كتب قانونية

السبت، 13 أغسطس، 2016

المرابحة في معاملات المصارف الاسلامية.

المرابحة في معاملات  المصارف الاسلامية.
















مرابحه في معاملات مصارف اسلاميه

murabaha in islamic banking transactions - al-murabaha dans les transactions bancaires islamiques


 المرابحة في معاملات المصارف الإس
وهبة الزحيلي
 
المرابحة لغة: النماء والزيادة، وفقهاً في أصلها: أنها بيع ما ملكه شخص بما قام عليه؛ وبزيادة ربح، أو بيع بمثل الثمن الأول مع زيادة ربح، كأن يشتري شخص سلعة بمئة، ثم يبيعها بمئة وعشرة، فالعشرة ربح زائد على الثمن الذي اشتراها به المالك. وهي من بيوع الأمانة؛ لذا يشترط فيها ـ كما سيذكر ـ علم المشتري بالثمن الأول، وبالربح الزائد المقطوع، أو بالنسبة المئوية كخمسة أو عشرة بالمئة.
أما المرابحة للآمر بالشراء: فهي بيع السلعة المشتراة بعد تملكها وحيازتها حين يتم بيعها لمن أمر بشرائها بربح مضموم إلى أقساط سداد الثمن؛ بناء على وعد ملزم للراغب بالشراء بقبول الشراء؛ بثمن مؤجل أو مقسط. وهو بيع مشروع بشرط ألا يتخذ جسراً للوصول إلى الربا، بأن يكون العقد صورياً لا حقيقة، أو يتم من دون حيازة، أي إن هذا البيع يكون بثمن التكلفة مضموماً إليه مقطوع كعشرة أو نسبة مئوية يتفق عليها الطرفان، كما يتفقان على آجال سداد الأقساط.
وتعدّ المرابحة للآمر بالشراء من أدوات الاستثمار القصيرة الأجل، فهي من العقود الكثيرة التي تلجأ إليها المصارف الإسلامية؛ لأن مهمتها الاستثمار، وليس التعامل بالنقود بفائدة، فيلجأ الشخص إلى هذه المصارف لشراء سيارة مثلاً بثمن مقسط غالباً، مظهراً رغبة بذلك لمصرف إسلامي، فيشتري المصرف السيارة المرغوب فيها من العميل، ويتملكها بإيجاب وقبول، متضمناً خيار شرط لمدة معيّنة كأسبوع مثلاً، خشية أن ينكل العميل عن الشراء، ثم يتسلمها المصرف إما بقبض حقيقي وإما حكمي بنفسه عن طريق مندوب عنه أو وكيل، حتى يكون البيع لشيء مملوك مقبوض؛ بثمن هو مليون أو أقل أو أكثر مثلاً، ثم يبيعها المصرف للعميل الذي أبدى رغبته بشرائها، ووعد بالشراء، وذلك بثمن مقسط مشتمل على ربح بنسبة 6 أو 7% مثلاً، ويكون هذا البيع بعد وجود وعد من العميل بالشراء، ووعد من المصرف بالبيع.
مرحلتا هذا البيع: يتم هذا البيع على مرحلتين:
المرحلة الأولى: وهي التي يتم فيها إعلان الراغب رغبته بالشراء واعداً المصرف بالشراء، ويقابله المصرف بوعد ببيع السلعة.
المرحلة الثانية: يتم فيها إبرام عقد بيع جديد بين المصرف والعميل، فيشتري المصرف السلعة، ويتملكها ويقبضها؛ حتى لا يكون هناك بيع الشيء قبل قبضه، وهو ممنوع شرعاً؛ تحقيقاً للاستقرار في المعاملات، وامتناع المنازعة، إذ قد لا يتمكن المصرف من الشراء. وليس للمصرف توكيل العميل بالشراء والقبض إلا عندالتعذر.
ويحسن الإقلال من عقد المرابحة على هذه الصورة، لما فيها من صورية العقود أحياناً، ويكون الإكثار منها مؤدياً لتهمة الإقراض بفائدة.
مشروعيتها: أول من أجاز هذه المعاملة الإمام الشافعي رحمه الله، حيث قال في كتابه «الأم 3/33»: "وإذا أرى الرجلُ الرجل السلعة، فقال: اشترِ هذه، وأربحك فيها كذا، فاشتراها الرجل، فالشراء جائز، والذي قال: أربحك فيها بالخيار: إن شاء أحدث فيها بيعاً، وإن شاء تركه". وهذا يدل على أن الإمام الشافعي أباح هذا التعاقد بشرط وجود الخيار للعميل بين إبرام البيع أو تركه، ويكون للبائع الحق في تضمين شرائه السلعة خيار الشرط، فلا تشتمل الصفقة على وعد ملزم للطرفين، وهو ما يسمى بالمواعدة.
وقد أقر مجمع الفقه الإسلامي الدولي هذه المعاملة بشرط التملك والقبض؛ في قراره رقم 13 (1/3).
لكن ذهبت المصارف الإسلامية إلى الأخذ برأي بعض المفتين المعاصرين الذين قالوا بإلزام الوعد للجانبين. وأقر مؤتمر المصرف الإسلامي الثاني بالكويت هذا القول بإلزام الوفاء بالوعد فيما كان له سبب، ودخل الموعود من أجله في نفقة وكلفة؛ وعملاً بقول الحسن بن شُبرمة: إن كل وعد بالتزام لا يُحل حراماً ولا يحرم حلالاً؛ يكون وعداً ملزماً قضاء وديانة. وقد أورد ابن حزم في كتابه (ج8 رقم المسألة 1125) قول ابن شبرمة، وعبارته هي: "الوعد كله لازم، ويقضى به على الواعد ويجبر" وهو أيضاً قول إسحاق بن راهويه والحسن البصري.
ويؤكد هذا الاتجاه أن الوفاء بالوعد واجب ديانة؛ حتى لا يكون الواعد متصفاً بصفات المنافقين، قال النبيr:"أربع من كنّ فيه كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خصلة منهن، كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر" (أخرجه الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة إلا ابن ماجه، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما).
ونقل العلامة الزبيدي عن شيخه أن أكثر العلماء على وجوب الوفاء بالوعد، وتحريم الخُلْف فيه؛ ولأن المسلمين عند شروطهم، كما أبان ابن القيم في (أعلام الموقعين 1/386 وما بعدها).
شروط المرابحة: يشترط في المرابحة العادية وفي كل مرابحة شروط خمسة هي:
1ـ علم المشتري بالثمن الأول: لأن العلم بالثمن شرط في صحة بيوع الأمانة (وهي المرابحة والتولية والوضيعة والإشراك)؛ لأنها كلها تعتمد على أساس الثمن الأول (أي رأس المال) فإذا لم يُعْلم الثمن الأول؛ فالبيع فاسد إلى أن يعلم في المجلس، فإذا لم يعلم حتى افترق العاقدان عن المجلس؛ بطل العقد لتقرر الفساد.
والثمن يشمل المدفوع فعلاً بصفة ثمن؛ مع المصروفات المعتبرة.
2ـ العلم بالربح: ينبغي أيضاً أن يكون الربح معلوماً؛ لأنه بعض الثمن، والعلم بالثمن شرط في صحة هذه البيوع.
3ـ أن يكون رأس المال (الثمن الأصلي) من المثليات (وهي المكيلات من حبوب مثلاً، والموزونات كالقطن والحديد)، والذرعيات التي تباع بالذراع أو المتر أو الياردة ونحوها كالأقمشة والعدديات المتقاربة كالجوز والبيض)، وهذا شرط في المرابحة والتولية (البيع بمثل الثمن الأول)، سواء تم البيع مع البائع الأول أم مع غيره في رأي الحنفية، وسواء أكان الربح من جنس الثمن الأول أم لم يكن إذا كان شيئاً مقدراً معلوماً، كدرهم أو دينار ونحوهما.
فإن كان الثمن الأول مما لا مثل له كالسلع والأمتعة (العروض التجارية) لا يجوز بيعه مرابحة ولا تولية ممن لا يكون الشيء في ملكه؛ لأن المرابحة تشتمل على زيادة ربح على الثمن الأول. والتولية: بيع بمثل الثمن الأول. فإن باعه ممن ليس في ملكه ويده، لم يجز بيعه مرابحة؛ لأن العوض ليس في يد المشتري ولا ملكه، ولا يجوز بيعه منه بقيمته؛ لأن قيمته مجهولة تعرف بالحزر والظن، وفيه يختلف أهل التقويم.
4ـ ألا يترتب على المرابحة في أموال الربا كالنقود والمطعومات وجود الربا بالنسبة إلى الثمن الأول، كأن يشتري المطعوم كالقمح والأرز بجنسه مثلاً بمثل، فلا يجوز له أن يبيعه مرابحة، أي بزيادة؛ لأن المرابحة بيع بمثل الثمن الأول وزيادة، والزيادة في أموال الربا من النقود والمطعومات تكون رباً، لا ربحاً. وكذلك لا يجوز بيعه وضيعة (أي بخسارة)؛ لأن النقص مثل الزيادة هو ربا.
فإن اختلف الجنسان كحنطة بشعير، أو نقود سورية بدولار؛ فلا بأس بالمرابحة، كأن يشتري ديناراً بعشرة دراهم، أو نقداً في دولة بنقد دولة أخرى، فباعه بربح زائد على أصل الثمن الأول، كزيادة درهم على الدينار، أو ضم سلعة معيّنة إلى الثمن الأول، فيجوز؛ لاختلاف جنس العوضين.
 5ـ أن يكون العقد الأول صحيحاً: فإن كان البيع الأول فاسداً كبيع بثمن مجهول؛ لم يجز بيع المرابحة؛ لأن المرابحة بيع بالثمن الأول مع زيادة ربح، والبيع الفاسد يَثْبت الملك فيه في رأي الحنفية بقيمة المبيع أو بمثله، لا بالثمن المسمى؛ لفساد التسمية (البدائع 5/220ـ222، فتح القدير 5/254، المبسوط 13/91).
أما شروط المرابحة للآمر بالشراء إضافة إلى الشروط المتقدمة؛ فهي ثلاثة:
 أن تتم المرابحة بمقتضى وعد من المشتري بالشراء، والوعد ملزم، كما تقدم.
 أن يكون المصرف قد تملك السلعة وقبضها إما حقيقة وإما حكماً.
 ألا تكون هذه المرابحة عملاً صورياً على الورق فقط من غير تملك ولا قبض، حتى لا تكون مجرد جسر للإقراض بالفائدة.
 وقد طبق هذا العقد في المصارف الإسلامية بصفتها وسيطاً بين المصدِّر والمستورد؛ مع تحمل مخاطر التملك، ويكون التأمين على المبيع قبل المرابحة؛ على المصرف لا على العميل.
أحكام فرعية أخرى لهذه المرابحة يمارسها المصرف:
أ ـ الوساطة في بيع حصة من مصنع إلى عميل بالمرابحة جائزة: بأن يتملك المصرف الحصة وهي الأسهم، ثم يبيعها إلى راغب فيها، وتحدد أقساط الثمن بصورة نافية للجهالة؛ على أن يقدم الواعد ضماناً بسداد الأقسام كرهن أو كفالة أو خطاب ضمان.
ب ـ تملك أسهم وبيعها بالمرابحة: للمصرف تملك بعض الأسهم في الشركات التي تتعامل بطرق حلال، فلا يحل تملك أسهم بنك تجاري مثلاً، ثم يبيعها لعميل بالمرابحة المؤجلة بعد تملك البنك الإسلامي شهادات الأسهم وقبضها. ولا مانع عند الحاجة من توكيل العميل بالشراء لمصلحة البنك، ثم بعد إتمام الشراء، وإشعار البنك بذلك، يقوم البنك ببيعه بالمرابحة.
ج ـ الاعتماد في حساب الربح على المؤشر الربوي: يمنع شرعاً اعتماد الفائدة لحساب الربح، أو ربط الأجل مستقلاً بالمقابل.
د ـ تجديد المرابحة من دون تسلم الأقساط: يجوز تجديد المرابحة بعقد مرابحة جديدة تتم مع العميل السابق، فيستفيد من الأجل مع تثبيت المديونية دون زيادة عليها؛ لأن جدولة الديون مع زيادة في مظلة المرابحة الثانية ممنوع شرعا؛ لأن الزيادة فائدة محظورة.
هـ ـ تمويل مواد مصنوعة أو أقمار صناعية مثلاً: يجوز للمصرف اعتماد المرابحة في شراء مواد مصنوعة كالكبلات الكهربائية أو محركات سيارة أو طائرة ونحوها أو تصنيع قمر صناعي؛ لما فيه من خدمات نافعة إعلامياً وثقافياً. أما استخدام القمر الصناعي لمفسدة أو ضرر إعلامي؛ فعلى مسؤولية من يستعمله؛ لأن الأدوات الحديثة تصلح للخير أو الشر، والمسؤول عنها هو من يستعملها (الأجوبة الشرعية في التطبيقات المصرفية، عبد الستار أبو غدة: ص 21 ـ 23).
شبهات حول المرابحة للآمر بالشراء: يثير هذا التعاقد بعض الأسئلة من أناس لا يميزون بين الحلال والحرام، وينظرون إلى ربح المرابحة على أنها مثل فائدة البنوك، وأن المرابحة مجرد قرض بفائدة. والواقع أنه ليس في هذه المعاملة أي فائدة ربوية؛ لأن الحكم على المعاملات لا يكون بالنظر إلى الظواهر، أو إلى النتائج من غير مراعاة الوسائل، والوسيلة هنا هي بيع صحيح لشيء مملوك، والمصرف يشتري فعلاً السلعة كسيارة ونحوها، ولكنه ككل تاجر يشتري أشياء؛ ليبيعها إلى غيره، ومن حق كل بائع أن يربح، وأن يبيع نقداً (في الحال) أو مؤجلاً أو مقسطاً، ولا يشترط بقاء السلعة عند البائع حتى يبيعها مرّة أخرى.
وقد يقول معترض: إن هذه المعاملة من قبيل "البيعتين في بيعة". وهذا أيضاً غير صحيح؛ لأنه لا يوجد فيها بيعتان، وإنما هي بيعة واحدة، ولكنها مستندة إلى وعد ببيع السلعة فعلاً. والمراد بالبيعتين في بيعة، كما يقول الإمام الشافعي وغيره: أن يقول البائع: بعتك هذه السلعة بألف نقداً، أو بألفين إلى سنة، فخذ بأيهما شئت أنتَ، وشئت أنا. قال ابن الرفعة الشافعي: إن المسألة مفروضة على أن المشتري قبل على الإبهام (أي لم يعين أي صفقة يريد؛ أهي نقداً أم بالتقسيط) أما لو قال: قبلت بألف نقداً فقط، أو بألفين نسيئة (أي إلى أجل)؛ فيصح ذلك (نيل الأوطار 5/152، ط/ العثمانية المصرية).
وربما يقول معترض: إن هذه المعاملة من بيع ما لا يملك أو من بيع ما لم يقبض، وهو بيع المعدوم أو بيع الشيء قبل القبض. والجواب أن هذا الكلام غير صحيح؛ لأن المصرف الإسلامي يبيع السيارة ونحوها للعميل، بعد أن يمتلكها ويشتريها، ويقبضها بنفسه أو بوكيله، وتكون المسؤولية عن هلاك السيارة قبل التسليم واقعة على المصرف، لا على العميل.
ويقول آخر: هذه المعاملة من بيع العينة، وبيع العينة حرام، وهو شراء السلعة من بائعها الأول بثمن نقدي أقل بعد أن باعها بثمن مؤجل أكثر، وهي بيع صوري يستحلون فيه الربا باسم البيع، والجواب واضح؛ وهو أن المرابحة ليست بيعاً للبائع الأول، وإنما هي بيع لعميل جديد يريد شراء السلعة بثمن مقسط، دون وجود أي عقد سابق بينه وبين البنك.

مراجع للاستزادة:

ـ يوسف القرضاوي، بيع المرابحة للآمر بالشراء كما تجريه المصارف الإسلامية (طبع دار القلم، طبعة ثانية، الكويت 1405هـ/1984م).
ـ وهبة الزحيلي، المعاملات المالية المعاصرة (هيئة الموسوعة العربية، ط/أولى، دمشق 1428هـ/2007م).
المصدر: http://www.arab-ency.com/_/details.law.php?full=1&nid=164452