كتب قانونية

الخميس، 27 أكتوبر، 2016

تعميم الاجتهاد القضائي : مساهمة في خدمة العدالة ذ.محمد عبدالنباوي

تعميم الاجتهاد القضائي :  مساهمة في خدمة العدالة  ذ.محمد عبدالنباوي















تعميم الاجتهاد القضائي :  مساهمة في خدمة العدالة

ذ.محمد عبدالنباوي                                                             

تقديــــــــم

إذا كان التشريع يعبر عن اختيارات الأمة ومصالحها العامة، فإن الاجتهاد القضائي يتميز بكونه يضمن استمرارية القواعد التشريعية، من خلال ملاءمتها مع الوقائع و النوازل، فالتشريع بما يتميز به من عمومية وتجريد لا يضع إلا حلولا وسطى، ولا يخصص حلولا فردية لكل النزاعات، و هذا ما يجعل من الاجتهاد القضائي مصدرا مستقلا ومساويا لباقي مصادر القانون، فهو يخصص القاعدة القانونية، ويقوم بتحيينها، إذ بدونه لا يتمكن التشريع من التوفيق بين خاصيتي الاستقرار والاستمرارية، فالاجتهاد القضائي يؤمن للتشريع ملاحقة تطورات المجتمع من خلال تطبيق النصوص القديمة بروح جديدة([1])، وفق ما عبر عنه الفقه الألماني بالاجتهاد القضائي التطوري ([2]) كما أنه يساهم في تفسير النصوص الغامضة و يكمل الناقص منها فيصير الاجتهاد القضائي مصدرا مباشرا للقانون.



ولا شك في أن أهمية الاجتهاد القضائي، ستكون عديمة الأثر إذا لم يتم تعميمه بين الممارسين والمختصين بدرجة أولى ، ثم العمل على نشره بمختلف الوسائل المتاحة حتى يمكن تقريبه إلى أكبر قدر ممكن من الأشخاص ، وتبعا لذلك فإن تعميم الاجتهاد القضائي على هذا المنوال يسهم في ترسيخ قيم العدالة لأنه يمكن من إدراك اتجاه القضاء ويدفع الناس إلى مراعاة ذلك الاتجاه في تعاملاتهم والاستدلال بها في خصوماتهم  .



وسنحاول في هذا البحث أن نتطرق للموضوع من خلال إبراز مدى مساهمة تعميم الاجتهاد القضائي في خدمة العدالة، وانعكاس ذلك على استقرار المعاملات، وهو ما سنتعرض له اتباعا كما يلي:



الفرع الأول : مفهوم الاجتهاد القضائي و أهميته



سنحاول في هذا الفرع، تحديد المقصود بالاجتهاد القضائي في الأنظمة القانونية المختلفة واستجلاء أهميته في مجال تفسير القانون وتحقيق الأمن القانوني، وهو ما سنتناوله في مبحثين ، نخصص أولهما لتحديد مفهوم الاجتهاد القضائي فيما سنخصص المبحث الثاني للأدوار المتعددة للاجتهاد القضائي.



المبحث الأول: تحديد مفهوم الاجتهاد القضائي و أهميته في الأنظمة القانونيــــة 



يختلف مفهوم الاجتهاد القضائي بحسب المدارس  والأنظمة القانونية التي نشأ فيها. ومن أجل  تقريب هذا الموضوع أكثر، فإننا سنقوم بتحديد مفهوم الاجتهاد القضائي وأهميته في النظام الأنجلوساكسوني والنظام الرومانوجيرماني.



المطلب الأول :  مفهوم الاجتهاد القضائي



تطلق على الاجتهاد القضائي في اللغة العربية عدة مصطلحات، منها "اجتهاد" و"اجتهاد المحاكم" و"قضاء"([3])، أما في اللغة الفرنسية فإن عبارة الاجتهاد القضائي "Jurisprudence" مشتقة من أصل لاتيني يتكون من لفظ "Juris" ويعني القانون ثم لفظ "prudentia" وتعني المعرفة أو العلم، بحيث كان يطلق قديما على الاجتهاد القضائي: "العلم التطبيقي للقانون"([4]). 



ويحمل الاجتهاد القضائي معنيين أحدهما خاص و الآخر عام.  ويقصد بالاجتهاد القضائي في معناه العام : مجموع الأحكام و القرارات الصادرة عن المحاكم ( الهيئات ذات الطبيعة القضائية) في مسألة قانونية معينة، و بمعنى آخر هو "مجموع القرارات القضائية الصادر عن المحاكم"([5])، كما يعرف بعض الفقه، الاجتهاد القضائي بأنه "مجموع الحلول التي تستنبطها المحاكم بمناسبة فصلها في المنـازعـات المعروضة علـيها([6])"، سواء  في مادة أو فرع من فروع القانون، فيقال مثلا الاجتهاد القضائي العقاري، أو في القانون عموما، فيقال الاجتهاد القضائي دون تخصيص([7]).



أما المعنى الخاص للاجتهاد القضائي ، فيقصد به الحل الخاص الذي يضعه القضاء بشأن قضية معينة. فإذا كان المشرع يضع قاعدة عامة ، فإن الاجتهاد القضائي يتولى تطبيقها على قضية معينة بشكل مخصص ، و من هذا المنظور يشكل الاجتهاد القضائي عملية ذهنية إبداعية يباشرها القاضي في بعض الحالات الخاصة.  وتبعا لذلك يعرف الفقه المؤيد لهذا الاتجاه ، الاجتهاد القضائي بكونه "مجموع الحلول القانونية التي تتوصل إليها المحاكم بمناسبة معالجتها للإشكالات القانونية "([8])، وبشكل أكثر تحديدا هو  "الحل الذي تتخذه جهة قضائية في قضية معروضة أمامها، في حالة عدم وجود النص القانوني الواجب التطبيق أو غموضه أو عدم كفايته"([9]).



ومن جانبه، يميز الفقه الإسلامي بين الاجتهاد الاستنباطي أي تلك العملية التي تنبني على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية في الشريعة([10])، وبين الاجتهاد التنزيلي الذي ينتج عن احتكاك الأحكام بالواقع، وخلق قواعد جديدة من خلال تخصيص القواعد العامة لتتلاءم مع وقائع النزاع، وهو ما يطلق عليه "فقه النوازل" كنوع من الاجتهاد كان له دور كبير في اكتساب علم الأصول تجديدا ومقدرة على مسايرة المستجدات([11]).



المطلب الثاني : التمييز بين الاجتهاد القضائي و العمل القضائي



إن الاجتهاد القضائي بوصفه عملا ذهنيا إبداعيا، يجعله يختلف عن العمل القضائي من حيث مصدره وشكله ومضمونه. ومن نتائج هذه التفرقة بين الاجتهاد القضائي  والعمل القضائي، أن معظم التشريعات تجعل من العمل القضائي عملية منظمة قانونا لحسم كل نزاع يثور بين الأفراد، سواء فيما يتعلق بإجراءات تقديم الدعوى أو فيما يتعلق بطرق التحقيق ووسائل الإثبات وطرق الطعن في الأحكام الصادرة بشأنها([12])، بينما لا يخص المشرع الاجتهاد القضائي بقواعد قانونية محددة بشكل مسبق، بل إن الاجتهاد القضائي نفسه يساهم في خلق قواعد وأعراف تؤطر العملية القضائية،  ذلك أن العملية التقنية التي يباشرها القاضي لدراسة القضية وإصدار الحكم بشأنها، تنطلق من دراسة وقائع القضية وفحص الأدلة المثبتة لهذه الوقائع، ثم في مرحلة ثانية  يقوم القاضي بتكييف  الوقائع الثابتة لتحديد الإطار القانوني المناسب لها، ليتم في مرحلة ثالثة تحديد القاعدة موضوع التطبيق وتفسيرها التفسير الملائم لوقائع القضية وهي عملية تنطوي على مراجعة نصوص القانون وشروحات الفقه واجتهادات القضاء أيضا([13]).



المطلب الثالث : الاجتهاد القضائي في الأنظمة القانونية



إذا كانت أهمية الاجتهاد القضائي حاضرة في كل الثقافات القانونية ، إلا أنها مع ذلك تختلف تبعا للأنظمة القانونية، ولاسيما في النظام القانوني البريطاني أو الأنجلوساكسوني عموما ، و في النظام اللاتيني أو الرومانو جرماني.



الفقرة الأولى : الاجتهاد القضائي في النظام الأنجلوساكسوني :



يعتبر الاجتهاد القضائي في النظام البريطاني: الكومون لاو" مصدرا هاما للقانون، ففي هذا النظام حيث يقوم التقليد على انعدام وجود نصوص تشريعية، تعتبر الأحكام الصادرة عن المحاكم  بمثابة قوانين، تنتج عن حالات ومحاكمات تدرسها المحاكم . ويسود نظام (common law)، وهو نظام قانوني مبني على الاجتهاد القضائي في المملكة المتحدة ( باستثناء اسكتلندا)، وفي ايرلندا وكندا (باستثناء الكيبيك) وفي الولايات المتحدة الأمريكية[14] (باستثناء لويزيانا وكاليفورنيا) و بعدة دول أخرى من مجموعة الكومنولت.



ويلعب الاجتهاد القضائي في هذا النظام دورا حاسما[15]، لان الاجتهاد هو القانون "  Case law"، الذي ينتج  عن المحاكمات. كما أنه في هذا النظام تقيد أحكام المحاكم الأعلى المحاكم الأدنى. كما أن المحاكم نفسها مقيدة بأحكامها السابقة، فهي مضطرة للبقاء على قرارها السابق والاستمرار في الحكم على نمطه، أو ما يسمى باللاتينية  Stare –décisi   وتسمى هذه القاعدة ب "قاعدة السابق" La règle du précédent. ووفقا لهذه القاعدة، تصدر المحكمة أحكاما مطابقة لقراراتها الصادرة سابقا.



وتختلف " قاعدة السابق" عن الاجتهاد القضائي القار في كون حكم سابق واحد يلزم المحكمة بالاستمرار على نفس الاجتهاد، ويلزم المحاكم التي تليها رتبة بنفس الاتجاه. وأما الاجتهاد القار فهو الذي يتطلب تواتر أحكام القضاء في اتجاه واحد حتى تصبح اجتهادا قارا في الفقه اللاتيني. وقاعدة السابق كرسها اجتهاد قضائي لمجلس اللوردات[16] في بريطانيا سنة 1898 في قضية بين شركة "تراموي" و "بلدية لندن".



غير أن قاعدة السابق لا تحول دون تحول الاجتهاد القضائي إذا كان له ما يبرره، و قد أكد مجلس اللوردات نفسه هذا الرأي سنة 1966 في قضية Practice statement حيث قرر بصفة استثنائية أنه يمكن للمحكمة تغيير الاجتهادات السابقة التي أصبحت غير ملائمة أو غير عادلة بكيفية جلية. أما في الولايات المتحدة الأمريكية فإن هذه القاعدة (أي قاعدة السابق) أقل استقرارا حيث تلجأ المحاكم إلى العدول عن اجتهاداتها السابقة بوثيرة أكثر اتساعا. كما أنه من خاصيات النظام البريطاني أنه يمكن للبرلمان أن يسن قانونا يغير بمقتضاه اجتهادا قضائيا لا يراه محققا للعدالة.











الفقرة الثانية : الاجتهاد القضائي في الأنظمة الرومانوجيرمانية :



تتميز الدول التي تتبع النظام  الرومانوجيرماني بتبنيها لنصوص تشريعية مكتوبة و مقننةcodifiés) ). وغالبا ما تتردد هذه المدرسة في إعطاء أهمية كبرى للاجتهاد انسجاما مع تقاليدها  التي لا تسمح للمحاكم بخلق القانون الذي هو مهمة المشرع في نظرها، وكمثال على ذلك ، تمنع المادة 5 من القانون المدني الفرنسي على القضاة أن يبتوا بواسطة مقتضيات عامة أو تنظيمية في القضايا المعروضة عليهم .



وخلافا لقاعدة السابق في Common law)) لا يمكن للقاضي في النظام الرومانوجيرماني أن يحل في المستقبل القضايا المتعلقة بالقانون، ولا يطبق من حيث المبدأ سوى على القضايا المحكومة وحدها (حجية الشئ المقضي المادة 1351  القانون المدني الفرنسي) .



وبالنسبة لموقف القانون الجنائي المغربي، فقد حافظ على استقلال السلطات عن بعضها عن طريق تجريم تدخل إحداها في عمل الأخرى ، وبالتالي فإن القاضي لا يمكنه أن يصدر قرارات عامة أو تنظيمية تسري على المستقبل، وإنما يقتصر دوره على البت في النزاعات المعروضة عليه . وقد نص الفصل 237  من القانون الجنائي المغربي على معاقبة القاضي الذي يتدخل في أعمال السلطة التشريعية بإصدار نظم تشتمل على نصوص تشريعية، أو بتعطيل أو توقيف قانون أو أكثر أو في اختصاصات السلطات الإدارية بإصدار نظم متعلقة بهذه الاختصاصات أو بمنع تنفيذ أوامر الإدارة .



ورغم الإقرار بأن حكم القاضي لا يطبق سوى على القضية المعروضة عليه ، فإن هذه المدرسة (الرومانوجيرمانية) تعترف للاجتهاد القضائي بدور مهم، فالمحكمة العليا لها دور توحيد الاجتهاد القضائي للمحاكم الأدنى لتجنب الاختلاف و التباين بين قضائها في مادة أو نقطة معينة .



و رغم أن قرارات المحكمة العليا ( محكمة النقض) لا تلزم المحاكم الأدنى فيما يتعلق بالبت بكيفية مماثلة في القضايا المشابهة ، فإن قرارات تلك المحكمة  ولا سيما المنشورة ترسخ اتجاها يتم في الغالب اتباعه من طرف المحاكم الأدنى تجنبا لنقض أحكامها ، فالاجتهاد القضائي بهذا المعنى هو عادات لدى المحاكم، والتي رغم عدم الاعتراف لها بحجية النص القانوني (كما في نظام الكومن لو)، فإنها من الناحية التطبيقية لا تقل أهميته عن القانون، و تعد مصدرا من مصادره كالفقه مثلا .



وحينما يستقر هذا التطبيق يمكن أن نتحدث عن اجتهاد قار[17]  وفقـا لما يعبر عنه باللاتينيـة Quieta non movere   وهو مـا يجـد لـه مرادفـا في اللغة الفرنسية anglosaxons. ne pas déranger la quiétude des Droits  ومع التسليم بوجود نوع من التراتبية في أحكام القضاء في هذا النظام، فإنها تبقى تراتبية جامدة ، ذلك أن وجود اجتهاد  قضائي سابق للمحكمة العليا  و لو كان مستقرا لا يمنع القاضي الأدنى من الاجتهاد و مخالفة اجتهاد المحكمة الأعلى، كما أنه لا شئ يحول أمام المحكمة الأعلى من الرجوع عن اجتهادها السابق تأثرا باجتهاد محكمة أدنى .



وفي فرنسا إذا خالف القاضي الأدنى قرار محكمة النقض التي نقضت حكما سابقا ، فإن محكمة النقض تلتئم بجميع غرفها و تصدر قرارا يصبح ملزما بحيث لا يمكن الطعن فيه بالنقض من جديد  كما يمكن  في هذا النظام للقاضي الأدنى في بعض القضايا الشائكة أن يطلب الرأي من محكمة النقض في نقطة قانونية معينة دون أن يلزمه هذا الرأي .



أما في المغرب ، فلا نجد مقتضيات مشابهة لما هو معمول به في فرنسا، باستثناء ما ينص عليه القانون بخصوص تقيد القاضي في حكمه بالنقطة التي بت فيها المجلس الأعلى، والتي نقض الحكم من أجلها، حيث يتعين على المحكمة التي أحيلت عليها القضية أن تتقيد في حكمها بقرار المجلس الأعلى في هذا الجانب تطبيقا لمقتضيات الفصل 369 من قانون المسطرة المدنية و المادة 554 من قانون المسطرة الجنائية .



المبحث الثاني :الأدوار المتعددة  للاجتهاد القضائي



يحتل الاجتهاد القضائي أهمية بالغة في إعطاء صورة واضحة عن النظام القانوني للدولة، فهو ليس مجرد أحكام تصدر عن المحاكم ، وإنما يشكل أيضا مجالا لإبراز خصائص النظام القانوني ، فالقضاء يمكن أن يساهم باجتهاداته في خلق القاعدة القانونية و المساهمة في تحقيق استقرار المعاملات و تحقيق الأمن القانوني ، ينضاف إلى ذلك دوره في تفسير النصوص القانونية الغامضة و تكملة النقص الحاصل فيها حيث يصير القضاء مصدرا مباشرا للقانون، و من أجل بسط هذه الأفكار ، فإننا سنتناولها تباعا كما يلي:



المطلب الأول: دور الاجتهاد القضائي في خلق القاعدة القانونية



تعتبر وظيفة القضاء أسبق في الوجود تاريخيا عن فكرة قواعد القانون، سواء تعلق الأمر بالقواعد العرفية أو بالقواعد التشريعية([18])، وتعد وظيفة خلق القواعد القانونية جزءا من وظيفة القضاء([19])، ذلك أن محدودية التشريع وصعوبة إحاطة نصوصه بما سيحدث من وقائع ونوازل تجعله في حاجة دائمة لمصدر آخر من مصادر القانون يكمله ويبعث الروح فيه، وهذه هي وظيفة القضاء، لأنه يحتك بالواقع ويتفاعل بسرعة مع سيرورة الزمن، لذلك يرى أحد الفقهاء([20]) أن  القاعدة القانونية بالنسبة للقاضي ليست إرثا من الماضي يطبقها حرفيا على الحاضر، وإنما هي آلية يتولى القاضي بعث الحياة فيها لتستمر في المستقبل عن طريق ما يسمى بالتفسير القضائي الإنشائي.



وإذا كان القضاء في الأحوال العادية، يخلق القواعد القانونية ولا يشرع([21])، فإنه في أوقات الأزمات تزداد أهمية اجتهاده، ويشبه دوره في مثل هذه الأوقات دور المشرع، حتى قيل إن القضاء هو مشرع  وقت الأزمات([22])،  فإذا كانت القواعد القانونية تطبق في الأحوال العادية كما سطرت من طرف المشرع، فإنه في أوقات الأزمات يعاد النظر في ترتيب المصالح والأولويات على نحو مخالف لما تمت مراعاته عند وضع النص.[23]  وبهذا الخصوص يقدم الفقه، كمثال على دور القضاء في أوقات الأزمات، قرار مجلس الدولة الفرنسي في القضية المعروفة بقضيةHeyries ، حيث حصل تعارض في زمن الحرب العالمية الأولى بين مبدأ استمرارية المرافق العامة، ومبدأ حماية الحريات الفردية والضمانات المكفولة للموظفين بموجب قانون 22 أبريل 1905، فقرر مجلس الدولة الفرنسي ترجيح كفة مبدأ استمرارية المرافق العامة على مبدأ حماية الحريات الفردية للموظفين، رغم أنه مكفول بنص القانون، نظرا لحالة الحرب التي تحتم الاستمرارية التامة للمرافق العامة([24]).



المطلب الثاني: دور الاجتهاد القضائي في تحقيق الأمن القانوني



لقد أصبح  الاجتهاد القضائي مطلبا حقوقيا بالنظر إلى ما يكفله من توحيد للحلول القضائية وتوقعها على نحو يرسخ الأمن القانوني sécuritéjuridique، الذي يهدف إلى تمكين المواطن بدون جهد مضني من تحديد ما هو مباح وما هو محظور بمقتضى القانون الجاري به العمل ، و يتطلب ذلك أن تكون النصوص القانونية و اضحة و مفهومة claires et intelligibles ولا تتعرض لتغيرات متكررة و لا سيما غير متوقعةimprévisibles  [25].



وقد قرر مجلس الدولة الفرنسي لتحقيق هذه القاعدة قيام مبدأين اثنين هما:



- جودة القاعدة القانونية. والقاعدة الجيدة هي التي تقنن بوضوح المنع و الإباحة؛



- قاعدة مستقرة و متوقعة، ولكن دون أن تكون جامدة.  و لا تتيح كذلك مجالا لرجعية القانون.



وقد تأتى لمحكمة استئناف فرنسية أثير أمامها الدفع بانعدام الأمن القانوني من جراء تطبيق اجتهاد محكمة النقض على عقد أبرم ستة أشهر قبل تغيير الاجتهاد القضائي المذكور، حيث جاء في تعليل قرارها " إن الأمن القانوني المثار لا يمكنه أن يكرس حقا مكتسبا ليتسنى اجتهادا قضائيا جامدا ، لأن تطور الاجتهاد القضائي من صلاحيات القاضي بمناسبة تطبيقه للقانون".



لقد أصبح الاجتهاد القضائي مطلبا حقوقيا ، بالنظر لما يكفله من توحيد للحلول القضائية وتوقعها على نحو يرسخ الأمن القانوني و يحقق الوضوح والاستقرار و التوقع ، غير أن التسليم بهذا الرأي ، يجعلنا نجنح لتقدير وجاهته، ونتساءل عما إذا كان القضاء المغربي استطاع تحقيق الأمن القانوني ؟.



إن الجواب عن هذا التساؤل يقتضي منا استقراء الاجتهاد القضائي لمحاكم المملكة والبحث عما إذا كان لهذا الاجتهاد فعلا دور في تحقيق الأمن القانوني، ويأتي في مقدمة الهيئات القضائية المصدرة للاجتهاد القضائي، المجلس الأعلى وكمثال على ذلك، القرار الصادر عن هذا الأخير بخصوص سقوط الحق في شفعة العقار غير المحفظ، بحيث أن أحكام الفقه المالكي المطبقة على العقارات غير المحفظة تقضي بأن أجل الشفعة هو سنة واحدة من تاريخ علم الشفيع بالبيع([26])، وهو ما يجعل المشتري مهددا بشفعة العقار المبيع من يده، ولو بعد مرور عشر سنوات أو أكثر، مادام يصعب عليه إثبات علم الشفيع بالبيع، إذ يقول التسولي في هذا أنه :"ولو قام بعد خمسة عشر سنة وادعى عدم العلم به (البيع) يصدق بيمينه"([27]). وهذا الأجل غير المضبوط يمس أساسا باستقرار المعاملات الذي يبقى من أهم غايات مبدأ الأمن القانوني، لذلك غير المجلس الأعلى اتجاهه القضائي الذي ينضبط مع قواعد الفقه، باجتهاد يتلاءم مع مستجدات العصر، فحصر أجل الشفعة في أربع سنوات من تاريخ البيع، وقد جاء في قرار المجلس الأعلى: "وحيث إن اعتماد هذا النص والقضاء بمقتضاه بعد مرور خمسة عشر عاما على عقد البيع المطلوب شفعته يشكل ضررا فادحا للطاعنة، ذلك أنه يبعد كل البعد ألا يحصل العلم للشريك في عقار بظهور شريك جديد أصبح يملك معه طيلة هذه المدة، وأنه ما علم به إلا ساعة قيامه برفع دعواه لاسيما في هذا العصر، وتحقيقا للعدالة وعملا بقول المشرع الأعظم "لا ضرر ولا ضرار" فالذي يتعين العمل بمقتضاه في نوازل الشفعة التي يقام بطلب الأخذ بها بعد العام من تاريخ هذا البيع بدعوى عدم العلم بالنسبة للحاضر ومن حكمه في عصرنا هذا أن تحدد مدة القيام في أربعة أعوام من تاريخ البيع..."([28]).



إن القيمة القانونية التي يحظى بها الاجتهاد القضائي، هي ما جعلت مفهوم الأمن القانوني يتم ربطه عادة بالأمن القضائي[29] فيقال مبدأ الأمن القانوني والقضائي، لإظهار الطابع الحمائي للقضاء في سهره على تطبيق القانون وحماية الحقوق .



المطلب الثالث : الاجتهاد القضائي مصدر مباشر للقانون



يشكل الاجتهاد القضائي مصدرا يغذي النظام القانوني، فإذا كان التشريع يرتبط بالقانون، فالاجتهاد القضائي يرتبط بحياة القانون، ولذلك يبقى القانون الذي تصنعه المحاكم هو القانون الحي المتحرك والحقيقي([30]).



ومن النماذج العملية الدالة على دور الاجتهاد القضائي  في تقننين بعض القواعد القانونية ، مراجعة الشرط الجزائي تحت تسمية الشرط الاتفاقي حيث لم يكن قانون الالتزامات والعقود يتضمن أحكاما تنظم مراجعة هذا الشرط([31])، وظل القضاء المغربي يتمسك بمبدأ حرية التعاقد المنصوص عليها في الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود إلى غاية صدور قرار المجلس الأعلى المؤرخ في  10/04/1991[32]، قضى بتأييد قرار محكمة الاستئناف الذي عدل الشرط الجزائي، وأنزله إلى مبلغ مناسب لتحقيق الغاية منه دون إضرار بالمتعاقد الملزم بدفعه، رغم أن العقد الرابط بين الطرفين كان قد قضى بتحديد الشرط الجزائي في ذعيرة شهرية قدرها 10% من القيمة الإجمالية مقابل بناء العقار، في حالة عدم إنجاز أشغال البناء داخل الأجل المتفق عليه، بحيث عطل المجلس الأعلى في هذه النازلة قاعدة العقد شريعة المتعاقدين لفائدة العدالة([33])، وتحقيق التوازن العقدي. وهو الاجتهاد الذي سايره المشرع بتاريخ 11 غشت 1995، عندما قنن أحكام الشرط الجزائي تحت تسمية التعويض الاتفاقي، وسمح بمراجعة هذا التعويض([34])، على نحو يؤكد أن استقلالية الاجتهاد القضائي كمصدر مباشر للقانون، تجعله في كثير من الأحيان يضبط انعدام التوازن الذي قد تتضمنه قاعدة قانونية معينة، وهو ما عبر عنه "جوستاف لوبون" بقوله: "يعدل القاضي العادل بحكمه ما كان جائرا في القانون"[35].



هذه الاستقلالية التي يتميز بها الاجتهاد القضائي بوصفه مصدرا مباشرا للقاعدة القانونية، هي ما جعلت مجموعة من التشريعات تساير الواقع، وتعترف به ضمن المصادر الرسمية للقانون كما هو الشأن بالنسبة للقانون المدني السويسري، الصادر بتاريخ 10/12/1907 والتي نص في المادة الأولى على أنه:" إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن تطبيقه، حكم القاضي بمقتضى العرف، فإذا لم يوجد، فبمقتضى القواعد التي كان سيضعها هو لو أنه باشر عمل المشرع".



المطلب الرابع : دور الاجتهاد القضائي في تفسير القانون



يشكل تفسير القاعدة القانونية ، باعتباره آلية من الآليات التي يساهم من خلالها القضاء في تطوير القانون، الجانب المهم من عمل القضاء، لأنه يرتبط بتطبيق القاعدة القانونية، بخلاف تكملة التشريع التي ترتبط أساسا بملء الفراغ التشريعي في حالات نادرة ينعدم فيها النص.



وتبقى عملية تفسير القانون عملية مهمة وصعبة في نفس الوقت،      ولا يتحقق الهدف منها إلا بضبط قواعدها ، وإخضاعها لمعيار ضابط يسعف في الوصول إلى حلول قانونية عادلة وفعالة، دون الخروج عن حدود النص، بشكل يسمح بانسجام واستقرار التفسيرات القضائية من جهة، وتحولها مع الوقت إلى تراكمات تضمن تطور التشريع ومسايرته لما يستحدث من نوازل من جهة أخرى[36].



ويرتبط تفسير القانون أساسا بالنص الغامض، بحيث متى كان النص واضحا جلي المعنى وجب تطبيقه بشكل مباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل، إعمالا لنظرية النص الواضح، التي تعتبر من النظريات الراسخة في الفقه والقضاء، غير أنه في  بعض الأحيان قد يكون النص واضحا لا يحتاج إلى تفسير، ومع ذلك يجد القاضي نفسه مجبرا على المرور بمرحلة تفسير النص قبل تطبيقه على الحالة المعروضة عليه، إذا كان النص المذكور يتعارض مع نصوص قانونية أخرىبشكل يستدعي تفسيره باستحضار تلك النصوص، إما باعتبارها مكملة له أو باعتبارها استثناء يرد عليه.



ويتجلى الفرق بين تفسير القانون وبين ملء الفراغ القانوني بشكل واضح في التشريع المغربي من خلال أحكام مدونة الأسرة، ذلك أن القاضي وهو بصدد البت في قضايا الأسرة يطبق أحكام مدونة الأسرة، مع ما يزامن ذلك من إعمال لمناهج تفسير القاعدة القانونية، أما إذا استنفذ نصوص مدونة الأسرة وأحكام الفقه المالكي المحال عليها بموجب المادة 400 من المدونة المذكورة دون أن يجد حلا للنازلة المعروضة عليه، فإنه ينتقل إلى إطار آخر يتعلق بملء الفراغ التشريعي عن طريق الاجتهاد[37] بناء على سند قانوني تضمنه نص المادة 400 من مدونة الأسرة الذي جاء فيه: "كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد  الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف".



خلاصة ما سبق ، أن تفسير القانون هو عملية ذهنية تتم داخل حدود النص، أما ملء الفراغ التشريعي فهو اجتهاد خارج حدود النص، بل وفي غياب النص أصلا، لذلك يتمتع القاضي في هذه الحالة بحرية أكبر للاجتهاد مقارنة مع اجتهاده في تفسير القاعدة القانونية الذي يخضع لمجموعة من المبادئ والقواعد، يبقى أهمها على الإطلاق عدم تجاوز الحدود التي تسمح بها بنية النص.



الفرع الثاني : تعميم و نشر الاجتهاد القضائي ودوره في خدمة العدالــة



إن  الحديث عن تعميم الاجتهاد القضائي يقتضي بداية  تحديد المقصود  بهذا التعميم. ثم التطرق إلى أهمية التعميم التي تمر أولاً عبرتقريبه من القضاة حتى يكونوا على اطلاع به و يعملوا على تطبيقه في القضايا التي تعرض عليهم ، فعدم تعميم الاجتهاد القضائي يفرغ هذا الأخير من كل قيمة عملية إذا ظل مغمورا بحيث يمكن أن يؤدي ذلك إلى تضارب الاجتهاد القضائي بين المحاكم وأحيانا داخل المحكمة الواحدة. و سنحاول في هذا الفرع الثاني إبراز أهمية تعميم الاجتهاد القضائي وتحديد المقصود بهذا التعميم و طبيعة الأحكام القابلة للنشر. و سنتناول ذلك في مبحثين نخصص أولهما لتعميم الاجتهاد القضائي، والثاني لنشر الاجتهاد القضائي و الوسائل المستعملة في ذلك  .



المبحث الأول : تعميم الاجتهاد القضائي و أهميته



سنحاول في هذا المبحث تحديد المقصود بتعميم الاجتهاد القضائي، وتحديد الفئات التي يتعين أن تستهدفها عملية التعميم، ثم إبراز أهمية تعميم الاجتهاد سواء لدى الممارسين و المختصين أو لدى عامة الناس . 



المطلب الأول:  المقصود بتعميم الاجتهاد القضائي



إن الحديث عن تعميم الاجتهاد القضائي يقتضي بداية تحديد المقصود بهذا التعميم، فهل يعني ذلك نشر الاجتهاد بين عامة المواطنين لدرجة تجعله في مستوى عموم المواطنين والمتقاضين؟ أم أن تعميم الاجتهاد يتحقق بمجرد نشره بين المختصين من القضاة والمحامين والدارسين للقانون من أساتذة وطلبة جامعيين وغيرهم من الممارسين للمهام القضائية والقانونية؟.



نعتقد أنه إذا كان لا يعذر أحد بجهل القانون، بما تفترضه هذه القاعدة من أن عموم الناس معنيون بمعرفة القانون باعتباره التقنين الذي يضبط سلوكاتهم في الحياة العامة.ولبلوغ هذه الغاية، فإن القانون لا يبدأ في السريان إلا من لحظة نشره بالجريدة الرسمية، التي يعتبر تاريخ صدورها هو تاريخ ميلاد النص القانوني.



فالعلم بالاجتهاد القضائي لئن كان أقرب إلى المختصين والمهتمين بالحقل المعرفي القانوني، فإنه مع ذلك يمكن تقريب هذا الاجتهاد من عامة الناس، فعلم هؤلاء به يحقق فائدة عظمى لهم، لما للاجتهاد القضائي من تأثير على معاملاتهم وعلاقاتهم.



فإذا كان عامة الناس يجهلون أحكام القانون المفترض علمهم به، و حتى إذا علموا بها  ،فإنهم لا يمكنهم أن  يحيطوا بتفاصيلها، مما يطرح تساؤلا حول الكيفية التي يمكن أن يمتلكوا بها مفاتيح الاجتهاد الذي هو تحليل عميق لغموض النصوص واستقراء دقيق لخباياها، وهو أمر  يستعصي على غير المختصين. والاجتهاد مرحلة متقدمة من العلم لا يصلها إلا المتعمقون في علم من العلوم، ولا يمكن لعامة الناس أن يكون فقهاء في القانون. غير أن ذلك لا ينفي ضرورة إيصال هذا الاجتهاد لعموم الناس والعمل على تعميمه كلما أمكن، لا سيما تلك الاجتهادات المهمة على الأقل التي تسد نقصا تشريعيا أو تملأ فراغا قانونيا أو تلجأ إلى تفاسير مخالفة لظاهر النص بداعي الأمن القانوني أو روح العدالة والإنصاف أو غيرها من المبادئ السامية التي تحكم قواعد التفسير.



المطلب الثاني : أهمية تعميم الاجتهاد القضائي



يعتبر تعميم الاجتهاد القضائي خير وسيلة في يد رجل القانون لتنمية الثقافة القانونية وتعميم التوعية بها، كما يعتبر خير سلاح في يد القاضي يواجه به ما استعصى عليه من تطبيقات النصوص، ويوحد بها الرؤيا القضائية التي تعتبر أساسا لخلق الثقة والاطمئنان اللذين لا تتحقق بدونهما كل تنمية اقتصادية واجتماعية كما يساهم في تحقيق الأمن القضائي من خلال تحقيق الاستقرار في المعاملات.



وعلاوة على ذلك، يساهم تعميم الاجتهاد القضائي في نشر الفكر القانوني و استقرار الاجتهاد القضائي و توحيد الإجراءات و العمل القضائي في المحاكم و ضمان وحدة الاجتهاد القضائي داخل المحكمة الواحدة كما أن تعميم الاجتهاد القضائي يساهم في استقرار العمل القضائي لمحاكم الموضوع، كما يحقق اطمئنانا في نفوس المتقاضين ويخلق ثقة لدى دفاع الأطراف بسبب استقرار العمل الفضائي للمحاكم وهو ما يعطي انطباعا إيجابيا عن أداء مرفق العدالة. و قد كان موضوع تعميم الاجتهاد القضائي، حتى يحقق الفائدة المرجوة منه، إحدى الاهتمامات الملكية التي عبر عنها جلالة الملك الراحل الحسن الثاني رحمه الله أثناء استقباله لأعضاء المجلس الأعلى للقضاء ورؤساء الغرف للمجلس الأعلى يوم 24 أبريل 1995، حيث قال رحمة الله عليه: "أحثكم بجدية وتأكيد على إصدار المجلات القضائية التي تصدر فيها أحكامكم، لأنني كنت أقرأ بعض الأحكام قبل خمسة عشر أو عشرين عاما، وكانت تلك الأحكام بتعليلها تشرف المغرب، وتشرف قضاء المغرب. ولي اليقين أن هؤلاء القضاة مازالوا موجودين عندنا، وهذه النوعية من القضاء موجودة عندنا، فعلينا أن نعرف بفلسفتنا القضائية والمسببات القضائية، فسيكون ذلك إثراء لجميع القضاة أولا، وسيكون مرجعا من المراجع فيما إذا حدث حادث ، وسيكون بطاقة تعريف لنوعية القضاء المغربي وما يشتمل عليه من اجتهاد في الرأي ومن ابتكار في تكوين القضاة.."



فإذا كان تعميم الأحكام هو أهم وسائل الاجتهاد، فإن الأمر يتطلب وقفة عند وسائل النشر وطبيعة الأحكام المنشورة.



المبحث الثاني : نشر الاجتهاد القضائي وسيلة للتعريف به



سنتعرض في هذا المبحث لنشر الاجتهاد القضائي و ما لذلك من أثر إيجابي في التعريف به لدى الممارسين و عامة المواطنين ، و يطرح نشر الأحكام تساؤلا أساسيا عن طبيعة  هذه الأحكام ، هل يتعين أن تشمل جميع الأحكام الصادرة عن المحاكم ، أم أن هناك عينة معينة من الأحكام هي التي يمكن نشرها فقط؟



المطلب الأول :طبيعة الأحكام المنشورة:



إن عملية نشر الاجتهاد القضائي كوسيلة ترمي إلى التعريف بهذا الاجتهاد و تعميمه داخل المجتمع تتطلب تحديد طبيعة الأحكام المعنية بهذا النشر، و تبعا لذلك ينبغي أن يهم النشر الأحكام المنتقاة بعناية، التي تتناول موضوعا اجتهاديا.



أما الأحكام العادية التي لا تقدم أي مبدأ تم الاجتهاد فيه، فلا تعدو أن تكون تكرارا لقراءات مبسطة لنصوص قانونية واضحة لأن معناها يكون واضحا من نصوص القانون نفسها، فالأحكام القضائية التي ينبغي أن تكون موضوعا للنشر ، هي تلك الأحكام التي تتضمن اجتهادا قضائيا يفسر نصا غامضا أو يملأ فراغا تشريعيا أو يكمل نصا في القانون، فالعبرة ليست في كمية الأحكام المنشورة ولكن بالموضوع الذي تعالجه والحل القانوني والاجتماعي الذي تقدمه.



كما أن تكرار نشر الأحكام التي تتضمن مبادئ أصبحت مستقرة يصبح عديم الجدوى إذا تم بوثيرة عددية مرتفعة..



المطلب الثاني : وسائل نشر الاجتهاد القضائي



تنبغي الإشارة في البداية إلى أن القانون المغربي لا يتضمن مقتضيات خاصة بنشر الاجتهاد القضائي كما لا يوجد إطار قانوني محدد للنشر ، و لا نصادف في ذلك سوى بعض المقتضيات المنظمة لنشر قرارات بعض الهيئات بالجريدة الرسمية كما هو الشأن بالنسبة لقرارات المجلس الدستوري و قرارات الهيئة العليا للسمعي البصري ، بحيث تخول النصوص المنظمة لهذه الهيئات نشر القرارات الصادرة عنها . أما بالنسبة للاجتهاد القضائي ، فلم يحدد له القانون مجالات النشر باستثناء بعض الأحكام كما هو الشأن مثلا بالنسبة لنشر إشعار بالحكم القاضي بفتح مسطرة صعوبات المقاولة في إحدى الصحف الوطنية المخول لها نشر الإعلانات القانونية[38]. وبديهي أن النشر هنا يهم مجرد الإشعار بصور الحكم لتحقيق إشهار منطوقه، وليش نشراً لحيثياته وتعليله، مما يفيد أنه  –حتى في هذه الحالة- لا يوفر القانون فرصة حقيقية لتعميم الاجتهاد القضائي.



و قد جرت العادة أن يتم نشر الأحكام عبر المجلات القانونية المتخصصة وفي نشرات المحاكم العليا. وفي بلادنا هناك عدة مجلات متخصصة تصدر عن المجلس الأعلى كقضاء المجلس الأعلى ونشرة المجلس الأعلى والتقرير السنوي الذي يتضمن  أهم المبادئ للاجتهادات المستحدثة ،وفي هذا السياق قام المجلس الأعلى بمناسبة الذكرى الخمسينية  بنشر الاجتهادات القديمة الصادرة عن محاكم الحماية . و على مستوى آخر تصدر وزارة العدل  مجلات قانونية متخصصة ، كمجلة القضاء والقانون ومجلة المحاكم الإدارية ومجلة المحاكم التجارية ومجلة قضاء الأسرة. إلى جانب ذلك تصدر مجلات قانونية تخصص حيزى من صفحاتها لنشر اجتهاد المحاكم عن جمعية هيئة المحامين وبعض هيئات المحامين وبعض الجامعات. بالإضافة إلى بعض المبادرات الفردية الأخرى.



و قد لوحظ في السنوات الأخيرة صدور عدة مجلات متخصصة يديرها بعض رجال قانون (محامون، جامعيون.. )[39] تتضمن بعض  الاجتهادات القضائية، غير أن نشر الاجتهادات القضائية عبر هذه المجلات لا يحقق  بالضرورة تعميمها للعموم سيما وأنها تصدر بكيفيات دورية وبعضها الآخر لا يتم توزيعها بشكل كبير وواسع، خاصة و أن البعض منها يقتصر توزيعها على المستوى المحلي فقط .



كما أن نشر الاجتهادات قد يتأخر لبعض الوقت مما يؤخر العلم بها ويحول دون الاستفادة منها في الدعاوي الجارية وقت صدورها، لأن النشر الورقي  يتطلب وقتا أطول. لذلك فإن التعميم يقتضي استعمال وسائل أخرى توفر السرعة والآنية، ولعل أهمها في الوقت الراهن هو التعميم عن طريق شبكة الانترنيت التي تسمح بنشر واسع  - سيما متى كانت مجانا- وتوفر وسائل سهلة للبحث عن الاجتهاد المناسب أو التعليق عليه، وهناك مواقع متعددة في هذا المجال. كما أن نشر أقراص مدمجة للاجتهاد القضائي من شأنه كذلك أن يوفر سهولة البحث عن الاجتهاد وسهولة نقله وتداوله، وكذلك سهولة تحريره كتابة.



المطلب الثالث :أهمية نشر الاجتهاد القضائي



لا يخلو نشر الاجتهاد القضائي من أهمية  ، فهو يمكن المتقاضين من توقع نتيجة الأحكام المنتظر صدورها في النزاعات التي تهمهم، مما يساهم في تحقيق الأمن القضائي.



كما أنه يسهل عملية توحيد الاجتهاد بين المحاكم، لأنه يسمح للمحاكم الأدنى بالتعرف على اتجاه المحكمة العليا في نقطة قانونية معينة ،مما يقلص من عدد الأحكام المنقوضة، و يقلل -في الأمد البعيد- من عدد الطعون إذا أدرك أطراف الدعوى أن اجتهاد المجلس الأعلى هو ما ستحكم على أساسه محكمة الموضوع.



وهكذا، فإن نشر الاجتهاد في حالة استقراره قد يقلل من عدد النزاعات إذا اتضح للأطراف ولا سيما إذا تعلق الأمر بنزاعات عمل أو نزاعات مع مؤسسات مالية (التأمين، الأبناك..) أو مع الإدارات أو غيرها من الجهات التي بطبيعة مهامها تتقاضى كثيرا، أن هناك استقرارا للقضاء على اجتهاد سابق، فإنها ستعمل به لتلافي التقاضي في المستقبل.



وتزداد أهمية نشر الاجتهاد القضائي إذا تأتى إنجاز تعاليق على هذه الأحكام والقرارات من الجهات التي أصدرتها أو من طرف قضاة أو محامين أو فقهاء في القانون ممن  يمتلكون المفاتيح الفقهية والعلمية للقيام بمثل هذه التعاليق.



خاتمــــــــة



إن الحديث عن الاجتهاد القضائي و تعميمه من أجل خدمة العدالة لا يعفينا و نحن نقترب من نهاية هذا البحث من الإدلاء ببعض الملاحظات ، التي رصدناها بخصوص الاجتهاد القضائي  في بلادنا ،فالمتتبع لاجتهاد المجلس الأعلى بالمغرب سيرصد عدة اجتهادات قلبت وجه المعاملات لأنها أقامت قاعدة قانونية جديدة لتدارك فراغ تشريعي، أو كملت نقصاً في التشريع، أو أنها جاءت بتفسير مقدام أدى إلى قراءة تخالف ظاهر النصوص القانونية وذلك تحت داعي مبدأ تحقيق العدالة والإنصاف، أو لتحقيق الأمن القانوني، أو فقط إعطاء الهيبة لأحكام القضاء.



ومن الأمثلة على ذلك:



-   إلحاق النفساء بالحائض وإعطائها حكمها في الطلاق؛



-   عدم اعتبار عقد الزواج عقداً مدنياً وإنما عقداً ذو طبيعة خاصة...



إلا أنه يلاحظ، أن المجلس الأعلى كان يضطر في بعض الأحيان إلى الاجتهاد في ظل مبادئ قانونية قارة وثابتة من أجل إصلاح أوضاع خاصة تتعلق بأخطاء وقعت فيها محكمة الموضوع، ولذلك فإنه في الحالات لوحظ ضعف الوسائل المثارة أمامه، وكان يضطر أحياناً إلى إثارة وسائل أخرى تلقائياً كلما مكنه القانون من ذلك. كما أنه في هذه الحالات، لوحظ أن تعليل المجلس كان غير واضح لأنه كان مضطراً لتقديم تعليل قانوني لإصلاح أوضاع مادية تتعلق بأخطاء محاكم الموضوع.



كما أن استعمال الاجتهاد من طرف المجلس الأعلى لتحقيق مبادئ العدالة (كمحكمة للواقع لا "للقانون")، قد يضطر المجلس إلى البحث عن تعليل لا يستطيع مسايرته في قضايا أخرى مشابهة، مما يؤدي إلى عدم تواثر الأحكام، وأحياناً نعتها بالارتباك وعدم الاستقرار.


كما أن تعدد تشكيلات المجلس داخل كل غرفة من غرفه الست، أدى إلى غياب آلية حقيقة لضبط الاجتهاد وتوحيده بين غرف المجلس الأعلى المختلفة، مما نشأ معه في بعض الأحوال تضارب الاجتهادات. .


وإذا كنا نؤكد على أهمية نشر الاجتهاد القضائي،فإننا نرى بأن يتم تقنين ذلك أو على الأقل تنظيمه ولو على صعيد المجلس الأعلى ،خاصة وأن هذا الأخير يتوفر على لجنة علمية تقوم بتجميع القرارات وصياغة مبادئ توضع في مقدمة القرارات المنشورة، ذلك أن عدم تقنين النشر أدى إلى نشر أحكام لا تصلح أن تكون اجتهاداً وكذا بعض الأحكام الشاذة التي أصبحت معروفة أكثر من الاجتهادات القارة.


و تعرف بعض الأنظمة القانونية المقارنة، بعض التجارب في هذا المجال حيث أوجدت هيئات فنية متخصصة لانتقاء الاجتهاد القضائي ونشره، كمثال على ذلك،  المكتب الفني التابع لمحكمة النقض المصرية  الذي يقوم بمهمة صياغة قواعد من الاجتهادات القضائية بغاية نشرها.


وفي فرنسا تقوم مصلحة التوثيق والدراسات بمحكمة النقض، بتجميع الاجتهادات الصالحة للنشر، وتعمل على نشر تعليق المستشار المقرر عليها      أو على تقريره وخلاصات المدعي العام.