كتب قانونية

الثلاثاء، 5 يوليو، 2016

جرائم غسل الأموال ودور المحكمة الاتحادية العليا فــي الــرقابة عليـها تحقيـقاً ومحــاكمـة

جرائم غسل الأموال ودور المحكمة الاتحادية العليا فــي الــرقابة عليـها تحقيـقاً ومحــاكمـة








شعار-المحكمة 






جرائم غسل الأموال ودور المحكمة الاتحادية العليا
فــي الــرقابة عليـها تحقيـقاً ومحــاكمـة










ورقة مقدمة إلى المؤتمر الثالث الرؤساء
المحاكم العلـيـا في الـدول العـربية

حول المحور الثالث

إعداد
 القاضي/د.عبدالوهاب عبدول
 رئيس المحكمة الاتحادية العليا

بسم الله الرحمن الرحيم

مقدمة الورقة:

     لم يكن في دولة الإمارات العربية المتحدة حتى عام 2002، قانون اتحادي أو محلي يجرَّم عمليات غسل الأموال كجريمة مستقلة قائمة بذاتها، لها نموذجها ومفترضها القانوني الخاص بها، رغم أن مصطلح         (( غسل الأموال)) كان  معروفاً ومتداولاً بين رجال الأمن والقضاء، ورجال المال والأعمال والاقتصاد. وكانت الأموال الناتجة عن عمليات الاتجار في المخدرات أو الأسلحة أو الدعارة أو القرصنة، غالبا ما تفلت من المساءلة القانونية لغياب تنظيم قانوني محكم لمكافحة هذا النوع من عمليات الاتجار وعائداتها. وحتى في الحالات التي يتم فيها ضبط أموال ناتجة عن جرائم الاتجار في المخدرات أو الأسلحة أو الرقيق الأبيض أو السيارات الفاخرة المسروقة أو الاتجار في الأعضاء البشرية، فإن معاقبة المتهمين فيها كانت تتم عبر النصوص المجرَّمه لتلك الأفعال سواء الواردة في القانون الجزائي العام أو في القوانين الجزائية الخاصة.
    وفي ظل تنامي وتزايد خطر الجرائم العابرة بما فيها جرائم غسل الأموال، وازدياد سطوة الإجرام المنظم، وسعى المجتمع الدولي الدؤوب إلى مكافحة ومحاربة هذا النوع المستحدث من الجرائم، تنادت الدول إلى إبرام العديد من الاتفاقيات الثنائية والجماعية لمكافحة جرائم غسل الأموال والتي ألقت على عاتقها التزاماً إيجابيا بإصدار تشريعات وطنية لمواجهة هذه الظاهرة الإجرامية وذلك بتجريم  كافة صور وعمليات غسل الأموال .
    وفي دولة الإمارات العربية المتحدة ، أصدرت الحكومة الاتحادية القانون الاتحادي رقم (4) لسنة 2002 في شأن بتجريم غسل الأموال. ويتألف هذا القانون من خمسٍ وعشرين مادة، تتوزع على خمسة فصول تتصدرها مادة تعريفية ( المادة الأولى) تتضمن تعاريف محددة لمعاني بعض الألفاظ والمصطلحات الواردة في القانون. فيما عَّرف الفصل الأول جريمة غسل الأموال ومتى يُعد الشخص مرتكبا لهذه الجريمة، وبيان الجرائم التي تعتبر الأموال المتحصلة عنها غسلاً للأموال . وتناول الفصل الثاني من القانون بيان التزامات واختصاصات الجهات الحكومية المختصة بمكافحة جرائم غسل الأموال بما فيها المصرف المركزي واللجنة الوطنية لمواجهة غسل الأموال. وتضمن الفصل الثالث العقوبات المقررة على الأفعال الواقعة بالمخالفة لحكام القانون. أما الفصل الرابع منه فقد نظم التعاون الدولي فيما يتعلق بتعقب وتجميد وحجز الأموال أو المتحصلات أو الوسائط الناتجة عن جريمة غسل الأموال ، أو المستخدمة فيها. وجاء الفصل الخامس والأخير بأحكام ختامية تتعلق بصلاحية مجلس الوزراء بإصدار اللوائح التنفيذية لأحكام القانون، ونشر القانون في الجريدة الرسمية، وإلغاء كل حكم يخالف أو يعارض أحكام هذا القانون .
    وكانت اللجنة الفنية المكلفة بوضع مسودة القانون قد شهدت انقساماً في الرأي حول  حول الجهة القضائية المختصة بنظر جرائم غسل الأموال . فذهب رأي إلى أن جرائم غسل الأموال هي من ضمن الجرائم المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وهي تمس الاقتصاد الوطني، ومن ثم فإن اختصاص نظرها ينعقد للقضاء الاتحادي وتحديداً للمحكمة الاتحادية العليا باعتبارها من الجرائم الماسة بأمن الدولة ومصالحها.
 بينما ذهب رأي ثان إلى ان جرائم غسل الأموال وإن كانت من الجرائم المالية الخطيرة، إلا أنها لا تخرج عن أن تكون من الجرائم الواقعة على المال ، أي أنها من الجرائم العادية. ومن ثم فإن اختصاص نظرها يكون موزعاً بين القضائين الاتحادي والمحلي بحسب معايير الاختصاص الولائي بينهما.



 وقد أخذ القانون بالرأي الثاني، والذي بموجبه أصبح دور المحكمة الاتحادية العليا محدداً في بسط الرقابة القانونية على صحة الأحكام القضائية الصادرة في جرائم غسل الأموال ورقابة المشروعية على القرارات الإدارية الصادرة اعمالاً لنصوص القانون، وذلك على النحو الذي سيرد في المبحثين التاليين :-
المبحث الأول:   دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على التحقيق في جرائم غســل الأموال.
المبحث الثاني: دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على المحاكمة في جرائم غسل الأمـوال.





المبحث الأول
دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على التحقيق في جرائم غســل الأموال.

أ‌-    الرقابة على أعمال التحري وجمع الاستدلال: الأصل أن أعمال التحري وجمع الاستدلال عن الجرائم تقوم بها الجهات الأمنية وخاصة الشرطة باعتبار أن جل منتسبيها من مأموري الضبط القضائي. إلا أن للمشرع أن يخرج على هذا الأصل ويمنح لجهات أخرى سلطة القيام بأعمال التحري وجمع الاستدلال ويعطى لأفرادها صفة مأمور الضبط القضائي الخاص. ومن الجرائم التي خرج فيها المشرع الإماراتي على هذا الأصل، جرائم غسل الأموال ، إذ عهد قانون تجريم غسل الأموال الاتحادي إلى وحدة إدارية خاصة تابعة للمصرف المركزي اختصاص التحري وجمع الاستدلال عن جرائم غسل الأموال، ولها في هذا الصدد تلقي تقارير المعاملات المشبوهة من كافة المنشآت المالية والتجارية والاقتصادية، ودراسة الحالات المبلغة إليها وإبلاغ النيابة العامة بها لاتخاذ الإجراءات اللازمة. كما لها أن تتبادل مع الوحدات المشابهة لها في الدول الأخرى معلومات تقارير الحالات المشبوهة عملاً بالاتفاقيات التي تكون الدولة طرف فيها أو بشرط المعاملة بالمثل. وللوحدة المذكورة ان تأمر بتجميد الأموال التي تشتبه بها لدى المنشآت المالية لمدة لا تزيد على 7 أيام . وتختص الوحدة أيضاً بإبلاغ النيابة العامة بما أسفرت عنه التحريات من وجود دلائل على ارتكاب جريمة من جرائم  غسل الأموال .
     وتمارس المحكمة الاتحادية العليا دوراً رقابياً غير مباشر على عمل هذه الوحدة، وذلك عبر الطعن على أحكام المحاكم متى كان الحكم أقام قضاءه على عمل من أعمال التحري الذي قامت به الوحدة وثبت بطلانه أو عدم صحته.
  وقد تأخذ الرقابة صورة الطعن على الأحكام الصادرة في دعاوي إلغاء القرار الإداري المرفوعة ضد القرارات الإدارية التي تصدرها الوحدة.


 ب- الرقابة على أعمال التحقيق:
   بعد ان تنتهي الوحدة المختصة بمكافحة غسل الأموال من القيام بالتحريات وجمع الاستدلالات، وتكون قد وصلت إلى وجود دلائل على ارتكاب جريمة من جرائم غسل الأموال، تحيل كل ما لديها من أوراق ومستندات إلى النيابة العامة التي لها وحدها حق إجراء التحقيق وتوجيه الاتهام وفقاً للقواعد الواردة في قانون الإجراءات الجزائية. وإجراءات التحقيق التي تقوم بها النيابة العامة بصدد جرائم غسل الأموال هي ذاتها التي تقوم بها عند تحقيقها في الجرائم العادية. فلها ان تأمر بالتفتيش وضبط الأشياء المتعلقة بالجريمة، مثل ضبط وتفتيش نظم المعلومات وأجهزة الكمبيوتر، كما لها سماع الشهود واستجواب المتهمين ومعاينة الأماكن، والأمر بالقبض على المتهمين وحبسهم احتياطياً. وقد أعطى قانون غسل الأموال للنائب العام سلطة الأمر بالتحفظ على الأموال أو المتحصلات أو الوسائط المشتبه بها التي استخدمت أو يراد استخدامها في ارتكاب في أية جريمة من جرائم غسل الأموال.
   وكما في الرقابة على أعمال التحري وجمع الاستدلال ، فان رقابة المحكمة الاتحادية العليا على أعمال التحقيق الابتدائي، هي كذلك رقابة غير مباشرة تتمثل في  نظر طعون النقض المرفوعة عن الأحكام الصادرة من المحاكم في جرائم غسل الأموال متى كان مبنى الطعن النعي على الحكم الأخذ بإجراء من إجراءات التحقيق شابه عيب مبطل لصحته ، أو اعتراه نقص جوهري في إجراء من إجراءات التحقيق أو أي سبب آخر .
كما يجوز لكل من له صفة أو مصلحة أن يستأنف الأوامر والقرارات الصادرة في مرحلة التحقيق سواء من القاضي أو من النيابة العامة . والحكم الصادر في الاستئناف يكون قابلاً للطعن فيه بالنقض ، أمام المحكمة الاتحادية العليا.





المبحث الثاني
دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على المحاكمة في جرائم غسل الأموال

أ‌-   الرقابة عن طريق الطعن بالنقض:
تمارس المحكمة الاتحادية العليا اختصاص نظر الطعن بالنقض في الأحكام الصادرة من محاكم الاستئناف. وبهذا الاختصاص فهي تؤدي دوراً رقابياً على صحة تطبيق القانون وتوحيد فهمه لدى القضاة جميعاً فهماً مطابقاً لما قصده المشرع.
    وفي مجال جرائم غسل الأموال، فان القانون الاتحادي رقم (4) لسنة 2002 لم يرسم إجراءات خاصة للطعن بالنقض في الأحكام الصادرة في قضايا غسل الأموال ، بل ترك إجراءات الطعن عليها للقواعد الواردة في قانوني الإجراءات المدنية والإجراءات الجزائية.
 وبموجب القانون الأخير، فان ميعاد الطعن بالنقض في الحكم الحضوري ثلاثين يوماً من تاريخ صدوره. ويجوز لكل من النيابة العامة والمحكوم عليه والمسؤول عن الحقوق المدنية والمدعى بها والمؤمن لديه، الطعن في الأحكام النهائية الصادرة من محكمة الاستئناف في جناية أو جنحه في الأحوال التالية:-
1-              اذا كان الحكم المطعون فيه مبيناً على مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله.
2-              اذا وقع بطلان في الحكم أو في الإجراءات أثر في الحكم .
3-              اذا حكمت في الادعاء المدني بما يجاوز طلب الخصم.
4-              اذا خلا الحكم المطعون فيه من الأسباب أو كانت غير كافية أو غامضة .
5-              اذا صدر حكمان متناقضان في واقعة واحدة.
  وعبر آلية الطعن وطبيعة النقض التي تقوم على أساس وضع مبادئ قانونية تسير على هديها المحاكم الأدنى، يتحقق دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على جرائم غسل الأموال.
ب- الرقابة عن طريق نظر طعون عدم دستورية قانون تجريم غسل الأموال أو التشريعات المتفرعة عنه أو المرتبطة به:
   وفقاً للمادة (99/2،3) من دستور دولة الاتحاد والمادة ( 33/2،3،4) من قانون المحكمة الاتحادية العليا، تمارس المحكمة اختصاص بحث دستورية القوانين والتشريعات الأخرى الاتحادية والمحلية، إذا ما طعن عليها من طرف الحكومة الاتحادية أو الحكومات المحلية، أو احدى هيئاتها أو مؤسساتها العامة التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية. كما يحق للمحاكم أن تحيل من تلقاء نفسها إلى الدائرة الدستورية بالمحكمة الاتحادية العليا طلباً للبحث في مدى دستورية قانون أو تشريع وهي بصدد دعوى منظورة أمامها. كما يحق لكل ذي صفة ومصلحة في دعوى قائمة أمام أية محكمة ، أن يدفع بعدم دستورية أي قانون أو تشريع في دعوى منظوره أمامها، ويطلب من المحكمة التي تنظر في دعواه أن توقف السير في الدعوى وتمنحه اجلاً لرفع طعن بعدم دستورية القانون أو التشريع المراد تطبيقه على واقعة النزاع.
   وفي مجال جرائم غسل الأموال ، فإن المحكمة الاتحادية العليا تمارس دوراً رقابياً على هذا النوع المستحدث من الجرائم عبر وسيلة الطعن بعدم الدستورية وذلك بإعلان دستورية أو عدم دستورية قانون تجريم غسل الأموال، أو بعض مواده، أو أي قانون أو تشريع آخر يكون مرتبطاً أو متصلاً به.
   ولعله من تكرار القول التذكير بأن هذه الرقابة هي رقابة غير مباشرة للمحكمة على جرائم غسل الأموال.


  ج- الرقابة عن طريق دعوى تنازع الاختصاص:
    بموجب دستور دولة الاتحاد، وقانون إنشاء المحكمة الاتحادية العليا، تختص المحكمة بنظر دعاوى تنازع الاختصاص التي قد تثور بين جهات القضاء الاتحادي بعضها البعض، أو بين القضاء الاتحادي والقضاء المحلي، أو بين جهتين قضائيتين محليتين أو أكثر . وتنظر المحكمة هذا التنازع وفق ضوابط وإجراءات محددة.
   ورغم أن قانون تجريم غسل الأموال تشريع اتحادي، إلا أن تطبيقه يتم عبر المحاكم الاتحادية والمحاكم المحلية معاً وفق قواعد الاختصاص الولائي والمكاني الناظمه للعلاقة بين القضائين. إلا أن حالة التنازع بصورتيه الايجابي والسلبي قد تثور أحيانا، فتتدعي كل جهة قضائية اختصاصها وولايتها بنظر الجريمة، أو تتخلى كل جهة قضائية عن نظرها لعدم ولايتها عليها. الأمر الذي يتطلب تدخلاً من المحكمة الاتحادية العليا للفصل في التنازع بحكم بات وملزم للكافة. وهو ما يمثل دوراً رقابياً غير مباشر للمحكمة على جرائم غسل الأموال.
   وملخص القول أن المحكمة الاتحادية العليا، لا تمارس دوراً رقابياً مباشراً على جرائم غسل الأموال، وإنما تباشر دوراً رقابياً غير مباشر من خلال مراقبتها لأحكام المحاكم الأدنى منها عبر آلية الطعن بطريق النقض، أو من خلال اختصاصها بمراقبة دستورية القوانين والتشريعات، أو عبر نظر دعوى تنازع الاختصاص القضائي بين الجهات القضائية في الدولة.

انتهت الورقة
والله الموفق








فهرس الورقة
 
 


       
مقدمة الورقة.............................................2

المبحث الأول: دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على التحقيق في جرائم غسل الأموال.......................7
أ‌- الرقابة على أعمال التحري وجميع الاستدلال......7
   ب-الرقابة على أعمال التحقيق......................9

المبحث الثاني: دور المحكمة الاتحادية العليا في الرقابة على المحاكمة في جرائم غسل الأموال......................11
أ‌-   الرقابة عن طريق الطعن بالنقض...............11
ب-الرقابة عن طريق نظر طعون عدم دستورية قانون تجريم غسل الأموال أو التشريعات المتفرعة عنه أو المرتبطة به.......................................13

ج- الرقابة عن طريق دعوى تنازع الاختصاص...15