كتب قانونية

الأحد، 14 أغسطس، 2016

ماذا يجب أن تعرف عن "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" " ؟ كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي

 ماذا يجب أن تعرف عن "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" " ؟ كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي















ماذا يجب أن تعرف عن "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" " ؟
كتبها الدكتور عبد الحكيم الحكماوي
نائب أول لوكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بالرباط
أستاذ زائر بكلية الحقوق سلا باحث قانوني
تطرح أوضاع المواطنين المقيمين بالخارج وكذا أولئك الذين لهم مصالح مختلفة خارج أرض الوطن، مجموعة من الوضعيات القانونية التي تدعو إلى التفكير الجدي في أفضل السبل لتسهيل قضاء مصالحهم بين ما يقومون به داخل أرض الوطن وخارجه. لذلك فإن تدبير وضعية هذه الفئة من الأفراد دفعت العديد من الدول إلى التفكير في الآليات المناسبة لتسهيل قضاء المآرب الإدارية فوق تراب العديد من الدول من غير عرقلة أو تعقيد للمساطر.
وفي هذا السياق فقد أُبرمت العديد من الاتفاقيات الدولية سواء على المستوى الجماعي أو الثنائي كإطار قانوني يؤطر عملية تداول الوثائق العمومية الصادرة عن سلطات مختلف الدول والاعتراف بها داخل نظام قانوني معين لدولة أخرى أو لمجموعة من الدول.
ولعله غني عن البيان، التذكير بأن مصالح الأفراد لن تقضى إلا بوثائق إدارية أو قضائية تصدرها السلطات المختصة في مختلف الدول، كما أن تلك الوثائق لن تكون لها أية آثار إلا إذا تم الاعتراف بها من لدن سلطات الدولة الأخرى المراد الإدلاء بها فيها. لذلك فقد عمد المنتظم الدولي إلى التفكير في آلية محددة تجعل الأفراد قادرين على تداول الوثائق الإدارية والقضائية في مجموعة من الدول وكأنها صادرة عن نفس سلطات الدولة المراد الإدلاء فيها بتلك الوثائق.
وفي هذا الإطار يمكن أن نتحدث عن "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" " وهي الاتفاقية المؤرخة في 05 أكتوبر 1961. و التي انضم وصادق عليها المغرب لتدخل رسميا حيز التنفيذ يوم الأحد 14 غشت 2016 و واقعيا يوم الاثنين 15 غشت 2016. هذه الاتفاقية التي تلعب فيها وزارة الخارجية للمملكة الهولندية دورا تنسيقيا أساسيا؛ تعتبر من أهم الاتفاقيات الدولية التي تنظم مسألة الاعتراف بالوثائق الإدارية والقضائية من طرف سلطات الدول المنضمة لتلك الاتفاقية والمصادقة عليها. وهي اتفاقية لها مميزات وخصائص لابد من الوقوف عليها(الفقرة الأولى) لمعرفة نطاق أحكامها (الفقرة الثانية) وما إذا كانت لها علاقة ببعض الأحكام التي ينظمها القانون الداخلي لكل دولة أم لا (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى : خصائص اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل"
تعتبر "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" من الاتفاقيات المحدودة زمانيا ومكانيا، ولذلك فإنها تتميز بخصائص عن مجموعة من الاتفاقيات الأخرى؛ وهذه الخصائص يمكن إجمالها وفق معيارين اثنين أحدهما جغرافي والثاني زمني:
ففيما يخص المعيار الجغرافي:
أنها اتفاقية محدودة في المكان؛ أي أن سريان أحكامها لا يشمل كل الدول وإنما بعض الدول فقط وفق ما جاءت به أحكام الاتفاقية نفسها. فأحكام هذه الاتفاقية تسري فقط فوق أقاليم الدول التي انضمت وصادقت عليها، غير أن سريان أحكامها وفق معيار الإقليم مشروط بانتفاء مجموعة من الشروط وهي كالتالي :
الشرط الأول: ألا تعترض بعض الدول المنضمة والمصادقة على نفس الاتفاقية على انضمام دول أخرى لها، بمعنى أنه في حالة ما إذا كانت دولة منضمة ومصادقة على الاتفاقية المذكورة وتعمل بها، وحدث أن انضمت دولة ما لهذه الاتفاقية واعترضت إحدى الدولتين على انضمام الأخرى لنفس الاتفاقية، فإن أحكام هذه الأخيرة لن تسري فوق إقليم الدولتين ولو أنهما منضمتين لها. وهذا الشرط نصت عليه الاتفاقية المذكورة في الفقرتين الثانية الثالثة من المادة 12 واللتين نصتا على ما يلي: " يكون الانضمام ساري المفعول فيما يخص العلاقات بين الدولة المنضمة وتلك الدول المتعاقدة التي لم تعترض على انضمامها خلال الستة أشهر التي تلي تاريخ تلقيها البلاغ المشار إليه في الفقرة الفرعية (د) من المادة 15. و يتم إبلاغ وزارة الشؤون الخارجية الهولندية بأي اعتراض مماثل. تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بين الدولة المنضمة و الدول التي لم تعترض على انضمامها، في اليوم الستين الذي يلي تاريخ انتهاء فترة الستة أشهر المذكورة في الفقرة السابقة." وأهم مثال على الدول التي اعترضت على انضمام المغرب لهذه الاتفاقية هناك دولة ألمانيا، ولهذا الاعتراض أثره على سريان أحكام هذه الاتفاقية فوق تراب الدولتين المغربية والألمانية.
الشرط الثاني: و هو الشرط الذي نصت عليه مقتضيات الفقرة الثانية من المادة الثالثة من الاتفاقية المذكورة والتي جاء فيها ما يلي: " لا يشترط الإجراء الشكلي المذكور في الفقرة السابقة إذ تم إلغاء، أو تبسيط، أو إعفاء الوثيقة من المصادقة بموجب القوانين، أو الضوابط، أو التطبيقات سارية المفعول في الدولة التي يجب الإدلاء فيها بالوثيقة، أو في حالة وجود اتفاق بين دولتين متعاقدتين أو أكثر."
و مؤدى هذا الشرط، وفق المعيار الجغرافي، أنه في حالة وجود اتفاقية بين دولتين أو أكثر على الإعفاء من شرط المصادقة فإن مقتضيات اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" لا تكون سارية المفعول فوق إقليم الدولة المرتبطة بغيرها وفق الاتفاقية الثنائية أو الجماعية. و مثال ذلك الاتفاقية المبرمة بين المغرب وفرنسا سنة 1981 والتي تحدد الإطار العام لتبادل الوثائق بين الدولتين في المجال القضائي، فوفق هذه الاتفاقية يمكن للوثائق الصادرة عن سلطات الدولة المغربية أن يتم الإدلاء بها للسلطات الفرنسية من غير اتباع أي إجراء، وهو نفس الأمر بالنسبة للوثائق الصادرة عن السلطات الفرنسية و المدلى بها فوق التراب المغربي.
الشرط الثالث: عدم وجود إجراءات أكثر صرامة منصوص عليها في اتفاق أو اتفاقية دولية؛ و هذا الشرط نصت عليه مقتضيات المادة الثامنة التي جاء فيها ما يلي: "إذا تضمنت معاهدة، أو اتفاقية، أو اتفاق بين دولتين متعاقدتين أو أكثر، أحكاما تستوجب المصادقة على التوقيع، أو الختم، أو الطابع على إجراءات شكلية معينة، فلا تطبق هذه الاتفاقية إلا إذا كانت هذه الإجراءات الشكلية أكثر صرامة من الإجراءات الشكلية المشار إليها في المادة 3، و المادة 4. "
و معنى هذه المادة أن الدول التي تبرم فيما بينها اتفاقية أو معاهدة أو اتفاق من أجل جعل مسألة المصادقة على التوقيع أو الطابع أو الختم تتسم بنوع من الصرامة والتعقيد والمزيد من الحزم، لا تسري فوق إقليمها أحكام اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل".
أي لو افترضنا أن هناك دولة ما منضمة لهذه الاتفاقية الأخيرة وكانت قد أبرمت مع دولة أو دول أخرى منضمة هي الأخرى لاتفاقية "أبوستيل" اتفاقية ثنائية أو جماعية تنظم أحكاما أكثر صرامة من تلك المنصوص عليها في اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل"؛ فإن هذه الدولة لا تسري فوق إقليمها أحكام هذه الأخيرة ولو أنهما معا منضمتين لنفس الاتفاقية "أبوستيل" مادامت أن إرادة الدولتين اتجهت لإحاطة المصادقة على التوقيع أو الختم أو الطابع بإجراءات صارمة.
وهنا لابد من التركيز على أن اختلاف الإجراءات المنصوص عليها في اتفاقية ثنائية مثلا مع تلك الواردة أحكامها في اتفاقية "أبوستيل" لا تعني استبعاد هذه الأخيرة بصورة تلقائية اللهم إلا إذا كانت تلك الإجراءات أكثر صرامة أو كانت تلك الإجراءات واردة في اتفاقية معينة وفق ما أوردناه في الشرط الثاني.
تلك أهم الشروط المؤطرة لسريان اتفاقية " الأبستيل" وفق المعيار الجغرافي.
أما في ما يخص المعيار الزمني؛ فإن اتفاقية "الأبستيل" لا تدخل حيز التنفيذ من حيث المبدأ إلا بعد مرور مدة إجمالية قدرها ثمانية أشهر ابتداء من تاريخ تبليغ وضع وثيقة الانضمام لدى وزارة الشؤون الخارجية الهولندية للدول الموقعة على هذه الاتفاقية، وهذه المدة مقسمة وفق التالي:
فترة ستة أشهر وهي فترة الاعتراض، تبتدئ من تاريخ تلقي الدول المنضمة للاتفاقية لبلاغ حول وثيقة الانضمام الصادرة عن الدول الراغبة في الانضمام، وخلال هذه الفترة يحق لك دولة منضمة أن تعترض على انضمام الدولة الحديثة وهو الأمر الذي قامت به الدولة الألمانية بالنسبة للمغرب.
فترة الستين يوما التي تلي انتهاء فترة الاعتراض،
غير أن ما يميز هذه الاتفاقية هو كونها اتفاقية مؤقتة، بمعنى مدة سريان أحكامها فوق تراب الدول المصادقة أو المنضمة لها لا تتعدى خمس سنوات وفق مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 14 التي نصت على أنه : "تسري هذه الاتفاقية لخمس سنوات من تاريخ دخولها حيز التنفيذ وفقا للفقرة الأولى من المادة 11، حتى بالنسبة للدول التي صادقت أو انضمت فيما بعد"
غير أن هذه الاتفاقية لا تتوقف أحكام سريانها بصورة تلقائية، وإنما تتجدد المدة بصورة تلقائية، اللهم إلا إذا باشرت الدول المنضمة أو المصادقة عليها إجراءات تبليغ وزارة الشؤون الخارجية الهولندية بإشعار رسمي بإنهاء العمل بأحكام اتفاقية "الأبستيل" فوق ترابها على أن يتم هذا الإشعار داخل أجل لا يقل عن ستة أشهر قبل انتهاء فترة الخمس سنوات المنصوص عليها في الفقرة الأولى من المادة 14 من نفس الاتفاقية.
ومؤدى هذا الأمر أن هذه الاتفاقية لا تلزم الدول بصورة دائمة، وإنما فقط بصورة مؤقتة. و لهذه الأخيرة أن تنهي العمل بأحكامها وفق إرادتها المنفردة شريطة أن تقوم بإخبار الدول المنضمة والمصادقة عليها برغبتها هاته تمهيدا لتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل المقرر بموجب الفقرة الثانية من المادة 12.
إن توفر شروط تطبيق أحكام اتفاقية "الأبستيل" في الزمان و المكان لا أثر له إلا إذا تم الوقوف على نوع الوثائق التي تدخل في نطاق تلك الأحكام وهو ما سيكون موضوع الفقرة الموالية.
الفقرة الثانية : نطاق تطبيق أحكام اتفاقية "الأبستيل" إن تحديد نطاق تطبيق أحكام اتفاقية "الأبستيل"
يرتبط ارتباطا وثيقا بالتساؤل القائم الذي يثور حول طبيعة الوثائق التي تسري عليها تلك الأحكام؛ ومن هنا لابد لنا من تحديد نوع تلك الوثائق. لقد قسمت اتفاقية "الأبستيل" الوثائق الخاضعة لأحكامها إلى قسمين؛ وثائق معنية بشكلية "الأبستيل"، و أخرى لا تخضع لأحكام هذه الاتفاقية.
بالنسبة للوثائق المعنية بشكلية "الأبستيل"
وفق مقتضيات المادة الأولى من اتفاقية "الأبستيل" فإن الوثائق العمومية المعنية هي:
أ - الوثائق الصادرة عن سلطة أو موظف تابع لمحاكم الدولة، بما في ذلك الوثائق الصادرة عن النيابة العامة، أو كتابة الضبط، أو المفوضين القضائيين؛
ووفق هذا البند يحق لنا التساؤل حول ما إذا كانت الوثائق الصادرة عن هذه الجهات هي فقط الوثائق المعتبرة وثائق قضائية أو ما في حكمها؟
إن الحديث عن هذه الفئة من الوثائق يجعلنا نتحدث عن الوثائق الصادرة عن التراجمة وغيرهم وهو الحديث الذي يمكن أن يفتح الباب مشرعا أمام العديد من التساؤلات حول بعض الوثائق التي تصدر عن بعض الجهات المتدخلة في منظومة العدالة كالمحامين وغيرهم.
و مما يدخل في مفهوم هذا النوع من الوثائق الأحكام القضائية وتلك الأوامر والقرارات التي يصدرها مختلف أصناف القضاة كقضاة التحقيق وقضاة الأحداث وقضاة تطبيق العقوبة والقضاة المكلفين بالزواج وقضاة التوثيق وقضاة شؤون القاصرين وقضاة التنفيذ و غيرهم من أصناف القضاة.
كما يدخل في مفهوم هذه الوثائق كل الوثائق الصادرة عن كتابة الضبط سواء أكان الأمر يتعلق بشواهد ضبطية كشهادة عدم التعرض والاستئناف والنقض أو شهادة بوضع وثائق أو شهادة بتبليغ حكم أو ما إلى ذلك من الشواهد التي تصدرها كتابة الضبط أو تصدر عنها مثل محاضر الجلسات و السجل العدلي.
ب – الوثائق الإدارية ؛ و قد جاءت هذه العبارة عامة، بما يفيد مجموع الوثائق الصادرة عن أية إدارة في حدود اختصاصها ووفق الشكل الذي يحدده القانون الوطني للدولة التي تصدر عن إدارتها تلك الوثيقة. وبالتالي فلا داعي لاستبعاد أية وثيقة مهما كان موضوعها مادامت تلك الوثيقة صادرة عن جهة إدارية رسمية. ومما يدخل في الوثائق الإدارية وثائق الحالة المدنية.
ج – العقود التوثيقية؛ هنا لابد من الحديث عن العقود التي تصدر عن الموثقين، غير أن طائفة هذه العقود قد تشمل فئة أخرى من العقود كتلك التي يبرمها المحامون في إطار بعض التشريعات الخاصة بالملكية العقارية أو غيرها. فالعبرة بالعقود التوثيقية في مفهوم هذه الاتفاقية تلك العقود التي تصدر عن جهات أعطاها المشرع مهمة التوثيق ابتداء ومن غير الحاجة إلى شكلية معينة كما هو الأمر بالنسبة لعقود العدول أو العقود التي يبرمها المحامون في غير الأحوال التي أوكل لهم التشريع فيها مهمة التوثيق. و لا يدخل في مفهوم العقود التوثيقية تلك التي يبرمها الأفراد فيما بينهم؛ لأن مفهوم العمومية الذي تتصف به الوثائق لا يصح إلا على الوثائق التي تصدرها جهات رسمية أو معترف بها، وليس تلك التي يصدرها الأفراد أنفسهم.
د – التصريحات الرسمية كبينات التسجيل والتأشيرات محددة الأجل، والمصادقات على التوقيع؛ المضمنة بالعقود العرفية؛
وهنا يجب التنبيه إلى أن المعني بشكلية "الأبستيل" ليس هو مضمون الوثيقة العرفية وإنما التوقيع أو التأشيرة أو الطابع الموضوع على الوثيقة العرفية والصادر عن الجهة الإدارية الرسمية.
ومما تجدر الإشارة إليه أن هذه الوثائق في عمومها تعتبر في مفهوم هذه الاتفاقية عمومية بغض النظر عن السلطة التي تصدر عنها سواء أكانت تلك السلطة قضائية أو إدارية.
الوثائق التي لا تخضع لأحكام اتفاقية "الأبستيل"
لقد استثنت اتفاقية "الأبستيل" بعض الوثائق التي لا تدخل ضمن أحكام هذه الاتفاقية ويتعلق الأمر بنوعين من الوثائق:
الوثائق التي تصدرها الجهات الدبلوماسية والقنصلية ، و العبرة من ذلك أنها جهات معترف بها لها نظامها الخاص مما لا يستدعي معه الأمر إخضاعها لشكلية "الأبستيل".
والوثائق الإدارية ذات الصلة المباشرة بالمعاملات التجارية والجمركية.
إن الحديث عن "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" لا يستقيم ألا بالحديث عن شكلية "الأبوستيل"، ومدى ارتباطها بمضمون الوثيقة الخاضعة لهذه الشكلية. وهو الأمر الذي سيكون محل الفقرة الثالثة. الفقرة الثالثة : المقصود بشكلية "الأبستيل" ومدى علاقة هذه الشكلية بمضمون الوثائق العمومية
المقصود بشكلية "أبوستيل" و ما يرتبط بها :
لقد عرفت الاتفاقية موضوع الحديث المصادقة في المادة الثانية منها بأنها ذلك الإجراء الشكلي الذي يثبت به الأعوان الدبلوماسيون والقنصليون التابعون للدولة المراد الإدلاء فيها بالوثيقة، صحة التوقيع، وصفة الموقع- وعند الاقتضاء – نوع الختم، أو الطابع الذي تحمله الوثيقة. ومعنى ذلك أن المصادقة هي ما يثبت به الأعوان المذكورون صحة التوقيع أو الختم أو الطابع، وما إذا كان كل ذلك صادر عن الجهة العمومية المعترف بها أم لا، ولا تمتد تلك المصادقة إلى مضمون الوثيقة وإنما تقتصر فقط على التأكد من صحة التوقيع أو الختم أو الطابع، وما إذا كان قد صدر عن الموظف الذي سبق له أن وضع توقيعه لدى الجهات الدبلوماسية أو القنصلية.
إلا أن شكلية "الأبوستيل" فهي إجراء تتولى الجهات أو السلطات المختصة التي تتبع للدولة التي تصدر فيها الوثيقة بإضافتها لتلك الوثيقة ، وهنا يجب التنبيه إلى أن الاتفاقية المذكورة تركت لكل دولة مهمة اختيار الجهات التي ستتولى مهمة وضع شكلية "الأبوستيل". فالمغرب مثلا، اختار جهات بعينها هي التي ستتكلف بوضع الشكلية المذكورة وهي؛
أولا: وزارة الداخلية بالنسبة للوثائق الإدارية كيفما كان نوعها،
ثانيا:الوكيل العام للملك دلى محكمة النقض فيما يخص الوثائق الصادرة عن هذه الأخيرة
ثالثا: وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية أو من ينوب عنه الواقع بدائرة نفوذهما جميع الجهات القضائية الموجودة في مدينة ما؛ فمثلا بالنسبة لوكيل الملك لدلى المحكمة الابتدائية بالرباط فسيتولى وضع شكلية "الأبوستيل" عن الوثائق الصادرة عن كل من المحكمة الابتدائية بالرباط نيابة ورئاسة، وكذا المحكمة التجارية نيابة ورئاسة، والمحكمة الإدارية ومحكمة الاستيناف العادية نيابة ورئاسة، ومكمة الاستيناف الإدارية بالرباط، وكذا جميع الوثائق المرتبطة بالعمل القضائي سوءا أصدرت عن كتابات الضبط أو الجهات المتدخلة في القضاء وفق ما تنص عليه الاتفاقية.
رابعا : وزارة العدل في شخص كاتبها العام أو من ينوب عنه بالنسبة لبعض الوثائق الصادرة عنها؛
وهذه الجهات اختيرت بإرادة الدولة المغربية، غير أن هذا الاختيار يمكن أن تتم مراجعته بنفس الإرادة شريطة تبليغ وزارة الخارجية الهولندية بأي تغيير يطرأ على ذلك من أجل إيفاد الدول المصادقة والمنضمة للاتفاقية بذلك حتى يتم ترتيب الآثار القانونية على كل تغيير وفق ما تقتضيه المادة السادسة من الاتفاقية. وشكلية "الأبوستيل" ما هي في الحقيقة إلا مصادقة تصدر عن السلطات المعينة من طرف دولة مصادقة أو منضمة للاتفاقية؛ على التوقيع أو الختم أو الطابع، من غير أن ينفذ سلطان تلك السلطات إلى مضمون الوثيقة وما إذا كان ذلك المضمون موافقا للقانون أم لا، وإنما تقتصر تلك المصادقة فقط على كون ذلك التوقيع أو الختم أو الطابع قد صدر عن الموظف المختص أو السلطة أو الجهة الإدارية أو القضائية المختصة فقط .
وشكلية "الأبوستيل" لا توضع بصورة تلقائية وإنما بناء على طلب من يعنيه الأمر أو بناء على طلب الشخص أو الجهة التي وقعت الوثيقة، ويجب أن توضع تلك الشكلية وفق نموذج موحد بين جميع الدول وهو النموذج الذي أرفقت به الاتفاقية، بحيث لا تعترف الدول المصادقة أو الموقعة على الاتفاقية بأي شكل آخر. ومن شروط صحة شكلية "الأبوستيل" أن تحرر باللغة الفرنسية وجوبا على أن تعنون الشكلية بالعبارة التالية : « Apostille ( Convention de La Haye du 5 Octobre 1961 ) »
و زيادة على ذلك يمكن لكل دولة أن تضيف اللغة الرسمية لها أو أية لغة ترغب في إضافتها لشكلية "الأبوستيل". فاللغة الفرنسية والعبارة التي يجب أن تعنون بها الشكلية هما عنوان صحة الشكلية حسب الاتفاقية، وهذه الشروط يجب أن تتضمنها شكلية "الأبوستيل" التي ترفق بالوثائق الرسمية أو مرفقاتها.
و بالنسبة للآثار المترتبة على قيام شكلية "الأبوستيل" على النحو القانوني المطلوب أن تعتبر الوثائق الموضوعة عليها قانونية ومنتجة لكل آثارها فوق تراب الدول المنضمة للاتفاقية مع مراعاة الشروط التي سبق وأشرنا إليها في معرض المعيار الجغرافي.
كما تحظر الدول المصادِقة أو المنضمة على الاتفاقية على جميع مصالحها الديبلوماسية والقنصلية المصادَقة على الوثائق الخاضعة لاتفاقية "الأبوستيل" والمعفاة من أية مصادقة، والملاحظ أن هذا المنع جاء في صورة أساسية لدرجة أن واضعي بنود الاتفاقية أفردوا له مادة خاصة هي المادة التاسعة، ولعل الغرض من ذلك هو تيسير سبل استفادة الأفراد والمؤسسات من أحكام هذه الاتفاقية وعدم تعريض مصالحهم لأي نوع من أنواع التعقيد.
علاقة شكلية "الأبوستيل" بمضمون الوثيقة
إن مما يستنتج من خلال ما سبق أن نظام شكلية "الأبوستيل" لا يرتبط إلا بصحة التوقيع أو الختم أو الطابع الموضوع على الوثيقة، ولا علاقة له بمضمون الوثائق التي توضع عليها الشكلية المذكورة وهو الأمر الذي يبقي ذلك المضمون خاضعا للرقابة القضائية وفق القواعد المعتمدة لتذييل الأحكام والعقود الأجنبية بالصيغة التنفيذية أو وفق القواعد المنظمة للمنازعات القضائية المدنية أو الجنائية أمام القضاء الوطني المختص.
فكون مضمون الوثيقة مخالف للنظام العام أو قائم على اغتصاب حقوق الغير أو مبني على خرق قاعدة تشريعية معينة عصفت بالمراكز القانونية للغير لا علاقة له بشكلية "الأبوستيل" وإنما يبقي ذلك المضمون خاضعا للرقابة القضائية وفق الإجراءات العادية المعمول بها أمام الجهات القضائية الوطنية وحسبما تقتضيه المساطر والإجراءات المعمول بها.
تلك كانت أهم الأحكام المتعلقة بشكلية "الأبوستيل" والتي جاءت بها "اتفاقية لاهاي بشأن إلغاء إلزامية المصادقة على الوثائق العمومية الأجنبية "أبوستيل" " وستدخل حيز التنفيذ في هذا اليوم 14 غشت 2016، وسيبدأ العمل بها وبأحكامها واقعيا غدا الاثنين 15 غشت 2016.
انتهى بحمد الله تعالى .
في يوم 14 غشت 2016 .