس رجل الضبط الجنائي ، ولا يكفي لكي تكون الجريمة متلبساً بها أن يكون رجل الضبط الجنائي قد تلقى نبأ الجريمة عن طريق الرواية من رجل السلطة العامة ( كأفراد دوريات الأمن ، أو أعضاء هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر  ) ؛  ما لم يبادر بالانتقال إلى محل الواقعة فور علمه بالجريمة ، ويشاهد آثارها التي تنبئ عن ارتكابها منذ وقت قصير .
       
2- أن يكون اكتشاف التلبس قد تم بطريق مشروع ، فلا يجوز لرجل الضبط الجنائي إثبات قيام حالة التلبس بمشاهدة الجناة من خلال ثقوب الأبواب الخاصة للمساكن ، أو اقتحام المسكن بغير إذن نظامي .
 والعبرة في ذلك : هو أن يكون سلوك رجل الضبط الجنائي والذي عن طريقه تمت مشاهدة حالة التلبس مطابقاً للشرع والنظام .
        ومثال ذلك في الحياة العملية ما إذا استوقف رجل الضبط الجنائي أحد الأشخاص لوجوده في حالٍ تدعو إلى الاشتباه في أمره ، لسؤاله عما يُثبت شخصيته ووجهته ؛ فقام هذا الشخص بإلقاء كيس ٍ كان يحمله وتبيّن أن فيه مخدراً ، فإن التلبس يتحقق بذلك .
         وأيضاً لو تم استيقاف شخص حول مزارع لا صلة له بها في وقت ليل ، وقد حمل في سيارته قطعاً من الكيابل الموصلة للتيار الكهربائي الخاص بالرشاش المعد لسقيا الزرع ؛ فإن التلبس يتحقق بذلك ، ويجوز لرجل الضبط القبض عليه وتفتيشه .
كما إن مشاهدة رجل الضبط الجنائي لشخص ٍ حاملاً معه أغراض وفي وقت متأخر من الليل وبصحبته شخصين آخرين ، وحينما شاهدوا رجل الضبط ارتكبوا الفرار أو حاولوا ذلك ، فإن التلبس يتحقق بذلك .

        بخلاف ما لو كان اكتشاف هذا التلبس قد تم بشكلٍ غير مشروع ، كما لو دخل رجل الضبط الجنائي منزل شخص ٍ وقام بتفتيشه في غير الأحوال المصرح له نظاماً بدخول المنزل ، ثم شاهد أثناء التفتيش جريمة ً متلبساً بها ، كسلاح غير مرخص ، فلا يعتد بالتلبس في هذه الحالة ، لأن طريق مشاهدة الجريمة هو التفتيش الباطل .
        ومثله لو تعسف رجل الضبط الجنائي في تنفيذ المهمة التي من أجلها منحه النظام حق مباشرة الإجراء ، فشاهد أثناء ذلك جريمة ً متلبساً بها ، فإن هذا التلبس لا يعد صحيحاً ، كما لو صدر أمر التفتيش للبحث عن الأغنام المسروقة ، فعثر رجل الضبط الجنائي أثناء تنفيذه لهذا الأمر على محفظة نقود في درج ٍ في غرفة النوم فقام بفتحها ووجد بها مادة مخدرة ، فلا تقوم حالة التلبس حينئذ ؛ إذ البحث عن الأغنام لا يقتضي تفتيش المحفظة لاستحالة كون الأغنام مخبأة ً داخل المحفظة !! .

        وهنا يُثار تساؤل هام ..

هل إذا تجاوز رجل الضبط الجنائي حدوده في تقدير حالة التلبس ، وباشر السلطات الاستثنائية التي كفلها له النظام كالقبض والتفتيش ، ثم تبيّن عدم قيام حالة التلبس ، أو قيامها ولكن كان اكتشافها بطريقٍ غير مشروع كما في المثالين السابقين .. هل يتم تبرئة المتهم نهائياً باعتبار أن ما بُني على باطل فهو باطل ؟؟..

غالب شراح النظام يقررون أن بطلان القبض لعدم مشروعيته ينبني عليه عدم التعويل في الإدانة على أي دليلٍ يكون مترتباً عليه أو مستمداً منه ، وتقرير الصلة بين القبض الباطل أو التفتيش الباطل وبين الدليل الذي تستند إليه سلطة الاتهام ، أيّا ما كان نوعه ، من المسائل الموضوعية التي يفصل بها القاضي ناظر القضية بغير معقب ، ما دام التدليل عليها سائغاً ومقبولاً .
في حين يرى البعض أن الجريمة تبقى جريمة ً معاقباً عليها ، لكن يُحاسب رجل الضبط الجنائي على مخالفته .
وهذه المسألة تحتاج لمزيد بحث وتحقيق ؛ إذ يكثُر السؤال عنها من رجال الضبط الجنائي الذين قد يضبطون المتهم بجرمه المشهود ، لكن عن طريق إجراءٍ غير مشروع .. فسيحاسب قطعاً عن تجاوزه ، ويعاقب ببطلان إجراءه ؛ لكن هل يحكم القاضي في المملكة العربية السعودية ببراءة هذا المتهم الذي وُجد بحوزته كمية من المخدرات نظراً لتجاوز رجل الضبط الجنائي في استخدام سلطته ؟؟ ..
هنا محل التساؤل ..

        ففي حالة التلبس متى ما توافرت الدلائل الكافية على اتهام أي شخص ؛ فإنه يجوز لرجل الضبط الجنائي القبض عليه وتفتيشه ، وهذه الدلائل الكافية هي العلامات الخارجية التي تسوّغ وضع الشخص في دائرة الاتهام باعتباره فاعلاً أو شريكاً في الجرم ، ولا ترقى إلى مستوى الأدلة ، ويخضع تقدير تلك الدلائل لرجل الضبط الجنائي تحت رقابة وإشراف المحقق ، إذ لا يوجد معيار معين ومحور منضبط لهذه الدلائل الكافية .

        وفي الواقع العملي أيضاً نجد أن كثيراً من رجال الضبط الجنائي يتحرج في إثبات حالة التلبس ظناً منهم أنه لا بد وأن يشاهد الجاني متلبساً بجريمته وقت اقترافه لها تلبساً حقيقياً ، أو أن يعتقد أنه لا بد من توفر الأدلة الكافية للاتهام لكي يثبت حالة التلبس ، فيغض الطرف عن كثيرٍ من حالات التلبس بسبب تخوّفه من كون ذلك الشخص الذي وضع نفسه في حالة تلبس : بريئا ً ، مع العلم بأنه لا يُشترط في حالة التلبس وجود أدلة الإدانة بل يكفي ظهور العلامات الخارجية التي تسوّغ وضع الشخص في دائرة الاتهام حتى لو تم عدم توجيه الاتهام له من سلطة التحقيق ، أو إدانته من سلطة القضاء .

بل إنه يكفي لقيام حالة التلبس بالجريمة وما يترتب على ذلك من مباشرة السلطات الاستثنائية كالقبض والتفتيش ؛ مجرد معاينة رجل الضبط الجنائي للمظاهر الخارجية التي تحمله على الاعتقاد بتوافر إحدى حالات التلبس حتى ولو تبيّن له بعد ذلك أنه لا وجود لها ، والأكثر من ذلك لو تبيّن له أن الجريمة لم ترتكب ، وأنه لا وجود للتلبس على ذلك ، فبمجرد وجود المظاهر الخارجية التي تنبأ عن ارتكاب الفعل الذي تتكون منه الجريمة فذلك يكفي لقيام حالة التلبس بالجريمة ولو ظهر من التحقيق بعد ذلك أنه لا جريمة ، كما لو سمع رجل الضبط الجنائي صوت عيار ناري ثم شاهد شخصاً يضع مسدساً في جيبه بعد أن سمع صوت إطلاق النار منه ، فاعتقد أنه متلبس بجريمة حيازة سلاح ناري ؛ فقبض عليه وفتشه لضبط المسدس والذخيرة ، فهذا القبض والتفتيش صحيحين ، ولو تبيّن بعد ذلك أن المسدس هو عبارة عن مسدس صوت لا جريمة في حيازته ، ولما كان هذا التفتيش صحيحاً فإنه إذا  عثر رجل الضبط الجنائي أثناء تفتيشه على مادة مخدرة ؛ فإن التلبس يتحقق بحيازة هذه المادة .

        فينبغي أن يعلم رجل الضبط الجنائي أن عمله مقصورٌ على الضبط الجنائي فقط ، فيفرّغ نفسه لذلك ، من دون أن يشغلها بمدى توفر أدلة الاتهام على المتهم من عدمه ، وإنما يكفي أن توجد العلامات الخارجية التي تسوّغ وضع الشخص في دائرة الاتهام لتوفر حالة التلبس ، والتي تبيح له – استثناءً – ممارسة بعض أعمال التحقيق ، كالقبض على المتهم ، وتفتيشه .

        علماً بأن تقدير تلك الدلائل راجعٌ له نفسه ، فهو الذي يقدّر مدى توفر تلك الدلائل من عدمها ، ويكون ذلك تحت رقابة المحقق .  
         
3- أن يكون اكتشاف التلبس سابقاً على اتخاذ أي إجراء من إجراءات التحقيق التي يجريها رجل الضبط الجنائي بدون ندب من سلطة التحقيق ، فلا بد أولاً من ثبوت حالة التلبس ثم يكون لرجل الضبط الجنائي أن يباشر السلطات الاستثنائية التي منحت له في حالة التلبس ، والتي من أهمها :
1- حق القبض على المتهم .
2- حق تفتيش المتهم ، سواء كان التفتيش ينصب على شخصه أو منزله وما في حكمه .

وهذه هي السلطات الاستثنائية لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس ، وهي موضوع ورقتنا هذه .

الفصل الثالث :
سلطات رجل الضبط الجنائي في حالة التلبس .

أعطى نظام الإجراءات الجزائية لرجل الضبط الجنائي سلطات معينة لا يسمح له بها في الأحوال العادية ، وهي مهامٌ تجمع بين إجراءات الاستدلال التي هي مهمته الأصلية ، وبعض إجراءات التحقيق التي خوّلت له استثناء وذلك بهدف سرعة إثبات الجريمة ، ويمكن تقسيم الإجراءات المترتبة على التلبس إلى نوعين من الإجراءات ، نذكرها في مبحثين هما :

المبحث الأول :
إجراءات الاستدلال المترتبة على حالة التلبس

        يجب على رجل الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة أن ينتقل فوراً إلى مكان الواقعة ، وأن يعاين آثارها المادية ، وأن يحافظ عليها ، وبهذا تتحقق حكمة الانتقال السريع لرجل الضبط الجنائي لمكان الواقعة ، فالانتقال ليس مقصوداً لذاته ، وإنما لمباشرة هذين الإجراءين ، ثم يقوم بإثبات حالة الأماكن والأشخاص ، وكل ما يفيد في كشف الحقيقة ، وفي هذا استنطاقٌ لمسرح الجريمة من خلال الوقفة المتأنية ، والنظرة الثاقبة التي تلعب فيها خبرة رجل الضبط الجنائي دوراً كبيراً ، وذلك من خلال نقله هذا الحدث إلى المحقق ثم إلى القاضي وكأنهما يريان مكان وقوع الجريمة وما دار فيها .
        فيجب على ضابط الشرطة في حالة التلبس الانتقال فوراً وبدون تردد ، وبأيسر الطرق للوصول إلى مسرح الجريمة ، والذي يعتبر بداية الوصول لتحديد شخصية الجاني إذا التزم رجل الضبط الجنائي بمعاينة مسرح الجريمة بالدقة والحرص وحماية المكان .
        كما يجب عليه أيضاً أن يقوم بإبلاغ هيئة التحقيق والادعاء العام فوراً بانتقاله بشأن الجريمة المتلبس بها ، مع إعطائهم بياناً موجزاً عنها ، وزمنها ، ومكان وقوعها ، ويرسل بالطريقة المناسبة حسب الأحوال ، علماً بأن هذا الإجراء إجراءٌ استرشادي لا يترتب على مخالفته بطلان ما ينبني عليه من إجراءات ، لكن قد يحاسب ضابط الشرطة تأديبياً عن تراخيه في تبليغ هيئة التحقيق والادعاء العام .
        كما يجب على رجل الضبط الجنائي أن يسمع أقوال مَنْ كان حاضراً أو يمكن الحصول منه على معلومات في شأن الواقعة ومرتكبها .

        ولرجل الضبط الجنائي منع الحاضرين من مبارحة محل الواقعة أو الابتعاد عنه ، حتى يتم تحرير المحضر اللازم بذلك ، وذلك لاحتمال كون المتهم ما زال بينهم ولم يكن قد غادر المكان بعد ، ولا يعد هذا الإجراء تحفظاً على الأشخاص أو قبضاً عليهم ، بل هو من الإجراءات التنظيمية لسماع أقوال الحاضرين ، وجمع المعلومات عنهم ؛ لذا لا يجوز لرجل الضبط الجنائي استخدام القوة والعنف لحمل الحاضرين على عدم الابتعاد عن مكان الواقعة .
        كما أنه يجوز لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة أن يستدعي في الحال مَنْ يمكن الحصول منه على معلومات في شأن الواقعة ، ولا يجوز استخدام القهر والعنف معه ، بل إذا خالف أحد الحاضرين الأمر الصادر إليه من رجل الضبط الجنائي أو امتنع أحدٌ ممن دعاهم عن الحضور ؛ فإن رجل الضبط الجنائي يُثبت ذلك في المحضر ، ويُحال المخالف إلى المحكمة المختصة لتقرير ما تراه بشأنه .
        ثم يقوم رجل الضبط الجنائي بتحرير محضرٍ بالواقعة ، يكتب فيه كل ما توصل إليه من آثار وأقوال ، ويوقع عليه .

        وفي الواقع العملي نجد أن بعض الحاضرين لمكان الجريمة المتلبس بها  قد يخالف أمر رجل الضبط الجنائي المباشر للجريمة ؛ إما بامتناعه عن الحضور ، أو عدم تمكينه من معاينة مسرح الجريمة بدقة وخصوصاً في الأماكن التي يخشى أصحابها على سمعتها ، كالشقق المفروشة مثلاً ، والتي قد تُرتكب فيها جريمة بحالة تلبس ، كالقتل ، وحيازة المخدرات و بيعها ، فيحدث تجاذبٌ بين رجل الضبط الذي يريد الدخول ، وبين المالك أو المسئول ، من دون أن يتم إخبار ذلك المانع من أنه سوف يُحال إلى المحكمة المختصة لتقرير ما تراه بشأن هذه الجريمة التعزيرية التي يُقدر القاضي عقوبتها ، وخصوصاً إذا كان لمخالفته أثراً في ضبط الجريمة أو أدلتها .
المبحث الثاني
إجراءات التحقيق المترتبة على حالة التلبس

الأصل أن عمل رجل الضبط الجنائي محصورٌ في جمع الاستدلالات التي تتعلق بالجريمة ومرتكبيها ، وإجراءات التحقيق ليست من سلطات رجل الضبط الجنائي ، بل هي مقصورة على سلطة التحقيق ( هيئة التحقيق والادعاء العام ) .  
        ولكن نظراً لأسباب معينة - سنجملها فيما يلي – فلقد منح النظام رجالَ الضبط الجنائي استثناءات تُجيز لهم ممارسة بعض سلطات التحقيق الاستثنائية ، وذلك فقط في حالة الجريمة المتلبس بها ، أما الجرائم غير المتلبس بها فلا بد من ندب هيئة التحقيق والادعاء العام لرجل الضبط الجنائي كتابة ، وإلا بطلت الإجراءات .
        وسنتكلم هنا عن تلك السلطات الاستثنائية التي منحها النظام لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس ، ولكن قبل أن نبدأ بالحديث عن تلك السلطات الاستثنائية ، لا بد وأن نبين أهم الأسباب التي أدت إلى منح هذه السلطة – استثناءً – لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس ، فنقول :
       
أسباب منح هذه السلطة استثناءً لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس :
        منح نظام الإجراءات الجزائية رجال الضبط الجنائي في حالة التلبس ممارسة بعض سلطات التحقيق كالقبض والتفتيش – استثناءً – لأسباب أهمها : 

1 – خطورة هذه الحالات على أمن الفرد والمجتمع ، ذلك أن ارتكاب الجريمة على مرأى ومسمع أفراد المجتمع إنما هو دليلٌ على استهتارٍ بالمجتمع وأمنه ، وخطورةٍ متأصلة وإجرام أسود في نفس مرتكبها دون مراعاةٍ لوازع ديني ، أو عرفٍ اجتماعي ، بل إن فيه ذلك إخلالاً بالأمن ، وانتهاكاً لهيئة الدولة ، وهيبة الحاكم .
2 – أن الأدلة على الجريمة المتلبس بها تحتاج إلى سرعة في مباشرة إجراءات التحقيق الخاصة بها ؛ فلو تُركت هذه الإجراءات لحين مباشرة المحقق الأصلي لها فإنه يُخشى تغييرها أو تبديدها أو العبث بها ، ولكي لا تضيع الحقوق ، وتنطمس معالم الجريمة .
3 –  أن احتمال الخطأ مستبعد ، بل انتفاء مظنته في التقدير أو الكيد للمتهم ؛ ذلك أن الجريمة ترتكب وأدلتها ظاهرة وملموسة مما يقتضي ضبطها قبل أن تتغير معالمها .
4 – أن في إعطاء هذه الصلاحيات لرجل الضبط الجنائي تدعيماً لأمن المجتمع ، وضرباً على أيدي الجناة والمستهترين .

        إذ ليس من المعقول أن يشاهد رجل الضبط الجنائي جريمة ً متلبساً بها ، ثم يقف مكتوف الأيدي ينتظر التوجيه من سلطة التحقيق حيال القبض على المتهم !! ..
        ولهذا فقد أعطى نظام الإجراءات الجزائية لرجل الضبط الجنائي الصلاحية في مباشرة بعض أعمال التحقيق التي تختص بها هيئة التحقيق والادعاء العام أصلاً وذلك لتوفير قدرٍ من المرونة ، إذ إن سلطة التحقيق غالباً ما تكون بعيدة عن الجريمة ، بل وحتى انتقالها إليها يكون بعد مضي وقت ، فلذلك أجاز النظام لرجل الضبط الجنائي مباشرة هذه السلطات الاستثنائية في حالة التلبس بالجريمة ، والندب لعمل من أعمال التحقيق .

        أما السلطات الاستثنائية التي منحها النظام لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس فهي :
      1- سلطة القبض .
2 - سلطة التفتيش . سواء كان التفتيش ينصب على شخص المتهم أو منزله وما في حكمه .

أولاً / سلطة القبض :
فمن الحقوق الثابتة للإنسان حقه في حرية التنقل ، وهي تعرف بإمكانية الفرد أن يغيّر مكانه وفقاً لمشيئته وإرادته ، وتشمل حرية التنقل من مكان إلى مكان سواء في البر أو البحر أو الجو .
ولقد جاء نظام الإجراءات الجزائية لتأكيد حق حرية التنقل لأفراد المجتمع كافة بحريةٍ تامة ، كما حظر النظام من المساس بهذه الحرية إلا بحق ، فلا يجوز التعرض لها و لا الحد منها إلا في صور ٍ محددة بينها النظام ، حيث نصت المادة الثانية من نظام الإجراءات الجزائية على أنه :" لا يجوز القبض على أي إنسان أو تفتيشه أو توقيفه أو سجنه إلا في الأحوال المنصوص عليها نظاماً ".
        والقبض هو : مجموعة احتياطات وقتية للسيطرة على حركة المتهم ، بغية التحقق من شخصيته واتخاذ الإجراء النظامي حياله .
        وهو إجراءٌ من إجراءات التحقيق ، لا الاستدلال ، تختص به هيئة التحقيق والادعاء العام ، وخوّله النظام استثناءً  لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة ؛ فأجاز له  القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه ، وأنه قد ساهم في الجريمة بوصفه فاعلاً لها أو شريكاً فيها ، فالتلبس الصحيح لا يكفي وحده لمشروعية القبض ، وإنما يلزم فضلاً عن ذلك قيام هذه الدلائل الكافية في حق المقبوض عليه ، وتقدير تلك الدلائل تكون بداءة لرجل الضبط الجنائي ؛ حيث تخضع لتقديره  ولكن تحت رقابة المحقق .  
        بل وحتى تقدير الوقت بين وقوع الجريمة في حالة التلبس وبين القبض على المتهم ، متروكٌ لرجل الضبط الجنائي ، تحت إشراف هيئة التحقيق والادعاء العام ، ويخضع الجميع لتقدير القاضي ناظر القضية الذي له أن يقدر ملائمة هذا الوقت ، في ضوء استظهاره للأسباب والاعتبارات السائغة والتي على أساسها يُقدر الزمن الفاصل بين وقوع الجريمة وبين القبض على المتهم المشتبه فيه ؛ إذ لم يشترط النظام مضي وقت معين بين وقوع الجريمة في حالة التلبس وبين القبض على المتهم المشتبه فيه .
         
        ففي حالة التلبس بأي جريمة يجوز لرجل الضبط الجنائي القبض على المتهم وتفتيشه ، ولو لم يصدر بشأنه مذكرة قبض من المحقق ، لكن يجب المبادرة بإبلاغ هيئة التحقيق والادعاء العام فوراً .
        ولقد نص نظام الإجراءات الجزائية على ذلك في المادة الثالثة والثلاثين وفيها : " لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة : القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافيه على اتهامه ؛ على أن يحرر محضراً بذلك ، وأن يبادر بإبلاغ هيئة التحقيق والادعاء العام فوراً ، وفي جميع الأحوال لا يجوز إبقاء المقبوض عليه موقوفاً لأكثر من أربع وعشرين ساعة إلا بأمر كتابي من المحقق " .
        كما أنه يجب على رجل الضبط الجنائي بعد قبضه على المتهم الحاضر الذي وُجدت دلائل كافية على اتهامه أن يحرر محضراً بذلك ، وأن يسمع فوراً أقوال المتهم المقبوض عليه ، والسؤال هنا هو الاستفسار عما إذا كان هو الذي ارتكب الجريمة ، وأسباب ارتكابه لها ، دون توجيه الأسئلة التفصيلية ، أو مواجهته بالأدلة القائمة ضده ، أو مواجهته بالشهود أو المتهمين الآخرين ، فذلك داخل في الاستجواب ، وهو محظورٌ على رجل الضبط الجنائي مطلقاً ،  وإذا لم يأت المتهم المقبوض عليه بما يُـقنع رجل الضبط الجنائي أنه بريء ؛ فإنه يجب على رجل الضبط أن يُرسله خلال أربع وعشرين ساعة مع المحضر إلى المحقق .
        أما إذا أتى المتهم المقبوض عليه في حالة التلبس بالجريمة بما يُقنع رجل الضبط الجنائي أنه بريء ؛ فلرجل الضبط الجنائي سلطة الإفراج عنه إن رأى ذلك ،  وبهذا يكون النظام قد أعطى رجال الضبط الجنائي سلطة ً تقديرية واسعة في تقدير الإفراج من عدمه .        
        وهذا في المتهم الحاضر ؛ أما إذا لم يكن المتهم أو الشريك المتلبس بالجريمة حاضراً في محل الجريمة أو قريباً منه ؛  فيجب على رجل الضبط الجنائي أن يصدر أمراً بضبطه وإحضاره ، وأن يبيّن ذلك في المحضر ، ويتم تنفيذ هذا الأمر بواسطة رجال السلطة العامة ، أو أحد المحضرين ، ويُفترض تنفيذ القبض تخويل مَنْ يباشره سلطة اتخاذ وسائل الإكراه بالقدر اللازم لتقييد حرية المقبوض عليه حتى لا يهرب ، ولكن يجب ملاحظة أنه لا يجوز استخدام الإكراه إذا كان المقبوض عليه قد امتثل طواعية دون مقاومة .
        مع العلم بأن لهذا المتهم المقبوض عليه من قبل رجال الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة ؛ ضماناتٍ نجملها في الآتي :
        1 – أنه يجب تعريفه فوراً بأسباب القبض عليه ، وبالتهمة المنسوبة إليه .
        2 – يجب تعريفه أيضاً بأن له الاستعانة بوكيل أو محام .
        3 – كما يجب تمكينه من الاتصال بمَنْ يرى إبلاغه بواقعة القبض عليه ، ويكون ذلك تحت رقابة رجل الضبط الجنائي .
         

ثانياً / سلطة التفتيش :
الإنسان بحكم طبيعته له أسراره الشخصية، ومشاعره الذاتية، وخصائصه المتميزة، وتقتضي حرمة هذه الحياة أن يكون له الحق في إخفاء السرية على مظاهرها وآثارها.  
ولهذا كان إجراء التفتيش من أشد الإجراءات التي عُني بها النظام وذلك بالنص على حظر ومنع التفتيش كقاعدة، ولم يجزه إلا بقيود خاصة ، إذ نصت المادة الأربعون من نظام الإجراءات الجزائية على أن:  ( للأشخاص ومساكنهم ومكاتبهم ومراكبهم حرمة ، تجب صيانتها. وحرمة الشخص تحمي جسده وملابسه وماله وما يوجد معه من أمتعة. وتشمل حرمة المسكن كل مكان مسور أو محاط بأي حاجز، أو معد لاستعماله مأوى ) . 
والتفتيش هو إجراء من إجراءات التحقيق لا الاستدلال ، يهدف إلى التوصل إلى أدلة جريمة اُرتكبت فعلاً، وذلك بالبحث عن هذه الأدلة في مستودع السر، سواء أُجريَ على شخص المتهم أو في منزله دون التوقف على إرادته.
وتختص به هيئة التحقيق والادعاء العام ، وخوّله النظام استثناءً  لرجل الضبط الجنائي في حالة التلبس بالجريمة ، فأجاز له  القبض على المتهم الحاضر الذي توجد دلائل كافية على اتهامه ، ومتى ما جاز القبض على المتهم جاز تفتيشه ، إعمالاً للقاعدة الإجرائية ( في الأحوال التي يجوز فيها القبض على المتهم : يجوز تفتيشه) .
حيث نصت المادة الثانية والأربعون من نظام الإجراءات الجزائية على أنه : ( يجوز لرجل الضبط الجنائي – في الأحوال التي يجوز فيها القبض نظاماً على المتهم – أن يفتشه . ويشمل التفتيش : جسده ، وملابسه ، وأمتعته . وإذا كان المتهم أنثى وجب أن يكون التفتيش من قبل أنثى يندبها رجل الضبط الجنائي ) .
ولا يُشترط في التفتيش وقوع القبض الفعلي على المتهم ، بل يكفي لثبوت اختصاص رجل الضبط الجنائي بالتفتيش أن تثبت له أولاً سلطة القبض ولو لم يقبض فعلاً على المتهم .
فرجل الضبط الجنائي يستمد سلطته في التفتيش ليس من واقعة القبض نفسها ، بل من مجرد قيام حالة التلبس التي تجيز له القبض ، إذ ليس بلازم أن يقبض رجل الضبط بالفعل على المتهم لكي يفتشه ، بل له أن يلجأ إلى تفتيشه متى كان حاضراً ، ودون الحاجة إلى القبض عليه ، أو أن يقبض عليه ثم يفتشه بعد ذلك .
أما إذا كان المتهم أنثى وجب أن يكون التفتيش من قبل أنثى يندبها رجل الضبط الجنائي ، بخلاف ما تحمله من منقولات فيتم تفتيشه من قبل رجل الضبط الجنائي .
ويجوز التفتيش في حالة التلبس بالجريمة ؛ فلرجل الضبط الجنائي أن يفتش منزل المتهم ، ويضبط ما فيه من الأشياء التي تفيد في كشف الحقيقة ، إذا اتضح من أمارات قوية أنها موجودة فيه .
كما يجوز لرجل الضبط الجنائي أن يفتش المتهم شخصياً أو شخصاً آخر إذا قامت قرائن ضده أثناء تفتيش منزل المتهم وتبين منها أنه يُخفي معه أشياء تفيد في كشف الحقيقة .
والتفتيش إجراء ضروري وخطير ، ضروري لمصلحة التحقيق ، وخطير لمساسه لحرمةٍ يجب أن تُصان ، ولذا لن تكفينا هذه الورقة لاستعراض أحكامه ، وأحواله ، وأنواعه ، وضوابطه ؛ لا سيما وقد تقد أحد الزملاء بورقة عمل عن إجراءات التفتيش في نظام الإجراءات الجزائية .

هذا والله اعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ..