كتب قانونية

الجمعة، 28 أكتوبر، 2016

من المسؤول مدنيا عن حقن المريض بدم ملوث ؟ دة. أسماء أحيد

من المسؤول مدنيا  عن حقن المريض بدم ملوث ؟     دة. أسماء أحيد















من المسؤول مدنيا

عن حقن المريض بدم ملوث ؟



دة. أسماء أحيد

منتدبة قضائية إقليمية رئيسة

بمحكمة النقض


عالج القرار الصادر عن محكمة النقض عدد 113بتاريخ 25/02/2014 في الملف المدني عدد 4265/1/3/2014 موضوع المسؤولية المدنية عن إصابة شخص أثناء العملية الجراحية بمرض معد بسبب حقنه بدم ملوث، فتضاربت خلاله وجهات نظر محاكم الموضوع عن تحديد المسؤول المباشر عن تلوث الدم وظروف تلوثه، لتحسم بعد ذلك محكمة النقض في قرارها المذكور أعلاه في النازلة وحملت كل من مركز تحاقن الدم والمصحة والطبيب الجراح جميعهم المسؤولية الكاملة باعتبارهم مشاركين في الخطأ ومتضامنين في حصول الضرر وبالتالي لزم بعدها تشطير قيمة تعويض المريض فيما بينهم، لكن لماذا محكمة الموضوع اعتبرت مركز تحاقن الدم وحده مسؤول مسؤولية كاملة؟ وما سندها في ذلك؟ ولماذا محكمة النقض جعلت المسؤولية مشتركة بين كل أطراف العقد ما دامت لم تثبت ولم تبرر مسؤولية طرف دون آخر،  وما هو الأساس القانوني الذي اعتمدته في تشطير المسؤولية؟.
تتلخص وقائع النازلة في كون مريض خضع لعملية جراحية على القلب كان في حاجة ماسة إلى مادة الدم فاقتنته المصحة من مركز تحاقن الدم وبعد تزويدها به وحقن المريض تبين أنه ملوث باعتبار أن صاحبه كان مريضا بمرض معد فتضرر كثيرا وأصبح يعاني من عدة أمراض خطيرة والتمس الحكم له بالتعويض. وبعد إجراء خبرة طبية قضت المحكمة الإبتدائية على المصحة ومركز تحاقن الدم بأدائهما للضحية المدعي تضامنا بينهما تعويضا مدنيا، وقضت محكمة الاستئناف بعد الطعن في الدعوى بكون أن مركز جراحة القلب والشرايين والطبيب الجراح لم يرتكبا أي خطأ طبي وغير مسؤولين عن الضرر الذي أصاب المريض ما دامت كمية الدم المطلوبة تم تسليمها من طرف مركز تحاقن الدم الذي يعتبر المانح الرسمي للمستشفيات والمصحات وبالتالي يتحمل كامل المسؤولية، فتم تعديل الحكم بتحميل مركز تحاقن الدم وحده كامل المسؤولية وبأدائه التعويض الكامل المحكوم به لفائدة المريض المدعي. 
وبعد الطعن بالنقض أصدرت محكمة النقض قرارا يعد موقفا فريدا وحديثا  للتوجه القضائي في مجال المسؤولية الطبية، وعللت في قرارها كون محكمة الموضوع لم تتأكد من المسؤولية المباشرة لأحد الأطراف الثلاثة أو مدى تداخل مسؤولية كل الأطراف عن الخطأ الطبي المرتكب لعدم وجود قرائن قوية تؤكد أن الإصابة بمرض معد لها علاقة بعدم قيام مركز تحاقن الدم بواجبه، وبالمقابل لم تنف كل من محاكم الموضوع ومحكمة النقض أن مصدر الإصابة بناء على  الخبرة الطبية هو الحقن بدم ملوث دون تحديد لظروف تلوثه، وعليه استخلصت محكمة النقض في قرارها ضرورة تطبيق مقتضيات الفصل 100 ق.ل.ع الذي ينص على ما يلي: " إذا تعدد المسؤولون عن الضرر وتعذر تحديد فاعله الأصلي من بينهم أو تعذر تحديد الكيفية التي ساهموا بها في الضرر فإنه يطبق الحكم المقرر في الفصل 99 ق.ل.ع وجاء في الفصل 99 المذكور: " كل واحد منهم يسأل بالتضامن عن النتائج دون تمييز".
 وهذا هو القرار المطعون فيه بالنقض، والذي كرست فيه محكمة النقض بعض المبادئ القانونيةالجديدة التي دفعتنا إلى مناقشتها من كل الزوايا التي تثيرها إشكاليات العقد الطبي وآثاره بين المتعاقدين في حالة تدخل ومساهمة عدة جهات في تقديم الخدمات العلاجية وكذا المسؤولية المدنية المشتركة فيما بينهم والتضامن في التعويض.
فكان حريا بنا أن نبحث من خلال تعليقنا على هذا القرار الذي يعد سابقة قضائية على مستوى محكمة النقض بدليل أنه بعدما استقر القضاء المغربي منذ مدة على حصر تحميل مركز تحاقن الدم المسؤولية الكاملة عن توريد الدم الملوث للمستشفيات والمصحات، نجدها- محكمة النقض- في هذا القرار قد أخذت توجها جديدا غير مسار أساس المسؤولية في العمل الطبي نحو الخطأ المشترك وخلق اجتهادا قضائيا جعل توزيع المسؤولية بين مركز تحاقن الدم والمصحة والطبيب الجراح بناء على معطيات واقعية خلصت بمبادرة جريئة سابقة إلى توجيه المحكمة المطعون في قرارها نحو تطبيق مقتضيات الفصل 100 الذي يحيل على الحكم المقرر في الفصل 99 من ق.ل.ع لحل النزاع، وهذه هي النقاط التي سنناقشها في تعليقنا على القرار المشار إليه أعلاه:

المطلب الأول:  رأي القضاء في حقن المريض بدم ملوث.

كيفما كانت طبيعة التدخل الجراحي، فإنه لا يخلو من ضرورة الاستعانة ببعض الأعمال المخبرية كالتشخيص الدقيق واستعمال الأشعة والحقن بالدم المناسب للمريض نوعا وكما أثناء العملية الجراحية، على أن تكون الفحوص التمهيدية التي يخضع لها شاملة ودقيقة خاصة ما يتعلق بفصيلته الدموية. فالدم له أهمية بالغة في حياة الإنسان باعتباره عضو من أعضاء الجسم، وإن كان عضوا سائلا دائم الدوران في الجسم الحي، فإذا أصيب شخص بمرض معد يحضر عليه التبرع به حتى لا تنتقل العدوى من الشخص المصاب إلى الشخص السليم حماية لحق المجتمع في الصحة، وقد تم تنظيم قوانين خاصة بنقله وحقنه[1] بعد مراقبته فعليا من طرف الدولة التي تسهر على حسن تتبع الأعمال البيولوجية التي يقوم بها المركز الوطني لتحاقن الدم والمراكز الجهوية الموزعة على مختلف المدن المغربية باعتباره المؤسسة العمومية الوحيدة التي يجوز لها احتكار مادة الدم ومراقبة صلاحيته والمصادقة على جودته وخلوه من العيوب والأمراض وتوزيعه على المصحات والمستشفيات العمومية.
فمن صميم عمل مركز تحاقن الدم الذي يربطه بالمصحة عقد توريد يتضمن التزاما لصالح المرضى بتوريد دم سليم من كل الأمراض ويتضمن هذا العقد اشتراطا لمصلحة الغير، مع العلم أن الطبيب الجراح المتعاقد مع المصحة أو العامل بها بشكل نظامي غير ملزم بإعادة تحليل الدم من جديد في المختبر، بل ملزم بطلبه في حالة الخصاص وحقن المريض بالكمية التي يحتاجها أثناء العملية الجراحية مع الحرص على مطابقة الفصيلة الدموية من باب التزامه بتحقيق نتيجة وعلى علاجه من باب التزامه ببذل عناية[2] فتكون مسؤوليته ثابتة إذا خرج عن القواعد والأصول الطبية التي تقتضي منه السهر على سلامة صحة المريض بيد أن مركز تحاقن الدم كمرفق عمومي تتوفر لديه كل الوسائل العلمية والتقنية لضمان سلامة صحة المواطنين بتقديم دم سليم وتحديد فصيلته على وجه الدقة والسرعة وتقديمه خال من العدوى المرضية.
وهذا ما يخول الحق للمريض في الرجوع على مركز تحاقن الدم، وهو التزام ينشأ لفائدته بمقتضى قيام اشتراط  لمصلحته في عقد التوريد الذي أبرمته المصحة مع المركز المتوفر على مختبرات متخصصة في فحص الدم وتصفيته قبل تسليمه للمستفيد، وفي حالة تسليم دم غير سليم وجب عليه الضمان وبالتالي لا يقع تعارض بين التزام الطبيب الجراح بوسيلة تجاه المريض وبين التزام مركز تحاقن الدم تجاه المصحة والمريض بتحقيق نتيجة محددة هي سلامة الدم من العيوب، ولا تخرج من زمرة ذات الالتزام علاقة المصحة بالمريض بمقتضى عقد الاستشفاء، غير أن محكمة النقض لم يسبق لها أن أفصحت صراحة عن طبيعة التزام مركز تحاقن الدم باعتباره مرفقا عموميا وأن الخطأ المرتكب من طرفه يعد خطأ مرفقيا يخضع لمقتضيات الفصل 79 من ق ل ع.
وخلافا لذلك نجد أن محكمة النقض الفرنسية[3]  قد اعتبرت في أحد قراراتها أن مراكز تحاقن الدم لا يمكنها التهرب من المسؤولية بإثبات وجود سبب أجنبي ـ والذي تخرج من زمرته العيوب الموجودة بالدم ـ ويقول بأن عقد توريد الدم عن طريقها يجعلها مسؤولة في حالة تسليم دم ملوث. بينما المصحة ملزمة فقط بالحيطة واليقظة تجاه المريض ولا يدخل في إطار العمل التجاري ما تشتريه من دم أو تبيعه[4]. بيد أنه استقر القضاء الفرنسي لزمن على اعتبار مركز تحاقن الدم مسؤولا عقديا تجاه المرضى عن إصابتهم بالسفليس ويتحمل تجاههم التزاما بتحقيق نتيجة[5]. وبقي نفس التوجه معمولا به لمدة طويلة، فصدر قرار عن نفس المحكمة بتاريخ 28 نونبر 2001 جاء فيه: أن العقد بين المركز والمصحة هو عقد توريد الدم من أجل تحقيق الخدمة الطبية، وبأن المركز ملزم بتسليم دم سالم من كل عيب مرضي وأن التزامه هو تحقيق نتيجة من جهتها[6]. كما يعد الطبيب الجراح مسؤولا عن خطئه في وصف نوع فصيلة الدم للمتلقي[7]، واعتبر كذلك مسؤولا عقديا تجاه الضحية عن المواد المستعملة في حالة تضرر المريض[8]. بينما صدر عن قرار فرنسي شهير عن استئنافية باريس بتاريخ 28 نونبر 1991 استبعد تماما مسؤولية الطبيب، معتبرا أنه ليس مسؤولا عن مراقبة جودة الدم المورد، وأن العيب الموجود به لا يدخل في إطار اختصاصه الطبي[9].
وبالتالي تصبح المؤسسة الإستشفائية مسؤولة عن عدم قيامها بالواجب الذي سبب مباشرة الضرر للمريض دون أن تبحث المحكمة عن عنصر العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، لأنه عندما يكون عمل طبي ضروريا للتشخيص أو العلاج فيه خطر مؤكد وإمكانية تحققه استثنائية، فإن مسؤولية المرفق الطبي تتحقق إذا كان تنفيذ هذا العمل هو السبب المباشر لأضرار لا علاقة لها بحالة المريض السابقة، ولا بالتطور المتوقع لهذه الحالة، وكانت هذه الأضرار تمثل درجة استثنائية من الجسامة كالإصابة بعدوى التعفن أو بفيروس الإيدز المنقول عن طريق حقن الدم.

والقول بأن مسؤولية الطبيب الجراح عن إصابة المريض بدم ملوث مسؤولية قطعية يعد تصورا مجحفا في حق المتمرس لمهنة الطب، فكان حريا بمراعاة بعض الملابسات المحيطة بالطبيب الجراح  خاصة وأن الخطأ الطبي لم يطل جراحة القلب بل لحظة حقنه بالدم اللازم، فهل الطبيب مسؤول عن جودة الدم ومكوناته وعن مدى تعقيم آليات الجراحة وجودتها وهل تعد مسؤوليته مفترضة؟ وفي خضم الإكراهات العملية هل يمكن اعتبار الطبيب الجراح مسؤولا عن حقن المريض بدم ملوث دون البحث عن أسباب تأسيس هذا الطرح عمليا وقانونا؟ وهل كان القضاء قد اعتاد سابقا على اعتباره كذالك دون إثبات؟ وكيف يمكن للقضاء أن يستنتج مسؤولية الطبيب مع العلم أنه ملزم ببذل عناية كما استقر على ذلك القضاء المغربي؟.
   لقد سبق لمحكمة النقض أن تواترت على اعتبار الخطأ العقدي يتجسد في عدم تنفيذ المدين للالتزام الذي يفرضه عليه العقد ويربطه بدائنه، وأن العقد يوجب على الطبيب بأن يقدم علاجا يتضمن الانتباه وتطبيق قواعد علم الطب، وبالموازاة يبقى على المريض إثبات عدم التزام طبيبه بالعناية به..  ولا أدل على ذلك ما جاء في حيثيات قرار صادر عن المجلس الأعلى سابقا "...وحيث إن التصرف الذي أقدم عليه مركز تحاقن الدم ينطوي على خطأ جسيم ليس في حاجة إلى إثبات، لأن أوراق الملف ومستنداته ووقائع الدعوى لا تدع مجالا للشك في ثبوت مسؤولية أحد المرافق التابعة للدولة، مما يكون معه الدفع بخصوص عدم قيام المسؤولية غير مرتكز على أساس" وبالمقابل استبعدت مسؤولية المصحة والطبيب الجراح  واعتبر مركز تحاقن الدم مسؤولا مسؤولية كاملة لأن خطئه جسيم 11.  
فعادة الطبيب الجراح تربطه بالمريض شبكة من الالتزامات المختلفة قليل منها ببذل عناية وكثير منها بتحقيق نتيجة12، ولا يقصد بذلك حصر كل الالتزامات من هذه الطبيعة التي تقع على عاتق الطبيب وإنما فقط معالجة أهمها. فهناك التزامات تتصل بالواجب الإنساني والأخلاقي للطبيب، ثم هناك التزامات تتصل بالأعمال الفنية ومنها الأعمال المخبرية واستعمال الأشعة ونقل الدم إلى غير ذلك. والطائفة الثالثة من الالتزامات هي ضمان السلامة عند استخدام آلات التشخيص والأعمال الجراحية في العلاج، فالفقه الفرنسي أكد واستقى من العمل القضائي أن الطبيب يساءل غالبا عن عدم التزامه بتحقيق نتيجة لما يستعمله من مواد حادة معيبة13، فما يصيب المريض من أضرار في فترة الاستشفاء قد يرتبط احتمالا ومباشرة بما يتلقاه من علاج 14.
لكن متى يمكن أن يكون الطبيب الجراح مسؤولا عن الضرر الذي يصيب مريضه مثل الإصابة بمرض معد بسبب دم ملوث حتى وإن كان السهر على جودة الدم لا يدخل في إطار عمله العلاجي؟ هل يساءل عن الضرر دون حاجة لإثبات الخطأ؟ ما نعلمه هو وجود أضرار تكون أحيانا ناتجة عن عمل الطبيب نفسه وهناك أضرار ناتجة عن استعمال الآلات الطبية أثناء العلاج، وفي كلتا الحالتين لا تعتبر مسؤولية الطبيب مفترضة بل واجبة الإثبات حسب المقتضيات العامة للمسؤولية المدنية.
بينما القضاء الفرنسي كان واضحا في توجهه فاعتبر أن الطبيب يتحمل التزاما بالسلامة تجاه المريض كلما استعمل آلة طبية تسببت للمريض بضرر والعدوى المرضية لا تخرج عن زمرتها. فقد صدر سابقا قرار فرنسي 15 قضى بأن العيب الذي يتضمنه الدم المحقون للمريض وإن كان خفيا ويشكل سببا أجنبيا فإنه لا يبرئ ساحة مركز تحاقن الدم المورد للمصحة من التزامه بالسلامة ولا من مسؤوليته تجاه المريض، وهذا القرار غير مسار القضاء الفرنسي في الموضوع لأنه سابقا كان يتحمل كل من مركز توريد مادة الدم والمصحة المسؤولية بالتضامن بسبب حقن المريض بدم ملوث16.  

المطلب ثاني :   تشطير المسؤولية بين الجراح  والمصحة ومركز تحاقن الدم.
عندما أصيب المريض بوعكة صحية وقصد المصحة للعلاج كانت غايته العلاج والتداوي في مؤسسة طبية محددة بعينها، ونعلم أن المصحة هي كل منشأة معدة لاستقبال المرضى وفحصهم وعلاجهم، ويكون مرخص لها قانونا بمزاولة أنشطة طبية محددة أو متعددة ويعمل بها مجموعة من الأطباء في مختلف التخصصات، لكن ما هي العلاقة التي تربط الطبيب الجراح بالمصحة، وما موقف المريض المتضرر من العدوى المرضية التي أصيب بها داخل المصحة ومن المسؤول عنها؟.
لما استبعدت المحكمة الابتدائية مسؤولية الطبيب الجراح واعتبرت كل من  المصحة ومركز تحاقن الدم مسؤولين بالتضامن بينهما في تعويض الضحية لوجود احتمال تلوث الدم أو أن الأدوات الطبية غير معقمة وتحمل أمراضا معدية، كان حكمها أقرب إلى الصواب على اعتبار أن الشخصين المعنويين يجمعهما عقد يحمل في طياته اشتراطا لمصلحة الغير -المريض- وهو عقد يتضمن التزامات متبادلة بين الطرفين تنتج حقوقا لفائدة المريض وهي تمتيعه بخدمات علاجية وحفظ سلامته الجسدية وحياته، غير أن توجه محكمة الاستئناف في استبعادها المصحة والطبيب الجراح من دائرة المسائلة دون تعليل سندها القانوني أو الواقعي في ذلك يجعل قرارها مجحفا ولا يحقق التوازن الذي ينبغي أن يطبع العلاقة التعاقدية الثلاثية بين أطراف العلاج، هذا ما جعل محكمة النقض تنقض القرار المطعون فيه وتقترح الحل القانوني في حالة غياب قرائن تثبت الطرف المسؤول مباشرة عن الضرر. فأكدت في قرارها أنه كان لزاما على محكمة الموضوع أن تبحث عن العلاقة السببية بين عنصري الخطأ والضرر لإثبات السبب المباشر لإصابة المريض بالعدوى.
فحاول القضاء من خلال هذا القرار أن يؤكد من حيث المبدأ أنه لا تثار المسؤولية المشتركة بين الجراح والمصحة ومركز تحاقن الدم إلا في حدود الممارسة التعاقدية التي تربط كل الأطراف المتدخلة والتي تستلزم إعمال القواعد العامة للمسؤولية المدنية لتعويض المريض عن الضرر الصحي ما دامت تثار صعوبة التمييز بين العمل الطبي الفني المقدم من قبل الطبيب الجراح والرعاية التي تلتزم المصحة بتقديمها للزبون وواجب مركز تحاقن الدم في توريد المادة بجودة عالية وخالية من العيوب، فتعدد المتدخلين في عقد العلاج خلص فيه تقرير الخبرة الطبية كون أصل العدوى هو الحقن بالدم الملوث لكن لم تستطع تحديد الفاعل الأصلي، ولما استنتجت محكمة الاستئناف مسؤولية المركز فإنها أسستها على مبدأ المسؤولية المفترضة لمرفق عام يحتكر كل الاستعمالات الخاصة بمادة الدم ومشتقاته، وبالتالي وجبت مسائلته عن خطئه ولا يعفيه كون الدم به عيب خفي.
وبالنظر إلى ما جاء في مقتضيات المادة 6 من الظهير الشريف رقم 133-95-1 الصادر في 19 من صفر 1416 بتنفيذ القانون رقم 94-03 المتعلق بالتبرع بالدم البشري وأخذه واستخدامه: "لا يجوز أن يؤخذ الدم التام لأجل التبرع به أو استخدامه لأغراض علاجية إلا من لدن دكتور في الطب أو تحت مسؤوليته وبالمرافق التابعة للدولة دون سواها...". وهذه المادة تحمل الطبيب الجراح المعالج المسؤولية عن خطئه في حالة تجاوزه مضمونها فيما يخص حدود اختصاصه، لكن لم تشر المادة لمسؤولية المؤسسات الصحية مع العلم أن قرارا صادر عن محكمة النقض جاء فيه ما يؤكد أن العلاقة التي تربط الأطباء الزائرين بالمصحة – ولو بصفة مؤقتة- لا تنتهي بانتهاء العملية الطبية التي أجريت لزبون تحت رغبته  بل أن تضع بين يديه وسائل وتجهيزات طبية لازمة وصالحة للاستعمال، فتعتبر حينها المصحة مسؤولة مدنيا عما يرتكبه الأطباء من أخطاء أثناء ممارستهم لعملهم تحت عهدتها، وبحكم التبعية بمقتضى العقدة الخاصة المبرمة بينهما قبل إجراء العملية الجراحية17.
 وجاء في قرار آخر أن: "..... ومن جهة ثالثة فإن إحضار الوسائل والأدوات التي يعمل بها الطبيب من طرف المصحة التي تستقبل المرضى لإجراء العمليات الجراحية والاستشفاء بها لا يستلزم النص على ذلك في نص خاص، وإنما يخضع للقواعد العامة التي تفرض على كل مصحة تتقاضى أجرا عن الاستشفاء وإجراء العمليات الجراحية والتي يقدم لها الطبيب تجربته العلمية أن تقوم بإحضار الوسائل والأدوات التي يحتاجها في العملية الجراحية ومنها إحضار كمية الدم الكافية عندما يتطلب الأمر ذلك"18
 وإذا ثبت أمام القضاء أن الضرر الذي أصاب المريض سببه خطأ الطبيب وخطأ المصحة فإنهما يصبحان مسؤولين معا مدنيا ومتضامنين في التعويض متى تحققت شروط التضامن19. مع العلم أن أساس العدل يقتضي أن يتحمل كل شخص نتيجة خطئه وتجاوزه وحده دون غيره، فلا ينبغي أن نشطر المسؤولية لمجرد التخمين بتعدد المسئولون وتعذر تحديد الفاعل الأصلي، بل ينبغي اللجوء لكل وسائل الإثبات الممكنة ومنها الخبرات المتعددة والقرائن، فالدم الذي يسلمه المركز لمشتريه من البديهي أن يحمل على واجهته نوع الفصيلة وصلاحيته وخلوه من الأمراض، ومع ذلك يكون ملوثا بعدوى وبالتالي لا تعتبر البيانات التي يحملها الدم قرينة على خلو ذمة المركز من أية مسؤولية، وبالتالي صار لزاما الاستعانة بأكثر من خبرة تقنية وطبية لمعرفة مرتكب الخطأ من بين العناصر الثلاثة.
ومحكمة النقض لما اعتبرت أن خطأ كل من المصحة والطبيب ومركز تحاقن الدم مؤسس على عدم تنفيذهم للواجبات المعهود بها في عقد الاستشفاء الذي يفرض على المصحة أن تجند كل آليات العمل لتسهيل عمل الأطباء لفائدة المرضى20لأداء واجبهم وتقديم خدمات علاجية للمرضى زبناء المصحة تنفيذا للواجبات الطبية والإنسانية وواجبات أخرى تفرضها أنظمة المصحة التي يعمل بها21، وقد جاء في مقتضيات المادة  من القانون المذكور أعلاه 10:
"-لا يتم تسليم الدم أو مشتقاته إلا بطلب مكتوب من طرف الطبيب المعالج.
-لا يجوز أن تباشر عملية حقن الدم إلا بناء على تعليمات طبية وتحت مسؤولية طبيب وفقا للقواعد التي تحدد بنص تنظيمي.
-لا يمكن أن يتم حقن الدم إلا في وسط علاجي"22.
وهذا يفيد أن الخروج عن هذه المقتضيات يعد خطأ على أساس أن مفهوم هذا الأخير انطلاقا من المادة 78 من قانون الالتزامات والعقود هو ترك ما يجب فعله أو فعل ما كان يجب الإمساك عنه وذلك من غير قصد لإحداث الضرر، وأنه عندما تقوم بين أطراف الخصومة رابطة عقدية فإنها وحدها تعتبر أساسا لتحديد حقوق والتزامات كل طرف تجاه الطرف الآخر، وبالتالي فإصابة المريض بعدوى مرضية أثناء استشفائه داخل المصحة يعتبر امرأ محتملا إما من خلال الأدوات غير المعقمة أو بسبب انتشار ما يصطلح عليه طبيا بles infection nosocomiale) ) والتي أسس فيها القضاء الفرنسيتوجها قضائيا مميزا؛وإما كون  مركز تحاقن الدم مسؤولا  لما يتمتع به من احتكار لمادة الدم ومراقبة جودتها وتزويد المصحات والمستشفيات بها حسب الطلب بمقتضى قوانين؛ بيد أن اعتبار الطبيب مسؤولا عن العدوى المرضية يطرح العديد من التساؤلات مادامت طبيعة عمله تستبعد مبدئيا نقل العدوى للمريض إلا عن طريق أدوات الجراحة التي تضعها المصحة في خدمته أو في حالة كونه مصابا شخصيا بمرض معد.
 ولما رأت محكمة النقض أنه استعصى على محكمة الموضوع حل النزاع وتحديد المسؤول المباشر عن الضرر، وفي آن واحد استبعدت أسباب مسؤولية المصحة والطبيب علما أن عملية حقن المريض بالدم تمر بعدة مراحل متلاحقة وهي تسلم الدم من المركز ونقله إلى المصحة وحقن الطبيب للمريض بأدواتها، وهي كلها عناصر لم تعمق بشأنها المحكمة المطعون في قرارها البحث حتى تتوصل لمسؤولية أحد الأطراف أو تداخل أعمالهم في ارتكاب الخطأ فتعمد حينئذ إلى تطبيق الفصل 100 ق.ل.ع الذي ينص إذا تعدد المسؤولون عن الضرر وتعذر تحديد فاعله الأصلي من بينهم أو تعذر تحديد الكيفية التي ساهموا بها في الضرر فإنه يطبق الحكم المقرر في الفصل 99 ق.ل.ع. وهذا الفصل سيمكن محكمة الموضوع من إعادة تعميق البحث عن الفاعل الأصلي لإثبات العلاقة السببية بين الخطأ والضرر الحاصل للمريض تأسيسا لقواعد المسؤولية المدنية خاصة بعدما تضاربت وجهات نظر محاكم الموضوع في حل النزاع وإسناد المسؤولية للمخطئ.
 وهذا التوجه الجديد لمسار محكمة النقض غايته إحقاق الحق للطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية وتثبيت قواعد التضامن في مجال المسؤولية المدنية والمسؤولية الطبية بشكل خاص دون تحيز تجاه طرف دون آخر وذلك من خلال إعمال نصوص قانون الالتزامات والعقود مادام القضاء المغربي بقي وفيا لفكرة الخطأ الواجب الإثبات في تأسيس المسؤولية المدنية عموما والمسؤولية الطبية خصوصا، وكذلك مادام التشريع المغربي متحفظ في تنظيم القوانين المتعلقة بالحق في الصحة العامة للمرضى على غرار التشريع الفرنسي.


[1] - مرسوم رقم 20-94-2، صادر في 22 من جمادى الآخرة 1416، لتطبيق القانون رقم 94-03، المتعلق بالتبرع بالدم البشري وأخذه واستخدامه، الجريدة الرسمية الصادرة بتاريخ 13 رجب 1416، 6 ديسمبر 1995.
- ظهير شريف رقم 133-95-1، صادر في 19 من صفر 1416، بتنفيذ القانون رقم 94-03، المتعلق بالتبرع بالدم البشري وأخذه واستخدامه، الجريدة الرسمية الصادرة  بتاريخ 25 ربيع الأول 1416،  23 أغسطس 1995.


[2]- Cass., 1ère ch civ, 28 nov 1991,RDS, T3 , som com., p 30

[3] -  Cass, ch civ, 14 nov 1995, Bull.Civ, 1995, I, n°414..

[4] - P.Sagro : "Réflexions sur les accidents médicaux et la doctrine jurisprudentielle de la cour de cassation en matière de responsabilité médicale", D, 1996, p 345

[5]-  Martin Lebeau :"Responsabilité et contamination poste transfusionnelle ", G P, num. spéciale, droit de la santé, 17 juin 1999, p 35/s.

Cass, 28 nov, 2001, Bull  d'information, 1èr  fév 2002, n 549, p 5/s - [6]

Cour d' Appel de Versailles, 30 mars 1989, JCP, 1990, éd g, II, 21505, note Dorsner Dolivet - [7]

Cass, 1ère ch civ, 17 fév 1971, D, p 289. /Rev. tri.dr.civ, 1971,p 662.- [8]

Cour d' Appel de Paris, 28 nov 1991, JCP, 1992, II, 2179,  note M. Haari.- [9]

11 -  قرار المجلس الأعلى، عدد 267 بتاريخ 26/3/1996، إداري عدد 180/5/1/1997 مجلة قضاء المجلس الأعلى،  عدد خاص بالقضاء الإداري،  عدد 51، السنة 20،  ص 68 وبعدها.

12  -Cass. 1ère ch, 28 juin 1989, RDS 1990, T3,20 sept 1990, p 413 /s. note Yannick Dagorne.Labbe

13 - Yvon Lambert-Faivre  « Le droit du dommage corporel système d’indemnisation » D, 1993, Ed 1993,  p 53 .
-  للمزيد انظر أسامة أحمد بدر" ضمان مخاطر المنتجات الطبية- دراسة مقارنة" دار الكتب القانونية، طبعة 2008، ص 199 وما بعدها.
14 - عبد الحميد البنية، محسن عبد الحميد إبراهيم البنية " نظرة حديثة إلى خطأ الطبيب الموجب للمسؤولية المدنية في ظل القواعد القانونية التقليدية"، مكتبة الجلاء المنصورة، طبعة 1993،   ص 23.
15 - C.A de Paris, 28 nov 1999, J C P, éd g, 1992, II, 21797,  note Harichaux .

16- Cass. 1ère ch civ, 12 avril 1995, G.P, 1995-2-344 note J.Guigue. / JCP, éd g, 1995, I, 3893, n 20, note G Viney.

17- قرار المجلس الأعلى  1081/9، بتاريخ 4/07/2001، ملف جنحي عدد 4186/98، منشور بمجلة القضاء والقانون، عدد 146، السنة 30، ص 123 .

18 القرار عدد 1795 الصادر بتاريخ 20 أبريل 2010 - في الملف عدد 129/1/3/2008. منشور بمجلة محكمة النقض عدد 74 ص 119 وبعدها.

   - قرار المجلس الأعلى، الغرفة الأولى،القسم الثاني، عدد 574 بتاريخ 26/02/1992، مدني 1281/87 غير منشور.

19 -Cass. 1ère ch civ, 9 janv 1973, Bull Civ, I, n°13.
     - Cass. 1ère ch civ, juin 1976, JCP, 1976, II, 8483, note R.Savatier.


20 - Cass. 1ère ch civ, 26 mai 1999, RSD,p164/.JCP, 1999,éd g,II, 1012, note P. Sagro.
21- Cass. 1ère ch civ, 4 juin1991, JCP,1991, éd g, II, p21730.

22– المادة 10 من ظهير شريف رقم 133-95-1 صادر في 19 من صفر 1416 بتنفيذ القانون رقم 94-03 المتعلق بالتبرع بالدم البشري وأخذه واستخدامه.