كتب قانونية

الخميس، 28 يوليو، 2016

عقد نقل التكنولوجيا الأستاذة الدكتورة/ سميحة القليوبي

عقد نقل التكنولوجيا   الأستاذة الدكتورة/ سميحة القليوبي















عقد نقل التكنولوجيا([1][1])
الأستاذة الدكتورة/ سميحة القليوبي
تمهيد:
 عقد نقل التكنولوجيا هو بناء قانوني يشير إلي توافق إرادة أطرافه على تعهد الطرف الذي يملك أو يحوز تكنولوجيا معينة بنقلها إلي الطرف الآخر بمقابل.
 وطبقاً للقواعد القانونية فإن محل العقد، وهو التكنولوجيا، يجب أن يكون معيناً أو قابلاً للتعيين وموجوداً أو يمكن وجوده وأن يكون مشروعاً غير مخالف للنظام العام أو حسن الآداب.
 ويقصد بالتكنولوجيا، التطبيق العملي للأبحاث والنظريات العلمية، فهي وسيلة للوصول إلي أفضل التطبيقات لهذه الأبحاث العلمية حيث يوجد البحث العلمي النظري في جانب والتطبيق العملي في جانب آخر.
فإذا كان العلم وكذلك البحث العلمي يمنحنا القدرة على معرفة السمات والصفات المميزة للأشياء ومكوناتها فقط، فمن المعلوم أن التكنولوجيا تتخطي ذلك الجانب النظري وتمكننا من الوصول لهذه الأبحاث إلي أفضل تطبيق لها. وفي ضوء ذلك يمكن القول أن التكنولوجيا في أبسط تعريف لها وفي أبسط صورها هي المعرفة الفنية Know – how  Savoir faire.
 ويقصد بنقل التكنولوجيا بصفة عامة وفي أغلب الصور، نقلها من المجتمعات التي حققت فيها مجالات كبيرة في التنمية إلي المجتمعات التي في حاجة إليها لتحقيق ذات النتائج في مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية وغيرها. ويلاحظ في هذا الخصوص أن التكنولوجيا بوصفها معارف ومعلومات ناتجة من تطبيق مجتمع معين لعلوم الطبيعة للوصول إلي حلول لمشاكل محددة، وبالاعتماد على الامكانات المتاحة لدي هذا المجتمع، هي وليدة ظروف معينة الامر الذي يستلزم وبالضرورة عند نقلها إلي الدول النامية مراعاة البيئة لهذه الدول. بمعني أن يصاحب هذا النقل نشاطاً كبيراً بهدف جعل هذه التكنولوجيا متلائمة مع ظروف البيئة الجديدة.فالتكنولوجيا تكون لها قيمة عالية إذا تناسبت مع البيئة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للدول المتلقية لها. لذلك قيل بحق أن نقل التكنولوجيا يعني في جوهره تطويعها وملائمتها للمستورد لها. كما أن هذه التكنولوجيا تحتاج بطبيعتها إلي التطوير والتحسين المستمر، وبذلك فإن نقل التكنولوجيا لا يختلط في الواقع بنقل أي سلع أو أموال، بمعني أن نقل المعارف الفنية لها طبيعة خاصة نتيجة الطبيعة المتميزة للتكنولوجيا محل هذا النقل.
 ويضاف إلي ذلك أن حاجة الدول النامية للتكنولوجيا في ثوبها الحديث لم تعد قاصرة على مجرد نقل حيازة هذه التكنولوجيا حيازة مادية مع الاستعانة بالخبراء الأجانب لاستخدامها في الانتاج والتسوق، بل أصبحت هذه الحاجة مرتبطة بالضرورة على اكتساب التمكن التكنولوجي والسيطرة بالقدر الكافي الذي يحقق لهذه الدول قدرة كاملة ومستقلة على التصنيع والإنتاج المرغوب فيه.
الأستاذة الدكتورة/ سميحة القليوبي
أستاذ القانون التجاري والبحري
كلية الحقوق جامعة القاهرة
من أوراق عمل المركز 2008م
بعض صور عقود نقل التكنولوجيا:
أولاً: نقل المعرفة الفنية:
ان محل عقد نقل التكنولوجيا هو كما نعلم " المعرفة الفنية " وهو ما يطلق عليها: Know- how- Savoire Faire.
وإذا اقتصر العقد على أن يكون محله مجرد نقل هذه المعرفة الفنية، فإن العلاقات القانونية تنحصر في مجرد تنفيذ كل من الطرفين للالتزام عند التعاقد دون المراحل التالية التي تستخدم فيها المعرفة الفنية محل العقد.
هذه الصورة البسيطة من صور عقود نقل التكنولوجيا هي المنتشرة بين الدول المتقدمة بعضها البعض حيث يتمتع كل من طرفي العقد بدراية فنية وكفاية تطبيقية متقاربة إن لم تكن متعادلة.
علي أنه في معظم العقود التي تنتشر حالياً بين الدول المتقدمة والدول التي في طريقها إلي النمو لا تقتصر عقود نقل التكنولوجيا على مجرد نقل المعرفة الفنية بل تتخذ صوراً أكثر تعقيداً وتشعباً.
ثانياً: نقل المساعدة الفنية:
لذلك يطلب دائماً الطرف المتلقي للتكنولوجيا، بالإضافة إلي المعرفة الفنية المساعدة فنياً وتطبيقها من الطرف المورد. ويقصد بذلك أنه بالإضافة إلي التزام المورد بنقل المعرفة الفنية فهو ملزم بتقديم المساعدة الإيجابية وتقديم الخدمات اللازمة والضرورية للأخذ بيد المتلقي لها حتى يبدأ السير في الطريق السليم المرجو من عقد نقل التكنولوجيا.
وفي هذه الحالة نصبح أمام عقد مركب لأنه يتعين ليس فقط نقل المعرفة الفنية ولكن أيضاً نقل الخدمات والمساعدة الفنية. هذا العقد المركب قد يتمثل في:
أ - الالتزام بتوفير العمالة والمساعدة الفنية والخبراء أو الالتزام بتدريب العمالة المحلية أو تركيب الآلات ويطلق عليه عقد المساعدة الفنية technical assistance agreement. والأمثلة على هذا النوع من العقود كثيرة منها اتفاقيات براءات الاختراع patents agreement  والخدمات الهندسية   agreement engineeringومنها الخدمات الهندسية الأساسية والتفصيلية وعقود الترخيص الصناعي license agreement إلي غير ذلك من الصور.
ب - كما قد يتمثل عقد نقل التكنولوجيا في بيع مجموع صناعي متكامل يطلق عليه "عقد تسليم المفتاح" clé en main.
وهذا العقد يتمثل في تسليم مصنع متكامل من عدد وآلات وبراءات وعلامات تجارية أو صناعية بالإضافة إلي الدراسات والطرق المعدة مسبقاً وهذا العقد يطلق عليه عقد تسليم المفتاح البسيط أو الجزئي.
وهذا النموذج منتشر بين الدول المتقدمة جداً وبين الدول الأقل تقدماً بعضها البعض، كذلك بين الدول التي تنقصها التكنولوجيا ولكن تتمتع بوفرة في العمالة الفنية القادرة على الاستيعاب والتمكن التكنولوجي. أما الصورة الأخري لعقد تسليم المفتاح فهي يطلق عليها عقد تسليم المفتاح الثقيل clé en main lourd أو تسليم المفتاح الشامل، ويلزم بمقتضاه المورد ليس فقط بتسليم المصنع مع المساعدة الفنية بل أيضاً تدريب العمالة المحلية فنياً وتقديم المساعدة بتشغيل المصنع وهذا النموذج ينتشر بين الدول المتقدمة والدول التي في طريقها إلي النمو.
ج - ومن عقود نقل التكنولوجيا المركبة عقد  تسليم الإنتاج produit en  main حيث يلتزم المورد بتشغيل المصنع وقيادته فنياً وصناعياً خلال مدة متفق عليها بشرط أن تصبح العمالة المحلية على درجة من الدراية الفنية تمكنها من إستيعاب وتشغيل التكنولوجيا المركبة واستخدامها حتى الإنتاج النهائي المرجو من التكنولوجيا.
ومن الممكن أن يمتد التزام المورد ببيع الإنتاج بواسطة التكنولوجيا المنقولة ويطلق عليه عقد تسويق الإنتاج. Marché  en main.
والسبب في انتشار مثل هذه الصورة من عقود الإنتاج بواسطة التكنولوجيا في الدول النامية هو أن هذه الدول تريد قدر الاستطاعة تعويض حالة التأخر والتردي الإنتاجي والصناعي الذي هي عليه نتيجة الاستعمار بكل أشكاله وصوره والذي كان يوجه نشاط المواطنين في الدول المستعمرة إلي المجالات الإدارية اللازمة لتحقيق مصالحه فقط والتي ليس من بينها مطلقاً مجالات الإنتاج والتصنيع.
أهمية نقل التكنولوجيا:
لا شك أن موضوع نقل التكنولوجيا كان ولا يزال من الموضوعات الحاكمة في مجال التنمية بجميع أنواعها بكافة الدول بصفة عامة والدول النامية والآخذة في النمو بصفة خاصة. ومن الأسباب التي فرضت أهمية نقل التكنولوجيا من الدول المتقدمة إلي الدول النامية، الفجوة العميقة التي لا تزال قائمة في التقدم الاقتصادي والصناعي والفني بين الدول المتقدمة من جانب،والدول الأخري من جانب آخر، حيث تولدت لدي الدول النامية قناعة قوية بالدور الحاسم المنسوب للتكنولوجيا في عملية التنمية، على أساس أن اقتران نقل التكنولوجيا بمسألة التصنيع يعد علاجاً لمشكلة التخلف وعاملاً أساسياً يسمح بسد الفجوة التكنولوجية القائمة بينها وبين الدول المتقدمة.
ولعل أهم ما يتعلق بالتكنولوجيا من وجهة نظر رجل القانون، هو التنظيم القانوني لنقلها، وهذا التنظيم قد يتعلق بالتشريعات والنصوص القانونية التي يسعي المشرع إلي فرضها في هذا المجال وتلزم الأفراد بإتباعها حماية للصالح العام وإقتصاد البلاد، كما قد يتعلق بتنظيم العقود ذاتها التي يبرمها الأطراف في خصوص نقل التكنولوجيا.
والموضوع الأول، وهو التنظيم التشريعي لنقل التكنولوجيا قد تناولـه الفقه الأجنبي والمصري منذ زمن بعيد لأهميته، وقد نادي الفقه المصري بإصدار تشريع متكامل بشأنه حماية للاقتصاد المصري ومساعدة للطرف المتلقي للتكنولوجيا في التعاقد بأفضل الشروط والحصول على أعلي فائدة من تعاقده سواء من حيث الدرجة الفنية التكنولوجية محل العقد أو من حيث المقابل لها أو من حيث الالتزامات المتبادلة طوال فترة التعاقد.
وقد اختلفت أراء الفقه في هذا الخصوص بين مؤيد لإصدار تشريع لتنظيم قانوني مستقل لنقل التكنولوجيا، نظراً لما يتميز به هذا الموضوع من تطور وتغيير مستمر سواء من حيث مجالاته أو في طرق ووسائل الإفادة الفنية منه، وبين معارض لهذا التشريع المستقل، حيث ينادي هؤلاء بإدماج هذا التنظيم القانوني داخل المجموعات التجارية، وهو ما استقر عليه الرأي في مصر حيث جاء قانون التجارة المصري الصادر بالقانون رقم 17/1999 في 17/5/1999 متضمناً تنظيماً تشريعياً لعقد نقل التكنولوجيا وذلك بالفصل الأول من الباب الثاني والخاص بالالتزامات والعقود التجارية في المواد من (72 – 87 ) والذي بدأ تنفيذه اعتباراً من أول أكتوبر 1999([1][1]).
والفقه من جانبه أيضاً تناول هذا الموضوع بالدراسة والتحليل سواء من حيث صور عقود نقل التكنولوجيا أو الالتزامات المتبادلة بين أطرافه ووضع معايير لاختيار الأفضل منها لنقل التكنولوجيا للدول النامية حيث أصبحت وسيلة نقل التكنولوجيا هي الأكثر ذيوعاً وانتشاراً لانحسار عمليات الاستثمار المباشر من الدول المتقدمة داخل الدول النامية إلي حد كبير حيث سادت بعد الحرب العالمية الثانية أفكار الاستقلال والسيادة للدول التي استقلت على ثرواتها ومواردها الطبيعية وشيوع التأميمات خلال تلك الفترة.
تقسيـــم:
 سوف نتناول في دراستنا لعقد نقل التكنولوجيا تحديد نطاقه وفقاً لقانون التجارة ثم تعريف هذا العقد ومدته وأهمية مرحلة التفاوض فيه ثم نتناول دراسة مدي صحة الشروط المقيدة التي قد يتضمنها عقد نقل التكنولوجيا، وأخيراً نقوم بدراسة التزامات أطراف هذا العقد والمحكمة المختصة بنظر المنازعات بشأنه والقانون الواجب التطبيق.


(1) وضع مشروع لقانون نقل التكنولوجيا بواسطة لجنة شكلتها الهيئة العامة للاستثمار وأكاديمية البحث العلمي عام 1982 وكان لنا شرف عضوية هذه اللجنة. وتم الانتهاء منه ورأت وزارة العدل واللجنة القائمة علي إعداد مشروع قانون التجارة ضم أحكامه إلي هذا المشروع، وفعلاً أخذ قانون التجارة بمعظم ما جاء بمشروع قانون نقل التكنولوجيا.


تكوين عقد نقل التكنولوجيا
أولاً: النصوص القانونية ونطاق التطبيق:
طبقاً لحكم المادة (72/1) تجاري، تسري أحكام المواد المنظمة لعقد نقل التكنولوجيا والواردة بالفصل الأول من الباب الثاني الخاص بالالتزامات والعقود التجارية، على عقد نقل التكنولوجيا بقصد استخدامها داخل مصر سواء كان هذا النقل دولياً يقع عبر الحدود الإقليمية لمصر أو داخلياً. هذا ولا أثر لجنسية الأطراف أو محال إقامتهم سواء في النقل الدولي أو الداخلي للتكنولوجيا.
وبناء على ذلك يخضع لأحكام قانون التجارة كل عقد يكون محله نقل تكنولوجيا سواء كان هذا النقل داخل مصر أو كان نقلاً من خارج مصر إلي داخلها.هذا ولا نتفق مع الرأي القائل بأن نطاق تطبيق أحكام عقد نقل التكنولوجيا المشار إليها يقتصر على العقود التي تنفذ داخل مصر فقط([1][1])، إذ قد يتفق بين الطرفين على تصنيع وتنفيذ المواد المراد انتاجها بالتكنولوجيا محل العقد بالخارج لاستخدامها داخل مصر كما هو الشأن عند الاتفاق على تصنيع أقمار صناعية أو طائرات بتكنولوجيا متقدمة خارج مصر ولكن بقصد استخدامها داخل مصر، ففي مثل هذه الحالات يخضع هذا العقد لأحكام قانون التجارة المصري.
كما تطبق أحكام قانون التجارة المشار إليها سواء كانت عقود نقل تكنولوجيا أو كان اتفاق نقلها وارداً ضمن عقد آخر.
ثانياً: التعريف بعقد نقل التكنولوجيا:
هناك الكثير من التعريفات التي وضعها الفقه لعقد نقل التكنولوجيا([1][2]) نكتفي في هذا المجال بذكر التعريف الذي أتي به قانون التجارة رقم 17/1999 المشار إليه طبقاً لما جاء بالمادة (73) وهو:
«عقد نقل التكنولوجيا اتفاق يتعهد بمقتضاه (مورد التكنولوجيا) بأن ينقل بمقابل معلومات فنية إلي (مستورد التكنولوجيا) لاستخدامها في طرق فنية خاصة لإنتاج سلعة معينة أو تطويرها أو لتركيب أو تشغيل آلات أو أجهزة أو لتقديم خدمات. ولا يعتبر نقلاً للتكنولوجيا مجرد شراء أو بيع أو تأجير أو استئجار السلع. ولا بيع العلامات التجارية أو الأسماء التجارية أو الترخيص باستعمالها، إلا إذا ورد ذلك كجزء من عقد نقل التكنولوجيا أو كان مرتبطاً به».
ويتضح من هذا التعريف أن محل عقد نقل التكنولوجيا، يجب أن يكون نقلاً لمعلومات فنية لإنتاج سلعة معينة أو لتطويرها، أو لتقديم خدمات فنية. ويترتب على ذلك أن قصر العقد على بيع أو شراء معدات أو قطع غيار أو شراء علامة تجارية أو الحصول على ترخيص باستعمالها لا يعد نقلاً لتكنولوجيا. ولكن يمكن أن يعد كذلك إذا كان هذا الشراء أو الترخيص بالاستعمال تابعاً لعقد نقل معرفة فنية أو جزءاً من هذا العقد أو مرتبطاً به.
ثالثاً: تكوين العقد:
وفقاً للقواعد العامة فإن عقد نقل التكنولوجيا، شأنه في ذلك شأن باقي العقود، يتم بتراضي أطرافه، فهو من العقود الرضائية المؤسسة على مبدأ سلطان الإرادة. بمعني أن هذا العقد يتم وينعقد باتفاق أطرافه وتلاقي إرادتهم على شروط هذا العقد.
علي أنه إذا كانت هذه هي القاعدة العامة إلا أن بعض التشريعات تشترط شكلاً معيناً في عقد نقل التكنولوجيا كما هو الشأن بالنسبة لقانون التجارة المصري السابق الإشارة إليه حيث قرر في المادة (74/1) على أنه:
يكون عقد نقل التكنولوجيا مكتوبًا وإلا كان باطلاً.
وحكم هذا النص، اعتبار الكتابة ركناً في عقد نقل التكنولوجيا يترتب على فقدانها بطلان العقد. كما اشترط المشرع المصري في الفقرة الثانية من ذات المادة (74) أن يشتمل العقد على بيان عناصر المعرفة التي تنقل إلي مستورد التكنولوجيا وتوابعها([3]).كما أجاز المشرع أن يرد ذكر هذا البيان مصحوباًُ بدراسات الجدوي والتصميمات والرسوم الهندسية والخرائط والصور وبرامج الحاسب الآلي وغيرها من الوثائق الموضحة للمعرفة في ملاحق ترفق بالعقد وتعتبر جزءاً منه.
وقصد المشرع المصري من اشتراط كتابة عقد نقل التكنولوجيا وإلا كان باطلاً وكذلك بيان وافي للمعرفة الفنية محل العقد بكامل مستنداتها ودراستها، حماية الطرف متلقي التكنولوجيا في مواجهة مورد التكنولوجيا وتحديد التزامات الأطراف كتابة بكل دقة منعاً للخلافات التي تنتهي غالباً لصالح مورد التكنولوجيا.
رابعاً: مدة العقد:
يخضع تحديد مدة العقد بصفة عامة لحرية أطرافه. فللمتعاقدين اشتراط المدة التي يريانها مناسبة لتحقيق الهدف من التعاقد. ويعد هذا تطبيقاً للقواعد العامة القائمة على مبدأ حرية التعاقد وسلطان الإرادة.
علي أن طبيعة عقد نقل التكنولوجيا تقتضي من طرفيه تحديد هذه المدة في ضوء التطورات التي تطرأ على التكنولوجيا محل العقد ومواكبتها للتطور التكنولوجي في مجال استخدامها. إذ قد يترتب خلال فترة التعاقد انخفاض في القيمة الفنية للتكنولوجيا في مجال استخدامها، أو انعدام قيمتها كلية نتيجة ظهور تكنولوجيا جديدة في ذات المجال بأقل تكلفة وأكثر فاعلية.فتصبح عبئاً على متلقي التكنولوجيا سواء من الناحية المالية أو العائد الفني من محل العقد.
وقد راعي المشرع التجاري طبيعة هذا العقد وأهمية المدة فيه فنص في المادة (86) منه على أنه «يجوز لكل من طرفي عقد نقل التكنولوجيا بعد إنقضاء خمس سنوات من تاريخ العقد أن يطلب إنهاؤه أو إعادة النظر في شروطه بتعديلها بما يلائم الظروف الاقتصادية العامة القائمة ويجوز تكرار تقديم هذا الطلب كلما انقضت خمس سنوات ما لم يتفق على مدة أخرى».
ومفهوم النص المشار إليه، أنه يحق لأي من طرفي عقد نقل التكنولوجيا، إذا زادت مدته على خمس سنوات أن يطلب بعد مضي خمس سنوات إما إنهاء العقد أو إعادة النظر في شروطه بتعديلها بما يتناسب والظروف القائمة وقت طلب هذا التعديل. وهذا الحق لكل من مورد التكنولوجيا أو متلقيها. على أن هذا الحق لا يمنع الطرف الآخر من رفض إعادة النظر في شروط التعاقد أو إنهائه رغماً عنه، حيث لا يتضح من صياغة نص المادة (86) أنه نص آمر.بمعني أن تقرير حق أي من المتعاقدين في طلب إعادة النظر في شروط التعاقد أو طلب إنهاء التعاقد ليس من النظام العام وإنما يمثل قاعدة مقررة عند عدم الاتفاق على خلافها، بل إنه لا يضع جزاء أو التزاماً للطرف الرافض لإنهاء العقد أو تغيير شروط التعاقد رغم وجود ظروف تستدعي ذلك.
على أن هذا لا يمنع الطرف المتضرر من الالتجاء إلى القضاء فى ضوء نص المادة (86) سالفة الذكر.
وإذا كانت مدة العقد طويلة نوعاً ما، فإن الحق في طلب إعادة النظر في شروطه أو إنهائه يمكن أن تتكرر كل خمس سنوات ما لم يتفق على مدة أخري، بمعني أنه يجوز الاتفاق على مدة أكثر من خمسسنوات لطلب إعادة النظر في شروط التعاقد أو إنهائه كما يجوز الاتفاق على مدة أقل.
ويبدو أن المشرع أراد من النص المشار إليه تنبيه المتعاقد المتلقي للتكنولوجيا إلي ضرورة مراعاة مدة العقد وألا تكون هذه المدة طويلة واشتراط مراجعة شروط التعاقد بعد مضي مدة معينة في ضوء التغيرات المتلاحقة لتقدم التكنولوجيا المماثلة أو البديلة حرصاً على مصالح المتلقي الاقتصادية.
خامساً: مرحلة التفاوض في عقد نقل التكنولوجيا:
قبل إبرام عقد نقل التكنولوجيا في أي صورة من صوره هناك مرحلة تمر بين الأطراف الراغبة في التعاقد قبل إبرام العقد هي مرحلة التفاوض بينهما، هذه المرحلة تعد في مجال عقود نقل التكنولوجيا من أهم المراحل التي يمر بها هذا العقد.هذه المرحلة يحاول الفقه من خلالها دراسة المراكز القانونية للأطراف المتفاوضة والالتزام بالسرية للمعلومات الفنية محل التعاقد. وسوف نشير إلي المقصود بالتفاوض والتزامات الطرفين خلال مرحة التفاوض.
سادساً: المقصود بالتفاوض في عقد نقل التكنولوجيا:
يتميز عقد نقل التكنولوجيا بتمتعه بسمات وخصائص تميزه عن غيره من العقود بصفة عامة، فهو من العقود التي تبرم بناء على قررات ودراسات متعاقبة بين أطرافه تأخذ عادة مدداً ليست بالقصيرة، وتظل تدريجياً بين الأطراف إلي أن تصل في النهاية إلي اتفاق نهائي يتسم بمحاولة التوفيق بين الرغبات المتعارضة والمتبادلة بين أطرافه. أي أن عقد نقل التكنولوجيا يحتاج في تكوينه عادة إلي مرحلة زمنية تفصل بين الإيجاب الصادر من طالب التكنولوجيا ومتلقيها وقبول الطرف الآخر مانح التكنولوجيا، هذه الفترة الزمنية يتم خلالها عدة لقاءات بين الطرفين يبدي كل طرف خلالها آرائه وأهداف تعاقده وأسباب اختياره لهذه التكنولوجيا دون غيرها.
ويطلق على هذه الفترة فيما بين تلقي العروض والموافقة عليها مرحلة التفاوض، التي توصل إليها في سبيل اختياره التكنولوجيا محل العقد وتفضيلها عن مثيلاتها، ويتبادل الأطراف المناقشة حول كل ما يتصل بالعقد مثل المقابل وكيفية سداده ودرجة وكفاءة التكنولوجيا وسند الملكية.
والمفاوضات لا تخضع كقاعدة عامة لشكل معين أو قالب قانوني محدد، فقد تتم شفاهه أو بطريق المراسلات أو تبادل الرسومات التوضيحية المؤيدة بلقاءات وإجتماعات مستمرة بين الطرفين ومتابعة نتائج مراحل المفاوضات وتحديد  المرفوض والمقبول منها تباعاً.
وهذه المفاوضات لا شك بعد إقرارها بصفة نهائية وصياغتها كتمهيد للعقد تعد اما جزءاً لا يتجزأ من بنوده إذا ما رغب أطرافه ذلك وإما هادياً لهم عند الاختلاف في تفسيره أو تنفيذه حيث تمثل المفاوضات في الواقع أهمية قانونية كبيرة لإيضاح غايات وأهداف التعاقد والأسباب الدافعة لإبرامه.
ويراعي أن هناك مرحلة يمر بها الطرف الراغب في التعاقد على نوع من أنواع المعرفة الفنية، سابقة على مرحلة التفاوض، يطلق عليها الاختيارات التكنولوجية، وهي تمثل الجهد والبحث الذي قام به في سبيل اختيار التكنولوجيا الملائمة واستقراره على نوع معين ومحدد وبأوصاف خاصة ومن مصانع أو إنتاج الطرف الآخر الذي يرغب في التعاقد معه كسابقة خبراته في هذا المجال. بمعني أن مرحلة التفاوض تأتي لاحقة لمرحلة الاختيار والتي يقوم بها الطالب وحده في سوق التكنولوجيا ليحدد النوع الذي يأمل التعاقد عليه والذي استقر عليه بناء على دراساته الاقتصادية والفنية ودراسات الجدوي التي قام بها الخبراء التابعين له.
والمفاوضات المبدئية بين الأطراف الراغبة في التعاقد على نوع من أنواع التكنولوجيا تعني عرضاً من الراغب في التعاقد لما يريد الاتفاق عليه وعناصر هذا العرض والأهداف المراد تحقيقها من هذا التعاقد وكذلك عرضاً لمعلوماته التي قام بتجميعها في شأن مزايا التكنولوجيا محل العقد والأنواع المثيلة لها والمقارنات التي توصل إليها في سبيل اختياره التكنولوجيا محل العقد عن مثيلاتها. ويتبادل الأطراف المناقشة حول كل ما يتصل بالعقد مثل المقابل وكيفية سداده ودرجة كفاءة التكنولوجيا وسند الملكية.
ويجب أن يراعي عند التفاوض أن يتم عرض الرغبات ومزايا التكنولوجيا محل العقد وشروط الأطراف وفقاً لمبدأ حسن النية. بمعني أن تتم المفاوضات بأمانة وجدية. فالالتجاء إلي الطرق الملتوية في عرض مزايا وعوائد التكنولوجيا محل التعاقد على خلاف الحقيقة قد يؤدي إلي أسوأ نتائج خلال تنفيذ العقد وقد يؤدي إلي تفويت الأهداف الباعثة والدافعة لتعاقد طالب التكنولوجيا.

(1) في هذا الخصوص د.هاني سري الدين نقل التكنولوجيـا طبعة 2001 دار النهضة العربية.
(1) في هذا الخصوص بحثنا بعنوان: تقييم شروط الاتفاق والالتزام بالضمان في عقود نقل التكنولوجيا والمراجع المشار إليها به.مجلة مصر المعاصرة – السنة السابعة والسبعون – العدد 406 أكتوبر 1986.
(1) د. محسن شفيق – نقل التكنولوجيا من الناحية القانونية – مطبعة جامعة القاهرة والكتاب الجامعى 1984.


الشروط المقيدة بعقد نقل التكنولوجيا

تمهيـــــد:
 يلجأ مورد التكنولوجيا عادة إلي فرض شروط يضمنها العقد، تقيد من حرية الطرف المتلقي في استعمال واستقلال التكنولوجيا استعمالاً لا يحقق الغايات الاقتصادية التي يهدفهما من إبرامه العقد. وانتشر استخدام الشروط المقيدة بصفة خاصة في عقود نقل التكنولوجيا بين الدول المتقدمة والدول النامية نظراً لضعف المركز التفاوضي للدول الأخيرة لاحتياجها إلي التكنولوجيا لمحاولة تقليل الفجوة الهائلة في النواحي الفنية والاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة.
ومن الأمثلة على الشروط التعسفية أو المقيدة تلك التي يفرضها الطرف المورد على المتلقي عند التعاقد بمنع المتلقي من إجراء الأبحاث والتحسينات على التكنولوجيا محل العقد أو الشروط التي تلزم المتلقي بإعلام المورد بكافة التحسينات ومنحه إياها دون مقابل. كذلك الشروط التي تجبر المتلقي على التنازل دون مقابل إلي المورد عن براءات الإختراع أو العلامات التجارية أو الإبتكارات والتحسينات التي يقوم بها المتلقي أو يحصل عليها خلال فترة التعاقد.
وهناك شروط أقوي يفرضها المورد مثل منع المتلقي من تطوير التكنولوجيا لتتلائم مع ظروفه واحتياجاته، كذلك حرمانه من بحث صلاحية حقوق الملكية الصناعية إذا كانت عنصراً من عناصر التكنولوجيا محل العقد وهي الحقوق التي ترد على براءات الإختراع والتصميمات والنماذج الصناعية والعلامات والأسماء التجارية. فطبيعة هذه الحقوق أنها تزول بعد مدة من احتكارها أو عند الحكم ببطلانها، حيث تسقط في الدومين العام ويحق الاستفادة منها بدون مقابل. كذلك يمثل قيداً على حرية المتلقي إبرام العقد لمدد طويلة رغم ما في ذلك من الإضرار بمصالح المتلقي إذا ما ظهرت تكنولوجيا جديدة أقل تكلفة وأكثر أهمية. كذلك شروط تقييد كمية الإنتاج الناشئ عن التكنولوجيا محل العقد أو حجمه أو تحديد أسعاره أو منع تصديره.
وقد راعي المشرع التجاري مصلحة مستورد التكنولوجيا فأجاز بالمادة (75) إبطال مثل هذه الشروط ما لم تكن قد وردت بعقد نقل التكنولوجيا بقصد حماية مستهلكي المنتج أو رعاية مصلحة جدية ومشروعة لمورد التكنولوجيا، كما إذا اشترط المورد إظهار علامته التجارية عند الإعلان والدعاية عن المنتج كنوع من بث الثقة التي يتمتع بها المورد من شهرة وضمان للمنتجات التي تحمل علامته. أو اشتراطه عدم التصدير للمنتجات المصنعة بواسطة التكنولوجيا محل العقد إلي منطقة محددة لسبق منحه قصر التوزيع فيها بعقود لوكلاء بهذه المناطق.
وأشارت إلي جواز إبطال الشروط المقيدة بعقد نقل التكنولوجيا المادة (75) تجاري بقولها «يجوز إبطال كل شرط يرد في عقد نقل التكنولوجيا ويكون من شأنه تقييد حرية المستورد في استخدامها أو تطويرها أو تعريف الإنتاج أو الإعلان عنه. وينطبق ذلك بوجه الخصوص على الشروط التي يكون موضوعها إلزام المستورد بأمر مما يأتي.....».
 وسوف نشير إلي هذه القيود تباعاً.
إلزام المتلقي قبول التحسينات التي يدخلها المورد على التكنولوجيا وآداء قيمتها:
أ- وهذا الشرط معناه إجبار المتلقي بدفع مقابل كل تحسين يصل إليه المورد على التكنولوجيا محل العقد.
والواقع أن المتلقي قد لا تكون له مصلحة في ذلك إذا كان التحسين مجرد إضافة متواضعة ويغالي المورد في قيمتها، ولذلك ترك القرار للمتلقي دون إجبار في تقدير مصلحته. كما قد يكون شراء التحسين يمثل مصلحة مشروعة لطرفي العقد كما إذا كان في ذلك العمل على تشجيع المورد في الاستمرار في الأبحاث والوصول بالتكنولوجيا إلي أرقي استغلال لها.
ب  حظر تعديل التكنولوجيا لملائمة الظروف المحلية:
أشارت الفقرة (ب) من المادة (75) إلي حظر المورد على المتلقي إدخال تحسينات أو تعديلات على التكنولوجيا لتلائم الظروف المحلية أو ظروف منشأة المتلقي، وكذلك حظر الحصول على تكنولوجيا أخري مماثلة أو منافسة للتكنولوجيا محل العقد.
وهذا الشرط يمثل في الواقع أشد أنواع الشروط المقيدة، حيث يضيع الهدف من التعاقد على المتلقي الذي يرغب في استخدام التكنولوجيا بما يتلائم والظروف البيئية والاقتصادية لبلده. كما أن في حرمان المتلقي من شراء تكنولوجيا منافسة يمثل إضراراً بالمتلقي إذ قد يجد في ذلك تنويعاً لمصادر التكنولوجيا محل العقد. على أن ذلك الشرط قد يمثل مصلحة مشروعة للمورد كما إذا كان المتلقي اشترط على المورد عدم إعطاء التكنولوجيا محل العقد إلي آخر وقصر منحها عليه وحده، فيجد المورد أن مصلحته في هذه الحالة وهي مصلحة مشروعة في اشتراط عدم حصول المتلقي على تكنولوجيا منافسة.
ج - إلزام المتلقي بوضع علامات تجارية معينة:
أجازت الفقرة (ج) من ذات المادة (75) إبطال شرط إلزام المتلقي استعماله لعلامات تجارية معينة لتمييز السلع التي استخدمت التكنولوجيا في إنتاجها. وهذا الشرط قد يمثل مصلحة مشروعة للمورد كما إذا كان ضامناً إنتاج السلعة في جميع حالات وظروف إنتاجها أو يكون المورد مبرماً لعقد تعهد فيه لأصحاب هذه العلامات بوضعها على جميع منتجاتهم أو سلعهم.
د - إلزام المتلقي بإنتاج قدر معين أو بأسعار محددة أو المنع من التصدير:
أجاز المشرع أيضاً لمتلقي التكنولوجيا إبطال اشتراط المورد إلزام المتلقي بإنتاج حجم معين أو البيع بأسعار معينة أو طرق توزيع محددة أو منعه من التصدير.
وهذه الشروط تحقق غالباً جملة أضرار للمتلقي الذي قد يري أن مصلحته في قصر إنتاجه إلي حد معين أو زيادته لتصديره أو تحديد أسعار منخفضة تتناسب والمستوي الاقتصادي للمتعاملين مع السلع المنتجة بواسطة التكنولوجيا محل العقد. ولذلك أجاز له المشرع طلب إبطال مثل هذه الشروط. وللقاضي كامل ومطلق التقدير في مدي تحقيق مثل هذه الشروط لمصلحة مشروعة للمورد من عدمه أو لمصلحة مستهلكي المنتج طبقاً لحكم الفقرة الثانية من المادة (75).
ومن الأمثلة على المصلحة المشروعة للمورد اشتراطه عدم التصدير للمنتجات إلي مناطق سبق له منح امتياز قصر توزيعها لمتعاقدين معه، إذ يترتب على تصدير المتلقي لهذه المنتجات بتلك المناطق مسئولية المورد في مواجهة أصحاب امتياز القصر عليهم.
كما قد يكون اشتراط ثمن محدد للمنتجات المصنعة بواسطة التكنولوجيا محل العقد ممثلاً لمصلحة المستهلكين ومنع المتلقي من رفع الأسعار وفق هواه.
 ﻫ - إلزام المتلقي بإشراك المورد في إدارة مشروعه:
من أمثلة الشروط المقيدة أيضاً ما أشارت إليه الفقرة (هـ) من المادة (75) من اشتراط اشتراك المورد في إدارة منشأة المتلقي أو تدخله في اختيار العاملين الدائمين بها.
والملاحظ على هذا النص أنه لا يمنع اشتراط المورد على المتلقي الاستعانة بخبراء أجانب بصفة عرضية غير دائمة إذ قد يحتاج تشغيل التكنولوجيا محل التعاقد إلي خبراء أو عاملين من قبل المورد لضمان حسن التشغيل والإشراف المستمر من وقت لآخر خلال مدة العقد.
بل إن المشرع أجاز اشتراط تدخل المورد في إدارة المنشأة أو اشتراط عاملين دائمين من اختياره إذا كان ذلك يحقق مصلحة مشروعة له أو للمستهلكين، كما إذا كان التعاقد على تكنولوجيا جديدة معقدة تحتاج خلال فترة العقد إلي الاستعانة بخبراء يضمن المورد حسن الإنتاج من خلال اشتراكه في الإدارة أو تعيين عاملين من قبله.
و - إلزام المتلقى بشراء قطع الغيار من المورد:
كذلك أجاز المشرع للمتلقي إبطال شرط إلزامه بشراء المواد الخام أو المعدات أو الآلات  أو الأجهزة أو قطع الغيار لتشغيل التكنولوجيا من المورد وحده أو من المنشآت التي يعينها دون غيرها. ويعد ذلك منطقياً من المشرع إذ قد يجد المتلقي هذه الأدوات والأجهزة بأسعار أفضل مما يحدده المورد خاصة وأن الملاحظ في عقود التكنولوجيا المتطورة تخفيض المورد لثمنها بالمقارنة لغيرها من التكنولوجيا المنافسة، ثم يقوم بتعويض ذلك باشتراط شراء المواد الأولية أو قطع الغيار منه وحده.
والواقع أن تقدير مدي بطلان هذه الشروط يتوقف على كل عقد على حده حيث قد يكون المورد هو المحتكر الوحيد لمكونات التكنولوجيا محل العقد وأن من مصلحة المستهلكين ذلك لضمان حسن استعمال المنتجات استعمالاً آمناً لسلامتهم خلال فترة هذا الاستعمال.
ز- إلزام المتلقي بالبيع لأشخاص محددين:
 وأشارت أخيراً الفقرة (ز) من المادة (75) إلي جواز تمسك المتلقي ببطلان شرط قصر البيع للمنتجات المصنعة بواسطة التكنولوجيا محل العقد أو التوكيل في بيعها أو توزيعها على الأشخاص الذين يعينهم المورد أو البيع له وحده.
 وهذا الشرط كسابقيه قد يمثل مصلحة مشروعة للمورد كما إذا كان من يحددهم للتوزيع أو التوكيل في البيع يتمتعون بسمعة وسابقة أعمال في مجال التكنولوجيا أو لديهم منشآت مجهزة لتصليحها أو متابعة الاستخدام الآمن لهذه المنتجات لصالح الجمهور.
 هذا ويلاحظ أن ما سبق ذكره من شروط إنما يمثل أغلب الشروط التي درج المورد على اشتراطها في عقود نقل التكنولوجيا، بل إنها قد تكون مطبوعة على نماذج عقوده. على أن ذلك لا يمنع إمكان طلب المتلقي لإبطال شروط أخري قد يري فيها تقيداً لحريته، ويخضع ذلك لتقدير القاضي كما سبق القول.

الالتزامات المشتركة بين مورد التكنولوجيا ومتلقيها

تمهيــــــد:                
 يلقي عقد نقل التكنولوجيا على عاتق طرفيه التزامات مشتركة، وأول هذه الالتزامات هي أن كل منهما ملزم خلال كافة مراحل التعاقد بمراعاة العوامل والأهداف الاقتصادية والاجتماعية لبلديهما. كما يلزم كل منهما بمراعاة مبدأ حسن النية والإخلاص وحسن شرف التعامل. هذه المبادئ الواجب مراعاتها منذ بداية التعاقد حتى تنفيذ العقد نهائياً إنما يمثل ظاهرة مؤسسة على فلسفة أصولية هي الالتزام بمبادئ الشرف التجاري، وهذا الالتزام له أهمية قصوي عند الاختلاف في تفسير بنود التعاقد حيث يجب اتباع مبدأ الثقة والشرف وحسن النية في المعاملات التجارية في كل مرحلة من مراحل التعاقد يراد فيها تفسير بنود العقد. ومن منطلق الالتزام بمبدأ حسن النية يقع على كل طرف الالتزام بالإفصاح والتبصير والالتزام بحفظ السرية  وهو ما سنشير إليه تباعاً.
الالتزام بالافصاح والتبصير:
 تطبيقاً لمبدأ حسن النية يلتزم الاطراف المتعاقدة بالافصاح عن كل ما من شأنه إيضاح طبيعة التكنولوجيا محل التعاقد وبصفة خاصة إلتزام مورد التكنولوجيا بذكر الأخطار المتعلقة بالبيئة أو الصحة أو سلامة الأرواح، كما عليه إخطار الطرف الآخر بوسائل تفادي ذلك. ويلزم أيضاً مالك التكنولوجيا أو حائزها أن يشير بأمانة إلي المنازعات القضائية بشأن التكنولوجيا محل التعاقد إن وجدت وأية أحكام يطلبها قانون دولته عند التصدير.
 وأهمية إظهار هذه المعلومات تبدو في الواقع عند التفاوض حيث أنها تطلع الطرف طالب التكنولوجيا على كافة أخطارها ومدي إمكانياته الفنية لتفادي هذه المخاطر فيقدم على التعاقد من عدمه. كما تبدو أهميتها عند التعاقد أيضاً، وهذا الالتزام يطلق عليه الإلتزام بالإفصاح والشفافية أو الالتزام بالتبصير.
 وتحرص التشريعات المنظمة لنقل التكنولوجيا على النص صراحة على الالتزام بالإفصاح والتبصير أثناء مرحلة المفاوضات حتى تكون الأطراف على بينة من حقيقة وطبيعة التكنولوجيا محل العقد. وقد نص قانون التجارة المصري رقم 17/1999 المشار إليه على هذا الالتزام في مواجهة الطرف المورد للتكنولوجيا. وسوف نشير إلي الالتزام بالتبصير في حق كل من المورد والمتلقي.
صور الضمانات لحفظ السرية:
أ - التعهد الكتابي المسبق ([1][1]):
وهو تعهد من جانب واحد يصدر من الطرف طالب التكنولوجيا، يتعهد فيه للطرف الآخر مالك التكنولوجيا أو حائزها بالحفاظ على الأسرار من المعلومات الفنية التي يكشف عنها أثناء مرحلة التفاوض، كما إذا كانت المعلومات تخص تصميم الآلة أو الجهاز المراد تشغيله أو طريقة استعماله أو تركيبه أو غير ذلك من الأسرار التي ترتبط بالمعرفة الفنية محل التعاقد. وإذا ما استعان طالب التكنولوجيا بأحد المكاتب الاستثمارية أو غيره فإنه بتعهده يصبح ضامناً Garant لمن يستعين بهم.
ويشمل التعهد الكتابي التزام الطرف طالب التكنولوجيا بعدم استخدامه لأي من المعلومات التي توصل إليها نتيجة المفاوضات سواء بطريق مباشر أو غير مباشر. بمعني أن هذا التعهد يمثل حماية للطرف المالك أو الحائز للتكنولوجيا واطمئنانه إلي عدم استخدام الطرف الآخر لأي من المعلومات الفنية سواء بنفسه أو بواسطة الغير.
والواقع ان هذا التعهد يمثل اختباراً موجهاً إلي طالب التكنولوجيا، بمعني أن هذا الأخير يكون بالخيار بين أمرين، إما أن يحرر هذا التعهد فتبدأ المفاوضات وتستمر في جو من الاطمئنان، وإما ألا يوقع فلا تبدأ مراحل المفاوضات المتعاقبة وتنتهي كلية.
وهذا التعهد الكتابي بالحفاظ على السرية يلعب في الواقع دوراً هاماً في مرحلة المفاوضات حيث يبث الثقة والاطمئنان في نفوس المتفاوضين ويؤكد مبدأ حسن النية الواجب اتباعه.
كما يترتب عليه وصول أطراف التفاوض إلي غايتهم، حيث يستطيع طالب التكنولوجيا الوقوف على الفائدة الحقيقية، دون مبالغات، للمعرفة الفنية محل التعاقد كما يمكنه الاستعانة بمن يشاء من الخبراء دون أية حساسية في هذا الخصوص.
والأثر القانوني لهذا التعهد يكون دائماً في صالح الطرف مانح التكنولوجيا، حيث يلتزم الطرف المتعهد باحترام تعهده وإلا تعرض للمساءلة وتعويض كامل الأضرار التي تصيب الطرف الآخر من جراء إفشاء سرية المعلومات التي تعهد بحفظها.
وحرص المشرع المصري النص صراحة على إلزام الأطراف بالحفاظ على عنصر السرية للتكنولوجيا محل التعاقد في جميع المراحل التي يمر بها العقد وخلال فترة المفاوضات.
حيث تضمن قانون التجارة المشار إليه نصاً صريحاً في هذا الخصوص يلزم المتلقي للتكنولوجيا بالحفاظ على سرية المعلومات محل التعاقد سواء خلال فترة التفاوض أو غيرها.
وفي ذلك تنص المادة (83) على أنه:
«يلتزم المستورد بالمحافظة على سرية التكنولوجيا التي يحصل عليها وعلي سرية التحسينات التي تدخل عليها، ويسأل عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن إفشاء هذه السرية سواء وقع ذلك في مرحلة التفاوض على إبرام العقد أو بعد ذلك».
ومعني ذلك أن التزام المستورد بالحفاظ على السرية أثناء مرحلة المفاوضات أصبح التزاماً بنص القانون سواء تم الاتفاق على ذلك أم لم يتم بين الأطراف المتفاوضة. وبذلك يتضح أن مخالفة هذا الالتزام القانوني من جانب المتلقي للتكنولوجيا يجعله مسئولاً في مواجهة الطرف المورد لها عن كامل التعويضات التي تستحق لـه نتيجة ما أصابه من أضرار بسبب هذه المخالفة في سرية المعلومات.
ومن جانب آخر ألزم المشرع المصري مورد التكنولوجيا بالحفاظ على سرية التحسينات التي يدخلها المتلقي وينقلها إليه بموجب شرط في العقد. ويسأل المورد عن تعويض الضرر الذي ينشأ عن إفشاء هذه السرية (المادة 83/2).
وهكذا يتضح موقف التشريع المصري في شأن الحفاظ على سرية المعلومات التكنولوجية التي يكشف عنها بين الطرفين سواء خلال مرحلة التفاوض أو ما بعد ذلك.
ب - التعهد الأدبي:
قد يقتصر الطرف طالب التكنولوجيا على مجرد التعهد للطرف الآخر بحفظ سرية المعلومات التي يحصل عليها أثناء المفاوضات وعدم استعمالها سواء بطريق مباشر أو غير مباشر عند فشل المفاوضات. واساس هذا التعهد هو الثقة المتبادلة بين طرفي المفاوضات، وقد يكون مصدر هذه الثقة سابقة التعامل بينهما أو سمعة الطرف المفاوض في السوق العالمية.
ولا شك أن الاثر القانوني لهذا التعهد الأدبي متواضع للغاية، إلا أن مخالفته من جانب طالب التكنولوجيا يجعله في مركز سيئ وسمعة غير مرغوب فيها في السوق العالمية قد تحرمه من التعاقد مستقبلاً ليس فقط مع الطرف الآخر بل مع شركات اخري الأمر الذي يرتب آثاراً بالغه الخطورة إذا ما احتاج هذا الطرف إلي الاستعانة بتكنولوجيا أخري.
ج - دفع مبلغ من المال:
قد يشترط الطرف مالك التكنولوجيا أو حائزها للدخول في المفاوضات، إيداع مبلغ معين من المال لحسابه لضمان احترام السرية من قبل طالب التكنولوجيا.
كما قد يشترط بدلاً من ذلك تقديم خطاب ضمان أو شيك مقبول الدفع وفقاً لما يراه أطراف المفاوضات مناسباً لذلك، يكون ضماناً لمالك التكنولوجيا في حالة مخالفة حفظ السرية من الطرف الآخر.
وهذه الوسيلة من وسائل الضمان تتبع عند التعامل لأول مرة بين طرفي المفاوضات حيث يحرص مانح التكنولوجيا على مصالحه في عدم تسرب سرية معلوماته الفنية دون مقابل.
ومصير هذه المبالغ هي إما أن تخصم من المقابل الذي سيتم الاتفاق عليه عند إتمام المفاوضات وإبرام العقد، وإما حصول الطرف مورد التكنولوجيا عليه في حالة عدم احترام الالتزام بحفظ السرية بعد إنهاء المفاوضات. وهذا المبلغ ليس نظير إطلاع الطرف الآخر على المعلومات الفنية أثناء فترة المفاوضات وإنما يظل ضماناً لعدم إفشاء السرية. فإذا تم هذا الافشاء من الطرف طالب التكنولوجيا أو أحد أتباعه الذين استعان بهم خلال فترة التفاوض ولم يتم إبرام العقد، استحق المبلغ للطرف الآخر.
ولتحديد مسئولية الطرف طالب التكنولوجيا في هذا الخصوص يراعي ما إذا وجد اتفاق كتابي مسبق Engagement ecrit فتتحقق المسئولية العقدية عند مخالفة هذا الالتزام بالسرية بالإضافة إلي الجزاءات التي قد يتضمنها القانون الواجب التطبيق. أما في حالة عدم وجود تعهد كتابي مسبق فتنحصر المسئولية وفقاً للقواعد العامة في المسئولية التقصيرية.كما يتعرض المخالف للجزاء الجنائي وفقاً للقواعد العامة في المسئولية الجنائية.
هذا وقد يتفق بين أطراف المفاوضات على ما يخالف هذه الاحكام في شأن مصير الضمانات المالية ومدة الضمان. ونفضل في هذه الحالات تحديد رد مبالغ الضمان تفصيلاً باتفاق الطرفين في حالة فشل المفاوضات.


(1) Engagement ecrite prealable


التزامات مورد التكنولوجيا

1- الالتزام بتقديم المعلومات اللازمة لاستيعاب التكنولوجيا:
لا يكفي أن يقوم المورد بتقديم محل عقد نقل التكنولوجيا إلي المتلقي لها، بل يلتزم بتسليمها إليه بما يتفق وطبيعتها، ويتمثل ذلك في شرح وإيضاح طرق استخدام التكنولوجيا وطرق تشغيلها والحفاظ عليها لتحقيق الهدف والفائدة المرجوة من التعاقد.
ولتحقيق ذلك يقع على عاتق المورد الالتزام بعدم حجب أي معلومات ضرورية للإنتاج الأمثل. وقد أشارت إلي هذا الالتزام المادة (77/1) بقولها:
«1- يلتزم المورد بأن يقدم للمستورد المعلومات والبيانات وغيرها من الوثائق الفنية اللازمة لاستيعاب التكنولوجيا، وكذلك ما يطلبه المستورد من الخدمات الفنية اللازمة لتشغيل التكنولوجيا وعلي وجه الخصوص الخبرة والتدريب».

2- الالتزام بإعلام المستورد بالتحسينات عند طلبها:
يلتزم المورد طبقاً لحكم المادة (77/2) تجاري بأن يعلم المتلقي بالتحسينات التي يدخلها على التكنولوجيا محل العقد وذلك طوال مدة العقد وأن ينقلها إليه، وذلك إذا طلبها المتلقي أو كان متفقاً على ذلك خلال العقد.
ومفهوم هذا الالتزام أن المورد رغم عدم الاتفاق على إعلام المتلقي بالتحسينات التي يتوصل إليها خلال فترة سريان العقد، يلتزم بذلك عند طلب المتلقي منه ذلك، ولو لم يكن متفقاً على ذلك بالعقد. ويستمد المتلقي حقه في الزام المورد من نص القانون.
 ونفضل في مثل هذه العقود أن يشترط المتلقي صراحة في العقد الحصول على التحسينات عند طلبها، حتى يقرر شرائها والحصول عليها وفق احتياجاته وزيادة فاعلية التكنولوجيا محل التحسين. كما قد يتيح العلم بهذه التحسينات إجراء المتلقي دراسات في شأنها بما يؤهله للمواكبة العلمية والبحثية في مجال التكنولوجيا محل العقد لأفضل ما يسير عليه التقدم في مجالها. وهذا الالتزام بالإعلام بالتحسينات يلتزم به المورد عند طلبه طوال فترة سريان العقد.
3- الالتزام بتقديم قطع الغيار عند طلبها:
 وضع المشرع التجاري بالمادة (78) التزاماً على المورد، بأن يقوم، طوال مدة سريان العقد، بتقديم قطع الغيار التي ينتجها وتحتاجها الآلات أو الأجهزة التي تستعمل في تجهيز وتشغيل منشآت المتلقي وذلك في حالة طلبها أو الاتفاق على ذلك بعقد نقل التكنولوجيا.
 وبناء على ذلك لا يلتزم المورد بتقديم قطع الغيار المشار إليها في حالة عدم طلبها من المتلقي، ولكن يلزم بناء على نص القانون بذلك عند طلبها من المتلقي ولو لم يكن متفقاً على ذلك بالعقد.
 وقصد المشرع من هذا الالتزام، مراعاة أن يكون استخدام التكنولوجيا محل العقد، استخداماً جيداً طوال فترة سريان العقد، حيث قد تكون قطع الغيار المشار إليها هي الوحيدة أو الأفضل استخداماً لإنتاج التكنولوجيا محل العقد.
 وإذا كان المورد لا ينتج قطع الغيار التي يستلزمها استخدام التكنولوجيا في منشأته أو مصانعه، التزم بنص القانون بإعلام المتلقي بمصادر الحصول عليها عند طلبها ولو لم يكن متفقاً على ذلك بالعقد. ويظل هذا الالتزام طوال فترة سريان العقد. وهذا الالتزام قصد به استمرار تحقيق الفائدة المرجوة من عقد نقل التكنولوجيا حيث يحقق هذا العلم شراء قطع الغيار الأصلية من المختصين لضمان حسن التشغيل والإنتاج بواسطة التكنولوجيا محل العقد.
4- التزام المورد بضمان التكنولوجيا محل العقد هو التزام بتحقيق نتيجة:
تنحصر التزامات المورد للتكنولوجيا بالضمان في معظم صور العقود السابق الإشارة إليها فيما يلي:
 أ - ضمان أن يكون المنتج يتفق تماماً مع المواصفات المتعلقة وفقاً لشروط العقد بواسطة التكنولوجيا محل العقد.
 ب- ضمان أن المنتج يتفق تماماً في استخداماته مع الاستخدامات الموضحة بالعقد.
 ج - ضمان أن استغلال التكنولوجيا يؤدي إلي تحقيق النتيجة المحددة بالعقد.
  وبالإضافة إلي ما سبق فإن مورد التكنولوجيا يضمن في عقود تسليم المفتاح وتسليم الإنتاج بصفة خاصة المعرفة الفنية الكاملة للعمالة المحلية وأن هذه العمالة استوعبت فعلاً التكنولوجيا المنقولة حتى تقوم بالاستخدام الصحيح لها فنياً وصناعياً.
 ﻫ - أن يضمن مورد التكنولوجيا تسليم المجموع الصناعي محل العقد، كما في حالة عقود تسليم المفتاح وتسليم الإنتاج وتسويقه، وهي في حالة تشغيل حقيقي ومستمر.
 وتفترض طبيعة هذه العقود أن يظل مورد التكنولوجيا بموقع النشاط حتى تصير العمالة المحلية على دراية وكفاءة كاملة بتشغيل المجموع الصناعي خلال فترة التجربة العادية، هذه الفترة يحددها العرف. وبصفة عامة ونتيجة استقراء بعض العقود في هذا الخصوص، فإن الطرف المورد يشترط ألا تزيد هذه الفترة من التشغيل الفعلي بواسطته المجموع الصناعي عن 12 ساعة تشغيل.
   ويطلق على هذا الالتزام إلتزام المورد بإيضاح طرق التشغيل والاستخدام كما يطلق عليه الالتزام بنقل المهارة الفنية l'habilité technique .
 ونرى أن مدة التجربة والتشغيل للمجموع الصناعي محل العقد ووفق ما يجري عليه العرف الدولي حالياً لا تمثل ضماناً كافياً للطرف المتلقي. ويجب أن تمتد هذه الفترة مدة أطول بكثير. فالقصد من عقود نقل التكنولوجيا التي ترد على مجموع صناعي متكامل والتي تتكلف ملايين الجنيهات إن لم يكن بلايينها إنما يقصد منها الطرف المتلقي لها ضمان استمرار تشغيلها والتأكد من أن العمالة المحلية قادرة على هذا التشغيل.
 ذلك أن التجربة كثيراً ما أوقعت الطرف المتلقي للتكنولوجيا في أوهام وأخطاء وإننا لا نستطيع حصر وعد السلسلة الهائلة من المجموعات الصناعية المعقدة التي تنتقل إلي الدول النامية والتي توقفت تماماً بعد تشغيلها بأيام إن لم يكن بعد ساعات معدودة.
الأساس القانوني للالتزام بالضمان في عقود تسليم المفتاح وتسليم الإنتاج:
 إن التزام الطرف المورد بالضمان يصبح أكثر أهمية وأثقل عبئًا في عقود تسليم المفتاح أو تسليم الإنتاج عن التزامه بالضمان في صور عقود نقل التكنولوجيا الأخري. ففي عقود تسليم المفتاح يضمن المورد الاستيعاب الكامل والسيطرة التامة للعمالة المحلية للتكنولوجيا محل العقد،أي معرفة التشغيل والإنتاج بواسطة عمال ومهندسي مستورد التكنولوجيا. ونتيجة لذلك لا ينتهي التزام المورد للتكنولوجيا بالتسليم بعد مضي المدة المحددة أو غير المحددة بالعقد، حيث يجب أن يتم تشغيل المصنع والسيطرة على الإنتاج للمنتجات بواسطة العمالة المحلية وحدها دون مساعدة المورد.
 ونري تحقيقاً لهذا الالتزام، أن يظل المورد للتكنولوجيا ملتزماً بضمان حسن سير المصنع بجميع آلاته وعدده إلي أن يتحقق الهدف من العقد وهو التشغيل والإنتاج بواسطة عمال ومهندسي الطرف المتلقي وحدهم، أياً كان الوقت الذي يتحقق فيه هذا الضمان.
 والأساس القانوني لهذا الضمان في عقود تسليم الإنتاج هو طبيعة عقد نقل التكنولوجيا والهدف المرجو منه والذي يختلف في مداه اختلافاً جوهرياً بالنسبة لالتزام المورد بالضمان في عقود تسليم المفتاح فقط، وإن كان كل منهما يلقي على المورد إلتزاماً بنتيجة وليس مجرد تحقيق وسيلة.
 ففي عقود تسليم الإنتاج فإنه بالإضافة إلي التزام المورد بالضمان على هذا النحو – أي ضمانه تشغيل المصنع بكامل عدده وآلاته والسيطرة على تشغيله بواسطة عمال ومهندسي وخبراء الطرف المتلقي – فإن المورد يلتزم بضمان حسن الإنتاج للسلع المستخدمة في إنتاج التكنولوجيا محل العقد. وبمعني آخر يلزم المورد بتحقيق ذات المنتج المتفق على إنتاجه بواسطة التكنولوجيا محل العقد دون أي خلاف في المواصفات أو الجودة أو النوعية أو الشكل أو الجوهر.
 فالمورد ملتزم في عقود تسليم الإنتاج بتحقيق أرقام الإنتاج المتفق عليها ودرجة جودتها ومستواها الفني بعمال ومهندسي الطرف المتلقي.
 والمقصود بالالتزام بنتيجة أن المورد يتعهد بتوريد وتقديم خدماته ومساعداته الفنية وكل ما هو متفق عليه في العقد، كمحل له، إلي أن يتم الإنتاج الفعلي بواسطة العمال والمهندسين المحليين وأن يكون الإنتاج مطابقاً للمواصفات المتفق عليها بالعقد ولا تنتهي مسئولية المورد إذا أثبت فقط أنه اتخذ كل ما في وسعه لتحقيق النتيجة المرجوة.
 وإننا نري أن طبيعة عقد نقل التكنولوجيا في هذه الصورة، والهدف المرجو منه يولد هذا الالتزام بنتيجة قبل الطرف المتلقي حتى دون النص على هذا الالتزام بالضمان صراحة بالعقد.
 كما لا يلزم الطرف المتلقي في سبيل تحريك مسئولية المورد إثبات خطأ هذا الأخير بل يكفي مجرد عدم تحقيق النتيجة المتفق عليها.
 وتفسير ذلك الإلتزام بالضمان ومداه هو أن المتلقي في هذا العقد إنما تعاقد مع المورد لتحقيق إنتاج معين سبق لهذا الأخير إنتاجه بطرقه ووسائله ومعرفته الفنية، هذا الإنتاج بأوصافه ومزاياه وخصائصه هو أساس وسبب التعاقد ولذلك يعد الإخلال بهذه النتيجة المحددة مسبقاً إخلالاً بتنفيذ الالتزام الرئيسي في العقد الذي هو السبب والهدف الباعث على التعاقد.
 وفي خصوص التزام الطرف المورد للتكنولوجيا في العقد بضمان نتيجة التعاقد،هناك من الفقهاء الغربيين الذين يخففون عبء هذا الالتزام إلي درجة تفوت القصد من التعاقد نهائياً. ويحدد هذا الفقه الالتزام بالضمان بأنه التزام بتحقيق وسيلة أي أن ينتهى التزام الطرف المورد دون مسئولية عليه إذا أثبت أنه اتخذ الاحتياطات الكافية لتحقيق النتيجة المرجوة من التكنولوجيا المنقولة والمتعاقد عليها سواء تحققت هذه النتيجة أم لم تتحقق، بمعني أن التزامه ينتهي بمجرد إثباته اتخاذ ما يلزم لتحقيق القصد من التعاقد على التكنولوجيا.
 ويشبه هذا الفقه التزام الطرف المورد للتكنولوجيا بالتزام الطبيب الذي لا يلتزم بشفاء المريض وإنما فقط علاجه، وكما هو الشأن بالنسبة للأستاذ والمدرس الذي لا يتعهد ولا يلتزم بنجاح طلابه ومنحهم شهادات النجاح وإنما فقط مجرد التدريس الذي يؤهل الطلاب إلي النجاح([1][1]).
 ويضيف جانب آخر من الفقه أن التزام مورد التكنولوجيا بحسن استيعاب الطرف المتلقي لها وتطبيقه لهذه التكنولوجيا تطبيقاً سليماً أمر لا بد من الاتفاق عليه صراحة في عقد نقل التكنولوجيا وإلا خرج منالتزامات المورد([1][2]).
 ونري في هذا الخصوص أن عقد نقل التكنولوجيا لا يقاس بعقد الطبيب أو المدرس،فالطرف المورد يتعهد بتحقيق تشغيل التكنولوجيا بواسطة عمال المتلقي شخصياً، فهو يبيع طرقه ووسائله الفنية، هذه الطرق والوسائل وخبرته السابقة في استخدامها لتحقيق النتيجة المرجوة في مصانع ومجموعات صناعية متكاملة، ومشابهة ومماثلة للمصانع المنقولة إلي الطرف المورد، هي السبب الرئيسي والغرض الوحيد من التعاقد على هذه التكنولوجيا. وبمعني آخر أن الطرف المتلقي للتكنولوجيا  يعلم جيداً النتائج السابق تحقيقها بنجاح تام بواسطة المورد وأنها هي التي دفعت الطرف المتلقي للتعاقد، وكل من المتعاقدين على علم كاف بمضمون ومحل العقد. ونتيجة لما نري فإن مورد التكنولوجيا تنعقد مسئولية بالكامل في حالة عدم تحقيق النتيجة المتفق عليها.


(1) فى خصوص هذه الآراء راجع بحثنا «تقييم شروط الاتفاق والالتزام بالضمان فى عقود نقل التكنولوجيا» والمراجع المشار إليها به. مجلة مصر المعاصرة. السنة السابعة والسبعون. العدد 406 أكتوبر 1986.
(2) المرجع السابق.


التنفيذ العيني والتنفيذ بطريق التعويض:
 نثير في هذا الخصوص، مسألة التعويض في حالة عدم تحقيق النتيجة المرجوة من عقد نقل التكنولوجيا بكافة صورها بصفة عامة وعقود تسليم الإنتاج بصفة خاصة.
 والتعويض للطرف المتلقي يمثل أهمية قصوي خاصة بالنسبة للدول النامية نظراً لما تتكبده من أموال طائلة ومجهود بشري ضخم خاصة في صور النقل التكنولوجي لمجموعات صناعية متكاملة إلي جانب عدم تحقيق الآمال العريضة التي تنتظرها شعوب هذه البلاد خلال السنوات الطويلة لتنفيذ التكنولوجيا محل العقد.
 وتهدف الدول النامية وترغب في أن يكون التنفيذ العيني من قبل المورد هو الجزاء الأمثل، بمعني أن يعيد تجربته مرة أخري بكل إمكاناته ومعالجة النقص الذي تسبب في فشل تحقيق النتيجة المتفق عليها، وهو يلتزم بذلك دون حاجة إلي إبرام عقد جديد أو الحصول على مقابل آخر. على أن الذي يحدث عملاً هو عجز الطرف المورد عن التنفيذ العيني بل وعن التعويض الكامل لخسائر المتلقي في حالة فشل تحقيق النتائج المتفق عليها. ويحاول الطرف المورد أن يلقي بأسباب الفشل على عاتق الطرف المتلقي متهماً إياه بالجهل الفني والتكنولوجي تارة وبالظروف المحيطة والمناخ تارة أخرى.
 على أنه إذا كان من المتعذر عملاً التنفيذ العيني للمجموع الصناعي محل عقد نقل التكنولوجيا كتعويض عيني من جانب الطرف المورد فإن العمل يجري حالياً بين الدول المتقدمة إلي اتباع طريق الضمان المالي من مورد التكنولوجيا الذي يطلق عليه ضمان حسن التنفيذ أو ضمان حسن تنفيذ العقد. caution de bonne fin ou caution de bonne execution.
 وهذا التعويض أو الضمان المالي يختلف من عقد إلي آخر فهو مثلاً 20% من قيمة العقد كحد أدني ويمكن أن تصل إلي 100% من قيمة العقد خاصة في عقود نقل التكنولوجيا الخالية أو قليلة المخاطر كما هو الشأن بين الدول المتقدمة بعضها البعض أو بين دول متقدمة ودول نامية ولكن تتمتع بقوة شراء هائلة كبلاد البترول.
 وفي رأينا أن التنفيذ العيني في حالة فشل المشروع بأسباب المورد للتكنولوجيا هو الوسيلة الوحيدة والفعالة للدول النامية لتفادي الأضرار الإقتصادية للبلاد، فالتعويض المالي أياً كان قدره لا يعادل البتة ما كان منتظراً تحقيقه من التكنولوجيا المنقولة سواء اقتصادياً أو اجتماعياً أو نفسياً.
 وظهر في الوسط الدولي في هذا الخصوص تطبيق جديد في سبيل تفادي الأضرار الضخمة في حالة فشل المورد في تحقيق النتيجة المرجوة من عقود نقل التكنولوجيا خاصة ذات المجموعات الصناعية الكبيرة، هذا التطبيق مؤسس على تدخل دولة الطرف المورد أو تدخل بنوكها كضمان لحسن التنفيذ، أي أن تتدخل دولة الطرف المورد أو بنوكها لتضمن حسن تنفيذ عقد التكنولوجيا المنقولة. وتقبل الدول الكبري مثل هذا التدخل بدوافع متعددة لعل أهمها تحقيق نصر دولي إعلامي على قدراتها الفائقة في مجالات التكنولوجيا الحديثة خاصة في مجالات الاتصالات والطاقة النووية، كذلك بيان قدرتها وثقتها من إبتكاراتها وتحدي حسن التنفيذ كسباً لأسواق في مجالات التكنولوجيا المنقولة.
 كما يري جانب آخر أن أفضل طريق للتعويض هو تدخل شركات التأمين لضمان نتائج عقود نقل التكنولوجيا،هذا الضمان محقق حالياً بواسطة شركات التأمين الأمريكية والتي تضمن تعهد المورد وتؤكد ضمانها لمخاطر فشل التكنولوجيا محل العقد.
 وهذا يمثل ضماناً مقبولاً لجميع الأطراف وإن كان مكلفاً للغاية حيث تشترط عادة مثل هذه الشركات وخاصة شركات إعادة التأمين، أقساطاً كبيرة حتى يمكن الوفاء بضمانها في حالة عدم تحقق النتيجة المرجوة من عقد نقل التكنولوجيا الأمر الذي يجعل تكلفة التكنولوجيا عالية على قدرات المتلقي.
 وأخيراً ظهرت فكرة ضمان البنوك الدولية مثل ضمان البنك الدولي.
موقف المشرع المصري من التزام المورد بضمان نتيجة التكنولوجيا:
 حاول المشرع المصري إيجاد حل لطبيعة التزام المورد بالضمان  بالمادة (85/1) من حيث التزام مورد التكنولوجيا بضمان مطابقتها للشروط المبينة في العقد، وضمان صحة الوثائق المرفقة بها والموضحة لملكية وطرق استخدامها، فنص على أن: «يضمن المورد مطابقة التكنولوجيا والوثائق المرفقة بها للشروط المبينة في العقد، كما يضمن إنتاج السلعة أو أداء الخدمات التي اتفق عليها بالمواصفات المبينة في العقد، ما لم يتفق كتابة على خلاف ذلك».
ويضع هذا النص عبئاً على المورد بضمان إنتاج ذات الخدمة المتفق على إنتاجها بواسطة التكنولوجيا محل العقد وليس فقط مطابقة الوثائق أو طرق التشغيل أو إثبات تقديم مساعدته لهذا التشغيل. ويمثل هذا الالتزام ضماناً كبيراً للمتلقي يعد في جوهره التزاماً بتحقيق نتيجة هي مطابقة التكنولوجيا والسلع أو الخدمات التي استخدمت فيها لكل ما هو متفق عليه كمحل للعقد.
علي أن السماح بالاتفاق على عدم الضمان، وهو أمر وارد في عقود نقل التكنولوجيا إلي المتلقين من دول نامية حيث المركز التفاوضي الضعيف لهم، يخل بالثقة في مثل هذه العقود خاصة وأنها عقود ذات طابع خاص من حيث أهمية وقيمة التكنولوجيا محل العقد.
هذا بالإضافة إلي أن الاتفاق على عدم ضمان نتيجة التكنولوجيا يفرغ العقد من مضمونه وهدفه بل وسبب إبرامه من حيث الأساس.
وجدير بالذكر أن الاتفاق على ضمان المورد للمطابقة طبقاً للمفهوم السابق، لا يمنع مسئولية المورد طبقاً للقواعد العامة في المسئولية العقدية المؤسسة على الخطأ وإثبات الضرر وهو ما أشارت إليه المادة (67) تجاري في شأن مسئولية المنتج أو موزع السلعة قبل كل من يلحقه ضرر بدني أو مادي يحدثه المنتج إذا أثبت المضرور أن الضرر نشأ بسبب عيب في المنتج.
 ورتب المشرع مسئولية كل من المورد والمتلقي بغير تضامن بينهما عما يلحق الأشخاص والأموال من ضرر ناشئ عن استخدام التكنولوجيا أو عن السلع الناتجة عن تطبيقها (المادة 85/2 تجاري).

التزامات متلقي التكنولوجيا

الالتزام بالإستعانة بعاملين وخبراء من الفنيين عند التشغيل:
ألزم المشرع التجاري متلقي التكنولوجيا، بالاستعانة في تشغيل التكنولوجيا محل العقد، بعاملين على قدر من الدراية الفنية من خبراء فنيين إذا لزم الأمر، وذلك سواء عند بداية التشغيل أم طوال فترة سريان العقد. ونص المشرع على هذا الالتزام بالمادة (79) تجاري. كما ألزم المشرع المتلقي بأن يكون اختيار هؤلاء العاملين الخبراء من المصريين المقيمين في مصر أو في الخارج كلما كان ذلك متاحاً.
وقصد المشرع من ذلك حث متلقي التكنولوجيا على تحمل نسئولية اختيار العاملين على تشغيل التكنولوجيا وأن يحرص على اختيار الذين لهم القدرة على فهم وتشغيل هذه التكنولوجيات وعلي الاستمرار في التشغيل على درجة كفاءة عالية طوال فترة سريان العقد.
وتضمن نص المادة (79) حث المتلقي على الاستعانة بالخبراء والفنيين المصريين سواء المقيمين في مصر أو بالخارج إذا كان ذلك أمراً ميسراً أو ممكناً. أما إذا لم يكن متاحاً أو كانت التكنولوجيا محل العقد تتطلب لتشغيلها أو صيانتها أو زيادة كفاءتها إلي خبراء غير مصريين فلا مانع من الاستعانة بهم في هذا المجال.
الالتزام بعدم التنازل عن التكنولوجيا محل العقد:
يعتبر عقد نقل التكنولوجيا من العقود ذات الاعتبار الشخصي، ذلك أن شخصية المتلقي لها اعتبار في هذا العقد لعدة اعتبارات لعل أهمها الالتزام بالسرية. ويترتب على ذلك عدم امكان تنازل المتلقي عن التكنولوجيا محل العقد إلا بموافقة المورد. ونصت على هذا الالتزام المادة (81) تجاري بقولها «لا يجوز للمستورد النزول للغير عن التكنولوجيا التي حصل عليها إلا بموافقة موردها».
الالتزام بدفع مقابل التكنولوجيا:
يلتزم متلقي التكنولوجيا بدفع المقابل المتفق عليه بالعقد نظير نقل التكنولوجيا إليه. كما يلتزم بدفع مقابل التحسينات وقطع الغيار عند طلبها أو الاتفاق على توريدها إليه. ونصت على هذا الالتزام المادة
(82/1) تجاري بقولها «1- يلتزم المستورد بأن يدفع مقابل التكنولوجيا والتحسينات التي تدخل عليها في الميعاد والمكان المتفق عليهما».
والمقابل قد يكون مبلغاً إجمالياً يؤدي دفعة واحدة أو على دفعات متعددة. كما يجوز أن يكون المقابل نصيباً من رأس المال المستثمر في تشغيل التكنولوجيا أو نصيباً من عائد هذا التشغيل (المادة 82/2).
كما يجوز أن يكون المقابل كمية معينة من السلعة التي تستخدم التكنولوجيا في إنتاجها أو مادة أولية ينتجها المستورد ويتعهد بتصديرها إلي المورد (المادة 82/3).
والصور المشار إليها للمقابل والمنصوص عليها بالمادة (82) تجاري إنما تمثل الصور الغالبة في مجال عقود نقل التكنولوجيا، ويجوز أن يتم المقابل في أي صورة أخري يتفق عليها.
جواز اشتراط المتلقي قصر استخدام التكنولوجيا عليه:
يجوز لمتلقي التكنولوجيا أن يشترط في عقده مع المورد، أن يكون له وحده حق استخدامها دون غيره والإتجار في الإنتاج الناشئ عن استخدامها.
وهذا الشرط جائز على أن يكون محدد المدة ومنطقة الاحتكار في التوزيع أو البيع. كأن يحدد شرط القصر في البيع أو التوزيع خلال مدة محددة من سريان العقد، أو طوال مدته، كما قد يشترط أن يشمل منطقة معينة كأن يقتصر على منطقة الشرق الأوسط أو منطقة الخليج.
ونصت على حدود شرط القصر المادة (84) بقولها «يجوز الاتفاق على أن يكون لمستورد التكنولوجيا وحده حق استخدامها والإتجار في الإنتاج ويشترط أن يحدد هذا الحق بمنطقة جغرافية معينة وبمدة محددة يتفق عليها الطرفان».
الاختصاص القضائي والمحكمة المختصة بنظر المنازعات التي تنشأ عن عقد نقل التكنولوجيا
 حدد المشرع التجاري المحاكم المختصة بنظر المنازعات التي تنشأ عن عقد نقل التكنولوجيا والقانون الواجب التطبيق عليها، حيث حددت المحاكم المصرية لنظر هذه المنازعات بالإضافة إلي اعتبار القانون المصري واجب التطبيق وعدم جواز الاتفاق على خلاف ذلك. هذا بالإضافة إلي جواز الإلتجاء إلي التحكيم على أن يجري في مصر مع الالتزام بتطبيق أحكام القانون المصري وفي ذلك تنص المادة 87 على أنه:
 «1- تختص المحاكم المصرية بالفصل في المنازعات التي تنشأ عن عقد نقل التكنولوجيا المشار إليه بالمادة 72 من هذا القانون. ويجوز الاتفاق على تسوية النزاع ودياً أو بطريق تحكيم يجري في مصر وفقاً لأحكام القانون المصري.
 2- وفي جميع الأحوال يكون الفصل في موضوع النزاع بموجب أحكام القانون المصري وكل اتفاق على خلاف ذلك يقع باطلاً».
 والواضح من نص المادة (87) سالفة الذكر، أنه وضع قواعد آمرة في شأن جميع وسائل فض المنازعات التي تنشأ عن عقود نقل التكنولوجيا سواء كانت هذه الوسائل ودية أو بطريق التحكيم أو عند الالتجاء للقضاء لفض هذه المنازعات. حيث اشترط من حيث المكان أن يتم داخل مصر سواء كان القضاء الوطني وذلك بالمخالفة لأحكام الاختصاص المحلي وفقاً للقواعد العامة، أو بالنسبة لمكان حل المنازعات بالطرق الودية أو الالتجاء للتحكيم. كل ذلك بالمخالفة للقاعدة الأصولية المؤسس عليها نظام التحكيم وهي حرية أطراف النزاع في اختيار مكان التحكيم والقانون الواجب التطبيق سواء كان القانون الذي يحكم إجراءات التحكيم أو ذلك الذي يحكم الموضوع.
 وسوف نشير في هذا الخصوص إلي مخالفة الأحكام المنصوص عليها بالمادة (87) سالفة الذكر للأحكام المنصوص عليها بقانون التحكيم المصري رقم 27/1994، ومدي ملاءمة النص سالف الذكر لعقود نقل التكنولوجيا بالنسبة للمتلقي الوطني.
أولاً: مدى مخالفة الأحكام المنصوص عليها بالمادة (87) تجاري للقواعد الأصولية القائم عليها نظام التحكيم:
من المسلم به ابتناء نظام التحكيم كوسيلة لفض المنازعات على قاعدة حرية أطراف النزاع في اختيار مكان التحكيم أو القانون الواجب التطبيق سواء تلك المتعلقة بإجراءات التحكيم أو المطبقة على موضوع النزاع.
 وتحرص التشريعات المنظمة للتحكيم على النص صراحة على تلك المبادئ الأساسية للتحكيم، ومن هذه التشريعات التشريع المصري المنظم للتحكيم في المواد المدنية والتجارية الصادر برقم 27/1994 وذلك على التفصيل التالي:
أ - في شأن مكان التحكيم:
تقضي المادة (28) من قانون التحكيم سالف الذكر بأنه «لطرفي التحكيم الاتفاق على مكان التحكيم في مصر أو خارجها. فإذا لم يوجد اتفاق عينت هيئة التحكيم مكان التحكيم مع مراعاة ظروف الدعوى وملائمة المكان لأطرافها. ولا يخل ذلك بسلطة هيئة التحكيم في أن تجتمع في أي مكان تراه مناسباً للقيام بإجراء من إجراءات التحكيم كسماع أطراف النزاع أو الشهود أو الخبراء أو الإطلاع على مستندات أو معاينة بضاعة أو أموال أو إجراء مداولة بين أعضائها أو غير ذلك».
ب - في شأن القانون الواجب التطبيق:
طبقاً لحكم المادة (25) من قانون التحكيم رقم 27/1994 «لطرفي التحكيم الاتفاق على الإجراءات التي تتبعها هيئة التحكيم بما في ذلك حقهما في إخضاع هذه الإجراءات للقواعد النافذة في أي منظمة أو مركز تحكيم في مصر أو خارجها فإذا لم يوجد مثل هذا الاتفاق كان لهيئة التحكيم، مع مراعاة أحكام هذا القانون أن تختار إجراءات التحكيم التي تراها مناسبة».
وإذا كان ذلك في شأن حرية أطراف التحكيم بالنسبة لاختيار القانون الواجب التطبيق على الإجراءات، فإن الحكم ذاته يطبق على القانون الواجب التطبيق على موضوع النزاع، حيث تقضي المادة (39) من قانون 27/1994 بأنه: «1- تطبق هيئة التحكيم على موضوع النزاع القواعد التي يتفق عليها الطرفان. وإذا اتفقا على تطبيق قانون دولة معينة اتبعت القواعد الموضوعية فيه دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين مالم يتفق على غير ذلك. 2- وإذا لم يتفق الطرفان على القواعد القانونية واجبة التطبيق على موضوع النزاع طبقت هيئة التحكيم القواعد الموضوعية في القانون الذي تري أنه الأكثر اتصالاً بالنزاع».
والواضح من نص المادتين (25، 39) من قانون التحكيم أن القاعدة هي حرية الأطراف في اختيار القانون الواجب التطبيق سواء على إجراءات التحكيم أو على موضوع النزاع، كما يتضح أنه على هيئة التحكيم إعمال إرادة أطراف التحكيم دون القواعد الخاصة بتنازع القوانين.
كما يتضح من حكم المادة (28) من القانون ذاته والسالفة الذكر حرية أطراف التحكيم في اختيار مكان التحكيم.
أثر تعارض أحكام المادة (87) تجاري على مبدأ حرية أطراف التحكيم في اختيار مكان وقانون التحكيم:
الواضح من عبارات المادة (87) تجاري بفقرتيها أنها تتعلق بالنظام العام وبصفة خاصة ما جاء بعجز الفقرة الثانية من عبارات حيث تضمنت «وكل اتفاق على خلاف ذلك يقع باطلاً».
وحيث يعد قانون التجارة قانوناً خاصاً بأحكام التجار والأعمال التجارية، كما يعد قانون التحكيم قانوناً خاصاً، ووفقاً لقاعدة تنازع القوانين من حيث الزمان فإن الأفضلية تكون للنص اللاحق بالإضافة إلي أن الأفضلية دائماً تكون للنص الآمر أياً كان تاريخ نفاذه.
وبتطبيق هذه القواعد فإن الأفضلية تكون لحكم المادة (87) تجاري لتعلقها بالنظام العام الأمر الذي يترتب عليه إفراغ القواعد الأصولية للتحكيم من مضمونها، وإهدار أهم مبادئ التحكيم القائمة على حرية إرادة الأطراف سواء في إختيار طريق التحكيم لفض المنازعات أو التسوية الودية أو القانون الواجب التطبيق أو مكان التحكيم.
وإزاء هذا التعارض وخشية تعرض حكم المادة (87) لعدم الدستورية، فإننا نري تعديل نص المادة (87) تجاري بما يجعل حكمها مقرراً غير متعلق بالنظام العام بحيث يعد هادياً وارشادياً لأطراف عقود نقل التكنولوجيا وبصفة خاصة للطرف المتلقي شأنه في ذلك شأن باقي النصوص المنظمة لعقد نقل التكنولوجيا والسابق شرح أحكامها.