كتب قانونية

الاثنين، 15 أغسطس، 2016

متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية

متطلبات الجهوية المتقدمة وتحديات إدماج السياسات القطاعية












طبْقًا للمادّة 6 من القانونِ التنْظيميّ المتعلق بالمجلسِ الاقتصاديّ والاجتماعيّ والبيئيّ، قرّر المجلسُ، بتاريخ 2 يونيو  2015، في إطارِ إحالةٍ ذاتيةٍ، إعدادَ تقْريرٍ ورأي حول "متطلبات الجهوية وتحديات إدماجالسياسات القطاعية".
وخلال دورتها العادية الستين ، المنعقدة في31 مارس 2016، صادقت الجمْعية العامة للمجلس بالإجماع على التقرير المتعلق بمتطلبات الجهوية وتحديات اندماج السياسات القطاعية، الذي يلخّصه هذا الرّأي.

مقدمة
يمثِّل انطلاق مسلسل الجهويّةِ المتقدِّمة مُنْعطفا هاما في المسار الديمقراطي والتنموي بالمغرب. وقد رأى هذا الإصلاحُ المؤسساتيّ التّرابيّ النورَ بفضل الإرادةِ الرّاسخة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، والانخراطِ السياسي والشعبي الواسع، كما تكرسهما الوثيقة الدستورية ليوليو 2011.
ويسْتمدّ هذا المشروعُ خصوصيته من كونه يروم في الآن نفسه تحقيق هدف توسيع حقل الديمقراطية التّمثيلية الجهويَّة، وجعلها رافعةً للتّنْمية الاقتصاديّة والبشريّة المُنْدمجة والمُستدامة، بغاية الحدِّ من الفوراق، وصيانةِ كرامةِ المواطنين، والنُّهوض بدينامية النمو وبتوزيع منصف لثِمارِه. وقد اختار المغرب منذ الاستقلال الديمقراطية التمثيلية التعددية واللامركزية كخيارين استراتيجيين لا رجعة فيهما. ذلك أن هذا النمطَ من الحكامة الترابية يمنح السكانَ، من خلال المجالس المنتخَبة، سلطة تدبير الشؤون المحلية بأنفسهم. وقد مرت اللامركزية، على المستوى المؤسسي، بمجموعة من المراحل الكبرى، انطلقت أولاها في بداية الستينات، وتطورت بعدها عبر محطات حاسمة، خصوصا في سنة 1976، التي شكلت تحولا حقيقيا في مسار اللامركزية، تلتها مجموعةٌ من الإصلاحات المنتظمة والمتوالية في سنوات 1992 و2002 و2009.
وظلت صفة الجماعة الترابية، الخاضعة للقانون العام والمتمتعة بالشخصية المعنوية وبالاستقلالية المالية، مقتصرة على الجماعات والعمالات والأقاليم، إلى أن جاء دستور 1992 الذي ارتقى بالجهة إلى مصاف الجماعات الترابية.
وقد فتحَ دستورُ فاتحِ يوليو 2011 والقوانينُ التَّنظيميةُ المتعلقةُ بالجماعات الترابية، آفاقا واسعة أمام بلوغ الأهداف المتوخاَّة من إقرار الجهوية المتقدمة، بإعطاء الجهةِ مكانةَ الصَّدارة، من خلال تكريس شرعيتها الديمقراطية، وتخويلها مجموعةً من المهام والاختصاصات التي تمنحها الأولويةَ في مجال التّنمية الاقتصاديّة، وبالرفعِ من الموارد المرصودة لها كي تضطلع بأدوارها على أحسن وجه وتواجه التحديات الجديدة.  
هكذا أصبحت الجهاتُ مستوى ترابيا يحظى بأهمّية خاصّة، وإطارا مناسبا لتحقيق الاندماج بين السياسات القطاعية وتحقيق الانسجام بين جهود وأشكال تدخل مجموع الفاعلين الاقتصاديين المعنييِّن بالمجال الترابي. وتشكل أيضا مجالا مناسبا للمشاركة الفاعلة للسكان في تدبير الشؤون الجهوية، وفي جهود التنمية المجالية، وذلك بفضل الآليات الجديدة لإِعْمالِ "الديمقراطية التشاركية".
يتعلق الأمرُ إذن بإصلاح جاء في إبّانه، كاستجابة ملموسة لتطلُّع عام نحو تحقيق "مغرب الجهات"، مغرب موحَّد ومكوَّن من جهات متكاملة ومتضامنة، تتضافرُ فيه جهودُ جميع الأطراف لضمان رفاهِ المواطنين وعيشهِم الكريم.
ووعيا من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بالرهانات الهامة المرتبطة بهذا الإصلاح، ورغبة منه في المساهمة في النقاش العام حول مقتضيات التنزيل الناجح للجهوية، قرر إنجاز دراسة حول هذا الموضوع، في إطار إحالة ذاتية، ترتكز أهدافُها الأساسيَّة على المحاور الآتية:
1.    تحديدُ الأدوات والمقاربات الكفيلة بإنجاح اللامركزية واللاتمركز الإداري، وخاصة في مجال نقل السلطات؛
2.    تحسين انسجام واندماج السياسات العمومية على المستوى الترابي؛
3.    النهوض بتنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية مستدامة؛
4.     تعزيز التعاون والنهوض بمشاركة الفاعلين المؤسساتيين والترابيين؛
5.     تعزيز الديمقراطية التشاركية.
وتستهدف التوصياتُ والمقترحاتُ المتعلِّقةُ بهذه المحاور اقتراحَ مقاربة تمكِّن من إنجاح عملية تنزيل الجهوية، ورفعِ تحدياتها. وقد جاءت نتيجةَ تحليل لواقع اللامركزية واللاتمركز، ولدرجة اندماج السياسات القطاعية. وهي لا تدعي الإحاطة الشاملة بالموضوع، ولكنها تستفيد من التجارب والتطورات المتحققة إلى حدود اليوم في هذا المجال، بالاستناد أساسا إلى المقاربة التشاركية التي اعتمدها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مجموع أعماله ودراساته.


المنهجية المُعتمَدة
تقوم منهجية العمل المعتمَدة في هذا التقرير على تحليل الواقع الحالي لتفعيل اللامركزية واللاتمركز، وتحديد العوامل التي تحول دون تطورهما بانسجام وتكامل، وذلك من أجل الوقوف على النقائص التي يتعين تداركها من أجل تحقيق التجانس والاندماج بين السياسات العمومية، سواء على مستوى الأهداف المرسومة لها أو في مرحلة تفعيلها، مع الوعي بالتحديات التي يتعين رفعها من أجل بلوغ هذه الغاية.
وانطلاقا من خلاصات التحليل، سيتم اقتراحُ مقاربة لتنزيل الجهوية المتقدمة، بَدْءًا بالمراحل الأساسية في أجرأة هذا المسلسل، والعوامل الرئيسية الكفيلة بإنجاح هذا الورش الحيوي، مع الحرص على التوقف عند مختلف الأبعاد التي تؤثر في استكمال هذا الإصلاح على أحسن وجه. وستحظى قضايا اللاتمركز ونقل الاختصاصات للجهات واندماج السياسات العمومية والتنمية الاقتصادية والموارد المالية باهتمام خاص في هذا الجزء من التقرير.
وسيشير هذا التقرير أيضا، بروح بنَّاءة من الانفتاح على المستقبل، وعلى سبيل الاحتراز والاستباق، إلى  بعض مواطن اليقظة، التي تستوجب اهتماما خاصا، كيلا تتحول إلى عقبات حقيقية تحول دون استكمال هذا الإصلاح الهام.
ولا يدعي هذا التقرير تقديم أجوبة نهائية على القضايا أو الإشكاليات المطروحة، بل إن هدفه الأساسي يتمثل في تقديم مجموعة من المقترحات والتوصيات التي يسعى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي من خلالها إلى المساهمة في إنجاح عملية تنزيل الجهوية المتقدمة.
ويستهدف أيضا تحديد مداخل ممكنة لتفكير من شأنه خلق نقاش وطني بناَّء، والنهوض باجتهادات تشريعية وتنظيمية تساهم في إنجاح مسلسل الجهوية، كإصلاح مسؤول ومكتمل وشامل. 
وعلى المستوى الإجرائي، اعتمد التقرير على مجموعة غنية من المراجع المتخصصة المرتبطة بموضوع الجهوية، وتم فيه أيضا، انسجاما مع المقاربة التشاركية والتشاور الموسَّع الذي يعتمده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مختلف أعماله، تنظيم جلسات إنصات لمسؤولين كبار في الإدارة والمؤسسات العمومية، ولممثلي النقابات والمجتمع المدني، ولخبراء داخليين للمجلس وخبراء خارجيين، وذلك بهدف إغناء أعمال اللجنة[1].
وفي إطار الانفتاح على التجارب الدولية في هذا المجال، تم الاطلاع على تجربة كل من إسبانيا وفرنسا، من اجل استخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها في ورش الجهوية الذي انخرطت فيه بلادنا.

عناصر التشخيص والتحليل
أفضى التشخيصُ والتحليلُ إلى الخلاصات الأساسية التالية:
-     لئن كان هناك إجماعٌ على ما عرفته اللامركزيةُ من تقدّم وتطوّر مؤسّساتي، فإن المواقف تتباين، في المقابل، حول الأداء والنتائج، بل إن هناك بعض الشعور بالخيبة على هذا المستوى، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالجماعات، باعتبارها الوحدات الترابية التي استفادت أكثر من غيرها من الجماعات الترابية من سلسلة الإصلاحات المتوالية منذ أكثر من أربعين سنة، حيث مُنحَت لها صلاحيات واسعة وإمكانيات هامة، مقارنة بالوحدات الترابية الأخرى، وهي الأقاليم والعمالات التي افتقرت إلى الوسائل، وظل موقعها المؤسساتي غير واضح بما فيه الكفاية؛
-     يُعزى هذا الشعورُ إلى محدودية نجاعة وقدرة الجماعات على حل الإشكاليات المرتبطة بالتدبير المحلي، وإلى سيادة نمط من الحكامة شابته العديدُ من الاختلالات والنقائص، وأثار الكثير من التحفظ حول طريقة ممارسة الاختصاصات والنتائج المحصَّلة؛
-     من بين العوامل الأخرى التي لم تساعد كثيرا في تحديد مسؤولية المنتخبين المحليين، ناهيك عن إقرار مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، كقاعدة عامة في تقييم جودة التدبير المحلي،  ثِقْلُ الوصاية، نتيجة الحذر والإفراط في الضبط، يغذيهما نزوع قوي إلى المركزية، كإحدى الخصائص البارزة في الإدارة المركزية عموما؛
-     وفي نفس السياق، فإن النزوع  الممركز للإدارة الذي يعوق كل توجه نحو إقرار لاتمركز حقيقي وفعلي، يزيد من ضعف السلطة المحلية ويَحُول دون تطبيق مبدأ القرب، ودون اضطلاع المسؤولين المحليين بدورهم على أحسن وجه، مما يولّد الانطباع لدى البعض، إن لم نقل القناعة، بأن حلّ مشاكلهم يوجد لدى الإدارة المركزية، بل في يد مسؤول واحد فقط، وليس في أي مكان آخر؛
-     وغالبا ما تتداخل هذه النزعة المركزية مع رؤية تتعامل مع القضايا المحلية من منطق التجزيء والفصل فيما بينها، وهي رؤية تجد سندها في المساطر الإدارية المعقّدة والمنطق القطاعي الذي يحكم وضع ميزانية الدولة، وبالتالي في سيادة منهجية في تحديد وتحليل السياسات العمومية خاضعة لمقاربة عمودية، لا تعتمد التشاوُر مع المنتخبين المحليين والمجتمع المدني، ولا تستهدف تحقيق اندماج البرامج والعمليات في إطار برمجة مندمجة ومتجانسة تقوم على التنسيق بين مختلف القطاعات الوزارية؛
-     على مستوى تنمية وخلق الثروات، كأحد التحديات الكبرى المطروحة على صناع القرار الجهويين، وكوسيلة لا مناص منها لتقليص الفوارق الترابية، وضمان الحقوق الأساسية لكل المواطنين، بكيفية متساوية، وفي كل المجالات الترابية، والنهوض بأقطاب للتنمية الاقتصادية التنافسية، يُلاحَظ غياب رؤية استراتيجية جهوية، ووجود حاجة ماسة إلى تمويل هام، نظرا لحجم الانتظارات المشروعة للمواطنين، التي لا يمكن تلبيتها فقط عن طريق الرفع، أيا كان حجمه، من الموارد المالية المنقولة إلى الجهات من طرف الدولة؛
-     مع انطلاق مسلسل تنزيل الجهوية المتقدمة، يُلاحَظ على مستوى القضايا المرتبطة بالتنمية البشرية والخدمات الاجتماعية، وخاصة فيما يتعلق بالأشخاص في وضعية إقصاء وهشاشة، وجود قصور من طبيعة مؤسساتية يتمثل في غياب مخاطَب رسمي جهوي يضطلع بالمسؤولية التي تقوم بها الدولة في المجال الاجتماعي، ويمكن مساءلته على المستوى الترابي، مما يفسح المجال لتعدد المتدخلين، وتكاثر آليات التدخل التي لا تحكمها رؤية موحَّدة، وينتج عن ذلك برامج ومشاريع يغيب عنها الاندماج والنجاعة؛
-     كرّس كل من الدستور والقانون التنظيمي حول الجهات الحضور الفعلي والوازن للمجتمع المدني والمهام المنوطة به، سواء على مستوى ممارسة الديمقراطية التشاركية أو الدور الذي يضطلع به في مسلسل الجهوية. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن هذه الممارسة لا تخضع لإطار ينظِّمها ويضبط حدودها، ويضفي النجاعة والفعالية على هذا النمط من المشاركة في الحياة العامة، ويحصِّنها ضد بعض التأويلات المتعسّفة وبعض التجاوزات التي قد تمس باستقلاليتها وانفتاحها وقوتها الاقتراحية؛
-     لا يولي صناع القرار الجهويون لمسألة المحافظة على الموارد الطبيعية وتثمينها الأهمية التي تستحقها، رغم أنها تشكل مصدرا لخلق الثروات والتنمية الاقتصادية وعمادا لكل سياسة في مجال إعداد التراب، تقوم على أسس سليمة ومستدامة؛
-     يأتي تنزيل الجهوية المتقدمة في وقته، لكي يصحح الاختلالات المؤسسية ويتدارك نقائص الحكامة المركزية والترابية، ويمنح السلطات والوسائل والآليات الكفيلة بضمان التوازن على مستوى توزيع الصلاحيات بين المركز والجماعات الترابية، بما فيها الجهات. ويحدد أيضا المستلزَمات والأدوات التي تضمن نجاعة التدبير الترابي، وتمكن من إنجاز الهدف الأساسي المنشود من هذا الإصلاح الكبير المرتكز على تحقيق رفاه المواطن، كما حدده صاحب الجلالة الملك محمد السادس في خطابه السامي الذي ألقاه، في 30 يوليو 2012، بمناسبة الاحتفال بعيد العرش، حيث أكد جلالته أن: "إقامة المؤسسات، على أهميتها، ليست غاية في حد ذاتها. كما أن النمو الاقتصادي لن يكون له أي معنى، إذا لم يؤثر في تحسين ظروف عيش المواطنين
-     إن مسلسل تنزيل الجهوية، اعتبارا للفلسفة التي توجهه، والمرامي التي يروم تحقيقها، يمثل تحديا كبيرا وورشا متعدد الأبعاد يتطلب تعبئة كل الفاعلين المعنيين، وحسن تحملهم للمسؤوليات الملقاة على عاتقهم. وبما أن الأمر يتعلق بإصلاح يهم الأجيال الحالية والقادمة، وأيضا بما اعتبره جلالة الملك "عمادا لما نعتزم إطلاقه من إصلاحات جديدة شاملة"[2]، فإن عملية تفعيله ستقوم على مجموعة من المراحل على المدى القريب والمتوسط والبعيد؛
-     يطرح تنزيل الجهوية المتقدمة، بمختلف أوراشها، تحديات متعددة ومتنوعة، وتتيح أيضا فرصا يتعين استغلالها بحكمة وتبصُّر، كرافعة لتعزيز البناء الديمقراطي ومحرك للتنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمستدامة والمندمجة في مغرب للجهات موحَّد ومتضامن.

مواطن اليقظة
قبل استعراض العوامل الأساسية لنجاح مسلسل تنزيل الجهوية، يبقى من المفيد، من بابالاستشراف والاحتراز، الاهتمام بالمخاطر المفترَضة التي قد تعوق تنفيذ هذا الورش الإصلاحي الكبير، وذلك من أجل استباق آثارها والعمل على تفاديها.

الظرفية السياسية
بما أن سنة 2016 هي سنة انتخابية، بما يقتضيه ذلك من انشغال بالتحضير للاستحقاقات التشريعية، فقد ينشأ بعض التخوف من ألا يتأتى، على الأقل داخل الآجال المنشودة وبالشكل المطلوب، الدعمُ الضروري الذي على الإدارة أن تقدمه في مواكبتِها للجهوية، والالتزام بالإصلاحات التي يتعين إنجازها بالتزامن مع تنزيلها، وخاصة على مستوى اللاتمركز، مما سيحرم الجهوية المتقدمة من سند أساسي في عملية تفعيلها.
الإدارة
هناك أيضا بعضُ التخوفات من بطء الإدارة في تفعيل مسلسل الانخراط في عملية اللاتمركز. وهكذا، فإن بعض الممارسات ذات النزعة الممركزة سواء فيما يتعلق في نقل الموارد أو الصلاحيات إلى الهيئات الترابية، قد تطفو من جديد على السطح، مما يمس بطبيعة هذا الإصلاح الضروري الذي طال انتظاره.
وهناك توجُّس كبير، على وجه الخصوص، من ألا يُفهم اللاتمركز ويطبّق سوى كعملية لمضاعَفة أعداد المصالح اللاممركزة، وإنشاء وكالات وطنية أو جهوية، بل واستنساخ للبنيات المركزية على المستوى الجهوي، وخلق بيروقراطية جهوية لا تتوفر على أي سلطة تقريرية حقيقية، ولا على وسائل التدخل المناسبة.
وفي نفس الاتجاه، يجب الحرص على ألا يتحول اللاتمركز إلى مركَزة للإدارة بالجهة، ذلك أن كل الجماعات الترابية يجب أن تستفيد من اللاتمركز، تطبيقا لمبدأي التفريع والقرب.
وأخيرا، قد ينشأ لدى الرأي العام بعض التخوف حيال ما يشعرون به من تردد أو بطء في أجرأة ممنهجة لقواعد الحكامة الجيدة، والتطبيق الفعلي لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، مما سيكون له أبعد الأثر في درجة ثقة المواطنين في المؤسسات الجهوية.

المجتمع المدني
على غرار كل الحقوق، وأخذا بعين الاعتبار المكاسب الكبرى التي حققتها بلادنا في مجال الحريات العامة، فإن ممارسة الديمقراطية التشاركية، إن لم تكن منظَّمة ومُهيكَلة ومحصّنَة ضد الممارسات السيئة والتأويلات المتعسِّفة، فإنها قد تبعدها عن غاياتها النبيلة، وهي المشاركة، وحق تتبع ومراقبة الشأن العام، والحوار المسؤول، من أجل الارتقاء بالمجتمع المدني إلى مستوى الشريك الذي يحظى بالمصداقية، وذي الصوت المسموع في مسار التنمية المندمجة والمستدامة للمجال الترابي، إلى جانب المؤسسسات الديمقراطية التمثيلية، وليس كبديل عنها.

التحقيق الفعلي للمقاربة على أساس النوع الاجتماعي
ثمة إجماع اليوم على وجاهة المقتضيات الدستورية والقوانين التنظيمية المتعلقة بالجماعات المحلية فيما يخص الاعتراف بالدور الهام للمرأة في المجتمع عموما، وفي تطور مؤسسات دولة الحق والقانون خصوصا. يتعين إذن على كل الفاعلين أن يعملوا على إدماج بعد النوع في مشاريعهم، وفي حصيلة منجزاتهم، ويمنحوه الأهمية والأولوية التي يستحقها.
التوصيات
أجرى المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، في إطار إعداد هذا التقرير، دراسة معمَّقة انصبت على مختلف جوانب الموضوع، معتمدا مقاربة تشاركية منفتحة على كل الحساسيات. وبناء على هذه الدراسة، صاغ مجموعة من التوصيات التي تقوم على ستة محاور:

I.    عوامل نجاح الجهوية

أ- توصيات مرتبطة بمجال العمل الحكومي

      -  ضمان نجاح المرحلة الأولية في تنزيل الجهوية
1. إطلاق مرحلة "تّملّك مسؤول" للجهوية، من أجل: أ) استيعاب أعمق لأسس الجهوية ومفاهيمها؛ ب) تشبُّع أكبر بمبادئها وقيمها؛ ج) معرفة دقيقة وإحاطة وافية بنطاق صلاحيات الجهات وتمييزها عن صلاحيات الدولة والجماعات الترابية الأخرى؛
2. إنشاء هيئة عليا، على المستوى الوطني، مكلفة بالقيادة الاستراتيجية للجهوية، وبالتتبع والتقييم، وصياغة تقرير سنوي لعرض خلاصاتها ومقترحاتها ذات الطابع القطاعي والشامل، وتتبع تطبيق توصياتها.
3.إحداث بنيات بين وزارية للدعم والمواكبة الإجرائية، على المستوى المركزي والجهوي، ونقاط للاتصال داخل القطاعات الوزارية المعنية بتنزيل الجهوية؛
4.العمل على دعم قدرات ونجاعة وزارة الداخلية، اعتبارا لدورها الريادي في تنشيط وتنظيم وضبط العلاقات بين المؤسسات والأطراف المعنية بتنزيل الجهوية؛

      -  الانخراط في مسلسل للاتمركز شامل ومكتمل
5. التعجيل بإعداد ميثاق اللاتمركز، باعتماد المقاربة التشاركية وإقرار لاتمركز شامل تدريجي وفي تطور مستمر، يهم كل المستويات التتنظيمية الترابية كقاعدة عامة، ويتوافق مع مبادئ وقيم اللاتمركز المعترف بها عالميا، ويقوم على نقل حقيقي متدرِّج للسلطات التقريرية وللوسائل المناسبة لكل مستويات التنظيم الترابي كي تضطلع بمهامها، ويجب أيضا وضع خارطة طريق للتنزيل، تحدد المراحل ذات الأولوية، والجدولة الزمنية لتفعيل اللاتمركز؛
6. توفر الجهة على إدارة جهوية تتمتع بسلطات تقريرية ، في إطار اللاتمركز، وذلك من خلال إحداث مديريات جهوية معززة بموارد بشرية ذات جودة ، ووسائل مالية ومادية كافية. ويتعين أن تنتظم هذه الادارة الجهوية في أقطاب إدارية لا ممركزة، كلما أمكن ، وذلك من أجل ترشيد استعمال الوسائل وتقليص النفقات.
7. وستضطلع هذه الادارة الجهوية بمهام من شأنها دعم عمل الولاة في تنسيق تدخلات الدولة على المستوى الجهوي ، وتنفيذ البرامج التعاقدية بين الدولة والجهة ، وتدبير العلاقة بين المصالح اللاممركزةللدولة والجهة.
      -  نقل الاختصاصات بمراعاة قدرات الحكامة لدى الجهات
8. إصدار النص القانوني الذي يؤطر عملية  نقل الاختصاصات المشتركة، كما ينص عليه القانون التنظيمي للجهات، على أساس شبكة لتقييم قدرات الجهات تقوم على نظام للتنقيط وعلى تصنيف للجهات، مما سيمكن من تقدير القدرات الحقيقية للجهات وإنجاز عمليات نقل الاختصاصات على أساس تعاقد مرتبط بمنظومة للتتبع والتقييم؛
9. تحديد حد أدنى مشترك من الاختصاصات التي يتعين البدء بنقلها إلى الجهات، مع إعطاء الأولوية للصلاحيات المرتبطة بمجالات وخدمات تهم مباشرة المواطنين وتؤدي إلى تحسين مستوى عيشهم.
10. تقليص إلى 12 شهرا المدة المحدَّدة لاستكمال المنظومة القانونية والتنظيمية للجهات.

      -  تثمين الوظيفة العمومية الترابية وإقرار مراقبة مواكِبَة للنفقات
11.تثمين الوظيفة العمومية الترابية، من خلال التسريع باعتماد نظام أساسي للوظيفة العمومية المحلية، حديث ومحفِّز ومنسجم، في خطوطه العامة ومبادئه، مع النظام الأساسي للوظيفة العمومية بالمغرب. ويتعين أن يخضع هذا الأخير، هو أيضا، لإعادة النظر قصد ملاءمته مع متطلبات الممارسات الجيدة في مجال التدبير الحديث والحكامة.
12.دعم ومساعدة رؤساء الجهة في ممارسة مهامهم، من خلال جلب أطر عليا عن طريق "الوضع رهن الإشارة" ولمدة محددة، لأطر عليا من أصحاب الخبرة والكفاءة من إدارات ومؤسسات عمومية، يعملون كمستشارين في مسالك الهندسة التقنية والمالية. وقد يكون من المفيد أيضا الاستعانة بكفاءات عليا في وضعية تقاعد.
13.إلغاء المراقبة القبلية وتعويضها بمراقبة مواكِبَة، وتعزيز المراقبة البعدية وتأطيرها وتنظيمها، انسجاما مع مبدأ "التدبير الحر"، ومن أجل تكريس منطق تقييم التدبير من خلال النتائج، المنبني على تعزيز مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

      -  تحسين اندماج وانسجام السياسات القطاعية على المستوى الترابي

14.استغلال الفرصة الثمينة المتمثلة في إعداد برنامج التنمية الجهوية، والتصميم الجهوي لإعداد التراب، واعتبارهما منطلقا لتحقيق الاندماج والانسجام بين السياسات القطاعية، والاستفادة من التشاور والحوار البناء وتبادل الأفكار  والرؤى الذي يصاحب عملية إعدادهما، من خلال إشراك كل الفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني المنظَّم (الجمعيات المهنية والنقابات والجمعيات العاملة في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني)؛
15.النهوض باندماج اعتمادات الميزانية المحدَّدة على أساس المهام وبرامج الدولة المشترَكة بين القطاعات، وتعميق حضور المقاربة الجهوية والمقاربة الترابية في برمجة قوانين المالية، ذلك أن هذه الأخيرة يجب أن تجسِّد، في شكل اعتمادات مالية، العقود المبرَمَة بين الدولة والجهات المتعلقة بنقل الاختصاصات والشراكة مع الدولة من أجل إنجاز البرامج والمشاريع التي تم تصورها وإعدادها بكيفية مندمجة على مستوى الجهة، وعلى أساس تخطيط تصاعدي؛
16.توسيع قواعد شمولية وإمكانية تحويل الاعتمادات بين فصول الميزانية، مما سيمنح الجهات المكلَّفة بالأمر بالصرف مرونة أكبر في التصرف في الميزانية الموضوعة رهن إشارتها وملاءمتها مع واقع وإكراهات تنفيذ المشاريع؛
17.النهوض بإدماج أفقي وقبلي للاعتمادات المالية، بالتفكير في تنظيم الاجتماعات المشتركة بين القطاعات، المخصَّصة لتحديد وبرمجة اعتمادات الميزانية، وتوجيهها لتدارس البرامج والعمليات التي تتطلب التنسيق بين القطاعات؛
18.النهوض بالتعاون بين الجماعات الترابية وتكريس صدارة المقاربة الجهوية فيما يخص الشؤون المحلية، مع اعتماد مقاربة نوعية ومعقلنة في معالجة القضايا الأفقية التي تتجاوز مجال اختصاصات الجماعات المعنية ونطاقها الجغرافي، وعلى وجه الخصوص بالنسبة إلى القضايا الاجتماعية والبيئية والضريبية وكل المبادرات الكفيلة بترشيد تدبير التجهيزات العمومية وخدمات المرافق العمومية.

ب- توصيات مرتبطة بمجال تدخل الجهة
      -  تزويد الجهة بإدارة ذات مقومات النجاعة
19. وضع بنيات إدارية غير معقَّدة وذات مساطر مرنة وتنظيم مُحكَم، تعتمد على أدوات تدبير حديثة وعلى التكنولوجيات الحديثة في الإعلام والتواصل؛
20. اعتماد سياسة للتوظيف والتكوين المستمر للموظفين على أساس دليل مرجعي للوظائف والكفاءات، والتدبير التوقعي للموارد البشرية. ويوصي المجلس بالحرص على حسن اختيار الكفاءات، وخاصة بالنسبة إلى الوكالات الجهوية لتنفيذ المشاريع، حيث من المفيد جلب الكفاءات بأعداد متناسبة مع الحاجيات الفعلية، من إدارات أخرى، عن طريق الإلحاق، والتوظيف الخارجي، على أساس عقود محدَّدة المدة، من أجل تفادي البيروقراطية الإدارية، في أجهزة يغلب على مهامها الطابع الإجرائي.

      -  إعداد رؤية استراتيجية لتنمية الجهة
21. إنجاز تشخيص دقيق في شكل تحليل يركز على نقاط القوة ونقاط الضعف والفرص والمخاطر المرتبطة بالجهة، استعدادا للمرحلة التالية التي ستفضي إلى إعداد استراتيجية التنمية الجهوية وتحديد المحاور ذات الأولوية لتنمية الجهة، والتي ستتم أجرأتها في برامج التنمية الجهوية؛
22. مباشرة عملية إعداد برنامج التنمية الجهوية بالتشاور والتنسيق مع كل الفاعلين المعنيين، والشروع في أجرأته بالاعتماد، على وجه الخصوص، على وكالات تنمية الأقاليم والعمالات، في إطار عقدة للتدبير المفوَّض للمشاريع، إذا استعصى أمر منحها صفة وكالات جهوية لتنفيذ المشاريع؛
23.إطلاق نقاش استراتيجي، بعد استكمال السنوات الثلاث الأولى من تنزيل الجهوية، من أجل إعداد التصميم الجهوي لإعداد التراب، وتحديد التوجهات الأساسية للجهة، مع الحرص على وضع أهداف متناسبة مع مؤهلات وخصوصيات كل جهة على حدة؛
24.وضع تدابير للمواكبة قائمة على التواصل والشفافية وتسهيل الولوج إلى المعلومات وتقديم حصيلة الأعمال بشكل دائم، من أجل إنجاح كل هذه المراحل.

      -  تعزيز مشاركة الفاعلين المؤسساتيين الترابيين
25.العمل على الاعتراف والتعريف بالأدوار التي ينيطها الدستور بالمجتمع المدني، والتوعية والتحسيس بأهميتها، وخاصة على مستوى المشاركة في إعداد وتتبع وتفعيل وتقييم السياسات العمومية؛
26.العمل على نشر ثقافة المساواة بين الجنسين والنهوض بها على المستوى الجهوي، وتعزيز عملية مأسسة المقاربة على أساس النوع الاجتماعي في كل استراتيجيات التدخل لدى مختلف الفاعلين، والرفع من قدرات النساء والرجال الذين يسهرون على تنزيل الجهوية؛
27. التسريع بإنشاء الهيئات الاستشارية المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالجهات، ومدها بوسائل العمل الضرورية، وسنّ مقتضيات تنظيمية للتشاور المنتظم مع المجلس الجهوي واللجان الدائمة المنبثقة عنه. وقد يكون من المفيد حضور ممثل عن هذه الهئيات، بصفة ملاحظ، في أعمال هذه اللجان، من أجل إعطاء الديمقراطية التشاركية معناها الحقيقي؛
28.وضع معايير تخضع لها عملية تأليف الهيئات الاستشارية للمجتمع المدني، من أجل ضمان استقلاليتها ونجاعتها، مع التنصيص على التنافي بين صفة المنتخَب وصفة عضو داخل المجتمع المدني؛
29.تنظيم لقاءات وندوات دورية لفائدة الهيئات الاستشارية لعرض التوجيهات وتوضيح الاختيارات والتقييم، بهدف تبادل الآراء وإشراك هؤلاء الفاعلين في عمليات التفكير، وفي إعداد وتتبع وتقييم مشاريع الجهة الداخلة في نطاق اختصاصاتهم؛
30.النهوض بآلية طلب تقديم المشاريع في أوساط الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، على أساس دفتر تحملات دقيق، تؤطره عقود الأهداف-الوسائل، ويخضع  للافتحاص والتقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة؛
31.التفكير في إعداد ميثاق جهوي، يستفيد من المكاسب الكبرى التي حققتها بلادنا في مجال الحريات العامة، كرصيد يساعد في توفير الشروط اللازمة لضمان الشفافية والصرامة في ممارسة الديمقراطية التشاركية، وعلى وجه الخصوص عن طريق: أ) تحديد نطاق هذه الممارسة وتشجيع المشاركة المواطِنة والحرص على مراعاة تنوّع الفئات المعنية، وتمثيلية مختلف الأجيال، وضمان تمثيلية النساء والرجال؛ ب) وضع القواعد المنظمة لمسألة تمثيلية واعتماد الجمعيات والمنظمات غير الحكومية، كشريك يحظى بالمصداقية في جهود التنمية وفي النهوض بالحوار المدني المسؤول؛ ج) تحديد كيفيات تنظيم عمليات التشاور وضمان وسائل العمل والموارد التي يتعين وضعها رهن إشارة الجمعيات والمنظمات غير الحكومية؛ د) توفير أدوات تفعيل وتتبع وتقييم هذا الميثاق؛
32.التفكير في اعتماد آلية منظَّمة، على المستوى الجهوي، للتشاور والحوار التشاركي، والتي يمكن أن تستحضر في كيفية تسييرها وتمثيليتها نموذج المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
33.توسيع حقل المشاركة ليشمل الجامعة التي يتعين أن تشكل شريكا أساسيا ودائما للجهة في جهود التفكير والخبرة والمشاركة في ورش بناء جهة المستقبل.

.II النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة

34.اعتبار النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية منطلقا وأرضية أساسية، ونهج المقاربة المنهجية المعتمَدة في إعداده، عند وضع برامج التنمية الجهوية، مع تكييف ذلك النموذج مع خصوصيات كل جهة ومؤهلاتها؛
35.تشجيع الجهات على الاضطلاع بدور أكثر نجاعة يتكامل مع ما تقوم به الدولة والقطاع الخاص في مجال تنشيط دينامية التنمية التي يشهدها المغرب، من خلال امتلاك روح المبادرة والإبداع وتعبئة الخبرة والكفاءات المحلية واستغلال المؤهلات المادية وغير المادية التي تزخر بها كل جهة؛
36.تشجيع المسؤولين الجهويين على أن يدمجوا في استراتيجيتهم التنموية مسألة توفير بيئة مناسبة للاستثمار الخاص، كرافعة أساسية للنمو ولخلق الثروات وفرص الشغل؛
37.اتخاذ قرارات واضحة ملزِمة كي يتم، بشكل ممنهج، إدماج  الأبعاد المرتبطة بإنعاش الشغل، والتحقيق الفعلي للمقاربة القائمة على أساس النوع، والمحافظة على البيئة، في برنامج التنمية الجهوية؛
38.اتخاذ التدابير الضرورية لضمان تضافر الإرادات والطاقات، بهدف خلق بيئة سليمة ومحصَّنة ضد الممارسات غير الجيدة، وكفيلة بالرفع من جاذبية المجال الترابي، واستقطاب المستثمرين الخواص الوطنيين والأجانب، الباحثين عن فرص استثمار جيدة؛
39.إعداد ميثاق للتعاون الاقتصادي والاجتماعي الجهوي، تلتئم حوله الدولة والجماعات الترابية والقطاع الخاص والغرف المهنية والمركزيات النقابية. ويقوم هذا الميثاق على مجموعة من المحاور الأساسية، وهي الالتزام المتبادل، على المستوى الجهوي، بخلق مناخ من التشاور المتواصل والتعاون، مما من شأنه أن يساعد في فضِّ النزاعات المحتملة في إطار الحوار المسؤول والبناء؛
40.التفكير في إحداث هيئة استشارية لدى المجالس الجهوية، إضافة إلى الهيئات الثلاث المنصوص عليها في قانون الجهة، من أجل دعم الميثاق المذكور، تساهم في تعزيز ممارسة الديمقراطية التشاركية، وخلق مناخ اجتماعي واستثماري جيد، والنهوض بحوار جهوي اجتماعي من شأنه أن يفضي إلى إبرام اتفاقيات جماعية تساهم في فض نزاعات الشغل على المستوى الجهوي.
41.اعتماد استراتيجية للتسويق الترابي، بشراكة مع الفاعلين المعنيين، تقوم أساسا على توفير المعلومات وتثمين المؤهلات الجهوية والفرص الاستثمارية والمواكبة وتبسيط الإجراءات والمساطر، وتوفير الوعاءالعقاري،  والموارد البشرية المؤهّلة، وفضاءات للتنشيط الاقتصادي؛
42.تعزيز الشراكة مع الغرف المهنية التي يتعين تقوية أدوارها ووسائل عملها، وتوطيد علاقات الشراكة معها، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالنهوض بالأنشطة الجهوية، مع إعادة تحديد وتجديد سبل التعاون مع هذه الغرف، وإعطائها صبغة عملية. ومع انطلاق الجهوية المتقدمة، فإن الغرف المهنية مطالَبة بحضور أقوى على مستوى تحفيز النشاط الاقتصادي الجهوي والنهوض بالتسويق الترابي؛
43.تحديد وتنمية توجه أساسي للجهة، ما عدا في الحالات الاستثنائية، يجسد هويتها  وعلامتها الجهوية، ويؤدي إلى الاستغلال الأمثل لمؤهلاتها، وإعطاء الانطلاقة في الجهة لمشاريع مهيكِلة تشمل مجالات الربط داخليا وخارجيا، والارتباط بشبكات التواصل، وتثمين المؤهلات الجهوية المادية وغير المادية، وضمان ازدهار الأنشطة الاقتصادية التنافسية؛
44.النهوض بـثقافة "الذكاء الاقتصادي الجهوي"، في إطار تعزيز التنافسية الجهوية والوطنية، ومواكبتها بمجموعة من الاستراتيجيات، خاصة في مجال تنمية اقتصاد المعرفة والبحث والابتكار والتمكن من الإعلام والتكنولوجيات الحديثة؛
45.اعتماد شراكة بين الدولة والجهات، لاسيما تلك التي تتوفر على مؤهلات اقتصادية وصناعية مهمة، تضطلع فيها الدولة بدور ريادي لتنمية ثقافة "الذكاء الاجتماعي الجهوي"،  من خلال تعبئة الكفاءات الجهوية، وتطوير استراتيجية خلق أقطاب للتنافسية على المستوى الدولي؛
46.وضع منظومة جهوية للإعلام الإحصائي دقيقة وموثوقة، وموضوعة رهن إشارة كل المستعملين، باعتبارها شرطا لازما لمقاربة الإشكاليات التنموية وأداة ثمينة للمساعدة على اتخاذ القرار؛
47.إطلاق عملية إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، في أفق إلحاقها في المدى المنظور بالجهات، من خلال الارتقاء بها إلى مستوى مؤسسات عمومية جهوية، مع توسيع اختصاصاتها، وتعزيز وسائل عملها، على أن تضم أجهزة مراقبة هذه المراكز ممثلين عن الجهة والقطاع الخاص. ويتعين أن ينصب هذا الإصلاح أساسا على توجيه مهامها نحو النهوض بالاستثمارات بشراكة مع الغرف المهنية ومع الجهة، وتحري اليقظة والتسويق الترابي ومواكبة المقاولات في المرحلة الموالية لإنشائها، وعلى وجه الخصوص المقاولات الصغرى والمتوسطة؛
48.إنشاء قطب جامعي مندمج في الجهات التي لا تتوفر بعد على مؤسسة من هذا القبيل، وعقد شراكة استراتيجية بين الجهة والجامعة من أجل: أ) تقريب الجامعة من محيطها الجهوي؛ ب) النهوض باقتصاد المعرفة والبحث في مجال التنمية، ج) الإسهام في تأطير الدراسات والأبحاث المرتبطة باستراتيجية التنمية الجهوية، وخاصة في مجال خلق الثروات وفرص الشغل؛
49.العمل على تملُّك الفاعلين الاقتصاديين على الصعيد الجهوي والمجالي لآليات المساعدة في مجال المقاولات والآليات المرتبطة بها، وتشجيع التكامل بين أعمال مجالس الجهات والمراكز الجهوية للاستثمار والغرف المهنية والقطاعات الوزارية المعنية، من أجل جعل هذه الأدوات في متناول الجمهور المستهدَف وأجرأتها على أوسع نطاق؛
50.تشجيع المبادرات المحلية، وخاصة في العالم القروي، في مجال إنشاء المقاولات وإنعاش الشغل، من خلال استغلال الفرص الكبرى والامتيازات التي يتيحها الاقتصاد الاجتماعي والتضامني في علاقة بالأنشطة الجديدة التي يتعين النهوض بها في الوسط القروي؛
51.توسيع وتنمية أسواق ترويج منتجات الوحدات العاملة في مجال الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، وتشجيع توسيع شبكة التجارة التضامنية والمنصفة للمنتجات المحلية وللصناعة التقليدية المغربية؛
52.إقرار آليات تفضيلية وإضفاء المرونة على مساطر منح الصفقات المتعلقة بالأشغال والتزويد بالمواد لفائدة المقاولات الجهوية الصغرى والمتوسطة والصغيرة جدا، وخاصة بمناسبة إطلاق البرنامج الطموح لتأهيل المناطق النائية والمعزولة؛
53.النهوض بروح الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بمختلف آلياته (التعاونيات والجمعيات والتعاضديات)، والارتقاء به إلى مستوى استراتيجية للتنمية الترابية، كي يتسنى له الاضطلاع بدور يتكامل مع استراتيجية التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة للجهة، ويؤهله للاستفادة استفادة حقيقية وملموسة من دعم كافٍ و بشروط محددة ضمن إطار تنظيمي متناسب مع مؤهلات كل جهة.

      III.  الارتقاء بالتنمية الاجتماعية إلى مستوى استراتيجية جهوية
54.وضع استراتيجية للتنمية الاجتماعية الجهوية، تشكل امتدادا إجرائيا على المستوى الجهوي للاستراتيجية الحكومية للتنمية الاجتماعية، وتحدد الأهداف والمسؤوليات والبرامج وآليات الحماية والتضامن الاجتماعي وأيضا وسائل التنفيذ. ويتعين أن تتلاءم هذه الاستراتيجية مع واقع الجهة وتقوم على العمل التضامني والمتكامل مع السلطات العمومية والجماعات الترابية والمجتمع المدني، بعيدا عن أي تأويل ضيق لمجال الاختصاصات. وقد يشكل الميثاق الاجتماعي الذي أعده المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي منطلقا لإعداد هذه الاستراتيجية الاجتماعية الجهوية؛
55.تدارك انعدام تمثيلية للهيئات الإدارية المختصة المكلفة بالقضايا الاجتماعية، تضطلع بالمسؤولية التي تقوم بها الدولة في المجال الاجتماعي، وتتكفل هذه التمثيلية على وجه الخصوص، على المستوى الإجرائي، بالخدمات الاجتماعية الأساسية وتدبير الشبكات الاجتماعية في مجال مكافحة الإقصاء والحد من الاختلالات الاجتماعية وأوجه الهشاشة؛
56.التفكير في إنشاء قطب اجتماعي، على المستوى الجهوي، وذلك في إطار اللاتمركز الإداري، يتكفل، بشراكة مع الجماعات الترابية الأخرى، والمجتمع المدني بتفعيل السياسة الوطنية في المجال الاجتماعي. ويتعين أن يعتمد هذا القطب بين الوزاري مقاربة شاملة ومندمجة في معالجة القضايا الاجتماعية، على مستوى البرمجة وتفعيل العمليات والمشاريع، ويعمل على تحقيق التكامل والانسجام بين تدخلات مختلف الفاعلين في المجال، وترشيدها (القطاع الوزاري المكلف بالشؤون الاجتماعية، والجماعات الترابية، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وصندوق التأهيل الاجتماعي للجهة، وصندوق التنمية القروية، ووكالة التنمية الاجتماعية، والتعاون الوطني، والصحة، الرياضة والشباب...).

      IV.  تعزيز الموارد المالية للجهات
57.تحديد سبل مبتكَرة ومنصِفة ومتناسبة مع حاجيات الجهات في مجال التمويل، لتوزيع الموارد المالية والضريبية، بما في ذلك موارد صندوق التأهيل الاجتماعي وصندوق التضامن بين الجهات، مع اعتماد معايير ومؤشرات يُراعى فيها أساسا مستوى التنمية البشرية والتجهيزات العمومية والبنيات التحتية والمعدل العام للنشاط في الجهة؛
58.التفكير في نظام للتنقيط والتصنيف يراعي كل هذه المتغيرات، من أجل تحقيق هدف أساسي يتمثل في ضمان إعادة توزيع منصف للموارد، والحد من الفوارق الجهوية، وضمان الخدمات الأساسية على قدم المساواة لكل المواطنين والمواطنات. ويتعين إحداث منظومة للتتبع والتقييم من أجل قياس النتائج المتحققة وتقييم طريقة تدبير الاعتمادات المخصّصة للجهة؛
59.الإسراع بإصلاح النظام الجبائي المحلي، كرافعة لتنمية موارد الجماعات الترابية، وتحسين مناخ الأعمال، من خلال تبسيط المساطر والتقليص من عدد الاقتطاعات وضمان الانسجام والتجانس مع النظام الضريبي الوطني؛
60.اللجوء إلى الاقتراض في حدود مؤطرة، وسقف محدد وبكيفية معقولة متناسبة مع قدرات الجهات على الاقتراض، مع ترجيح كفة القروض ذات الكلفة التفضيلية التي يمكن تحملها. وقد تبادر الدولة إلى وضع خطوط ائتمانية امتيازية لفائدة الجهات، وخاصة تلك التي يقل معدل تنميتها عن المعدل الوطني؛
61.النهوض بأنشطة ومشاريع مبتكرة تؤدي إلى خلق الثروات، عن طريق الاستغلال الأمثل والمعقلن للمؤهلات الجهوية الاقتصادية والثقافية والسياحية والبيئية، وفي مجال الصناعة التقليدية، مما سيمكن من توفير وتنمية موارد مالية إضافية لفائدة الجهة وساكنتها، ومن المفيد في هذا الصدد إنشاء شركات للتنمية الجهوية بشراكة مع القطاع الخاص، كرافعة يتعين التسريع بتفعيلها وتشجيعها، من خلال إقرار إجراءات تحفيزية بمبادرة من الجهة؛
62 . توسيع  المنظومة القانونية للشراكة بين القطاعين الخاص والعام لتشمل الجماعات الترابية، وجعلها تستفيد، بصفة خاصة، من آليات "الحوار التنافسي"، بهدف سد حاجتها الواضحة إلى الخبرة والتمويل. وقد يكون من الأفيد عقد شراكة ثلاثية الأطراف بين الدولة والقطاع الخاص والجهة؛
63 .تعزيز قدرات الجهات على الاقتراض، والتفكير في تفعيل الصلاحية التي يمتلكها صندوق التجهيز الجماعي للاضطلاع بدور بنك للإيداع للجماعات الترابية، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بالتدبير المركزي للمداخيل الضريبية وشبه الضريبية للجماعات الترابية، وتخصيص عائدات هذا التدبير لتخفيض نسب فائدة القروض المقدَّمة من طرف صندوق التجهيز الجماعي إلى الجماعات الترابية؛
64 .المراقبة الصارمة لتطور نفقات التسيير، وخاصة تلك المتعلقة بالموظفين، عن طريق تحديد سقف أعلى لهذه النفقات، وتفادي أي تضخم لا يمكن التحكم فيه؛
65 .النهوض بالتعاون الدولي اللامركزي الذي قد يشكل حلا مناسبا لتعبئة التمويلات الإضافية. وهذه التمويلات، وإن كانت محدودة، فإنها تمنح المنتخبين فرصة ثمينة لاكتساب التجربة والاستفادة من الخبرة الأجنبية. وقد تفتح آفاقا هامة أمام عقد شراكات استثمارية مفيدة جهويا ووطنيا؛
66 .تجسيد مبدأ الملوث-المؤدي على أرض الواقع، وهو مبدأ منصوص عليه منذ 1995 في القانون المتعلق بالماء، كما أنه ورد ضمن مقترحات اللجنة الاستشارية للجهوية، وذلك من خلال سن رسم بيئي تستغل مداخيله لتمويل برامج ومشاريع المحافظة على البيئة عموما، والاقتصاد في الموارد المائية خصوصا؛
67 . وضع آليات مؤطِّرة قانونيا، تضمن للجهة، وبصفة خاصة الساكنة المعنية، الاستفادة من عائدات الثروات والمشاريع الكبرى العامة أو الخاصة الواقعة في مجالها الترابي.

.V حماية الموارد الطبيعية وتثمينها
68 . وضع آليات مخصَّصة لحماية وتثمين الموارد الطبيعة، في تنوعها وبكل مكوناتها الجهوية؛
69 . تفعيل سياسة جهوية إرادية تُراعى فيها مقتضياتُ إعداد التراب والاستدامة؛
70 . إعداد مخططات مناخية جهوية متعلقة بالتغيرات المناخية والوقاية من المخاطر والحد من أثار الكوارث الطبيعية؛
71 . تفعيل القوانين والتنظيمات المرتبطة بالبيئة والساحل، والمناطق المحمية والقانون الإطار 99-12؛
72 . الاستغلال المستدام والناجع لما تتوفر عليه الجهات من مخزون غني وهائل من الطاقات المتجددة، مع تبني برامج فعالة هادفة في مجال النجاعة الطاقية  والاستفادة منه في تنمية "اقتصاد أخضر" جهوي.

.IV إنشاء منظومة قارة للتقييم والتواصل
73 . تنظيم منتدى وطني كل ثلاث سنوات، يستفيد من خلاصات المنتديات الجهوية التي يتعين أن تنعقد خلال الفترة السابقة على تنظيمه. ويتمثل الهدف من هذا المنتدى في وضع حصيلة للمنجزات وتبادل التجارب والممارسات الجيدة واستخلاص الدروس؛
74 .إعداد استراتيجية للتواصل والإعلام المنتظم تساعد على النهوض ببيئة إعلامية تعمل على نشر وترسيخ قيم المواطنة ونشرها، وتكريس الشفافية وحق الولوج إلى المعلومة؛
75 .توفير الشروط المواتية لتوسيع دائرة الولوج إلى الإنترنت، وتطوير الحكومة الإلكترونية، وإنشاء حوامل إعلامية في شكل منشورات جهوية دورية ومواقع إلكترونية تفاعلية للجهات؛
76 .إنشاء وتطوير محطات إذاعية وتلفزية جهوية.


[1]انظر بالملحق لائحة جلسات الإنصات.
[2]من خطاب صاحب الجلالة محمد السادس في 9 مارس 2011.​