كتب قانونية

الاثنين، 24 أكتوبر، 2016

تعليق على قرار محكمة النقض بغرفتين مجتمعتين حول قرينة حسن النية في التقييد بالرسم العقاري. ذ. محمد ناجي شعيب (مستشار بمحكمة النقض)

تعليق على قرار محكمة النقض بغرفتين مجتمعتين  حول قرينة حسن النية في التقييد بالرسم العقاري. ذ. محمد ناجي شعيب (مستشار بمحكمة النقض)












تعليق على القرار رقم 170 الصادر عن محكمة النقض بغرفتين مجتمعتين بتاريخ 20 مارس 2013 في الملف عدد 2820/1/1/2012 حول قرينة حسن النية في التقييد بالرسم العقاري.
ذ. محمد ناجي شعيب (مستشار بمحكمة النقض)

القرار موضوع التعليق يعيد إلى الـواجهة تعامل محكمة النقض مع قاعدة " حجية التقييدات بالسجل العقاري بالنسبة للغير المقيد عن حسن النية "، والذي من خلاله نحت هذه المحكمة منحى آخر غير المنحى الذي سارت عليه (المجلس الأعلى سابقا) في قرارين سابقين لها كما سيتم التعرض له في موضعه.
فإذا كانت القيمة الإثباتية لقيود السجل العقاري الناشئة عن تحفيظ العقار قيمة مطلقة، وهي قرينة قانونية قاطعة لا تقبل الطعن، وذلك بصريح الفصل الثاني من ظهير 9 رمضان 1331(12 غشت 1913) الذي رتب على رسم التمليك الذي ينظمه المحافظ بطلان ما عداه من الرسوم وتطهير الملك من جميع الحقوق السالفة غير المضمنة بالكناش العقاري، وكذا الفصل 62 من نفس القانون الذي اعتبر رسم التمليك النقطة الوحيدة للحقوق العينية والتكاليف العقارية الكائنة على العقار وقت تحفيظه " دون ما عداها من الحقوق غير المسجلة "، وبذلك أعفى المشرع المتعامل مع الطرف الذي أقيم الرسم العقاري في اسمه على ضوء مسطرة التحفيظ من البحث في ماضي العقار قبل تحفيظه وجعله في مأمن من أية مطالبة من أي كان بحق عيني يخص المرحلة السابقة لتحفيظ العقار. فإن الأمر مختلف بالنسبة للتقييدات اللاحقة الطارئة على الحقوق المحفظة، فقد أعطاها المشرع قوة إثباتية تتراوح بين النسبية والمطلقة حسب كل حالة حالة، وهو ما يقتضي في البداية التمييز بين حجية التسجيل بين الأطراف وحجية التسجيل بالنسبة للغير، فحجية التسجيل بين الأطراف نسبية أي ليست حجة قاطعة، لأنها تستند إلى قرينة قانونية قوامها صحة التصرف الذي بني عليه التسجيل[1] فمتى كان محل طعن وقرر القضاء إبطاله كان ذلك موجبا للتشطيب عليه ووضع حد لآثاره، مع التنبيه هنا إلى أن صاحب المصلحة مدعو لإجراء تقييد احتياطي ليحفظ رتبته ويقطع الطريق على أي تصرف في العقار من طرف خصمه لفائدة الغير حتى لا يدخل في حسابات الحالة الثانية التي سيأتي ذكرها. أما حجية التسجيل في مواجهة الغير المتمتع بحق عيني مسجل، فتختلف بين ما إذا كان هذا الغير قد قيد عن حسن نية أم عن سوء نية. فالغير حسن النية كما عرفه بعض الفقه[2] : " هو الذي يجهل العيوب أو الشوائب التي تعيب أو تشوب سند أو رسم من كان قد تلقى الحق منه يوم تلقي هذا الحق وتسجيله في اسمه في الرسم العقاري " أما الغير سيء النية فهو من كان يعلم بهذه الشوائب وقت حصول تسجيله بالرسم العقاري. فالتقييد بالنسبة للغير حسن نية يكتسي قوة ثبوتية مطلقة ويعتبر التقييد بالسجل العقاري الذي استند إليه صحيحا مع ما يستتبعه من عدم تأثر حقه بما يمكن أن يطال ذلك التقييد من بطلان أو إبطال أو تغيير وذلك عملا بمقتضيات الفصل 66 من ظهير 12/08/1913 المتعلق بالتحفيظ العقاري في فقرته الثانية من أنه : " لا يمكن في أي حال التمسك بإبطال هذا التسجيل في مواجهة الغير ذي النية الحسنة "، والفصل 3من ظهير 2يونيو 1915 المتعلق بالتشريع المطبق على العقارات المحفظة : " إن ما يقع من إبطال أو تغيير لاحق لا يمكن التمسك به في مواجهة الغير المسجل عن حسن نية كما لا يمكن أن يلحق به أي ضرر."، أما الغير المقيد عن سوء نية فلا سبيل له لدرء ما يترتب عن بطلان أو إبطال قيود السجل العقاري التي استند عليها. إلا أن الجدل ظل محتدما في حالة ثبوت زورية عقد أسست عليه أحد التقييدات، إذ ذهب اتجاه إلى القول: إلى أنه ببطلان العقد لزوريته تبطل التقييدات التي ارتكزت عليه، وهو ما ذهبت إليه محكمة النقض (المجلس الأعلى سابقا) في قرارين سابقين لها : الأول تحت رقم 1107 بتاريخ 26/03/2008في الملـف المدنـي عدد 1638/1/2/2006[3] معللة قضاءها بـأن : " ثبوت زورية العقد تجعله منعدما وغير منتج لأي أثر وإن كان مسجلا بالرسم العقاري حتى ولو كان المشتري حسن النية.." والثاني تحت رقم 2854 بتاريخ 23/07/2008 في الملفالمدنيعدد 1696/1/1/2006 [4] الذي جاء في تعليلاته أن: " ما بني على التزوير لا يترتب عليه أي أثر سواء بالنسبة للمتعاقدين أو لخلفائهما.. "، وهو تعليل وإن أرجعه البعض على أنه بني على قاعدة ما بني على باطل فهو باطل فيمكن أيضا إرجاعه إلى قاعدة تسلسل التقييدات، أي أن بطلان التقييد المبني على العقد الذي ثبتت زوريته، يستتبعه بطلان التقييدات اللاحقة لسقوط حلقة في هاته السلسلة تربط الحق بمالكه الأصلي من خلال المالكين المتعاقبين، وهي القاعدة التي تجد سندها في الفصل 28 من القرار الوزيري الصادر في 20 رجب 1333(30/06/1915) بشأن تفاصيل تطبيق نظام التحفيظ العقاري الذي جاء فيه: "..في حالة ما إذا كان الحق العيني عقاري أو تكليف عقاري موضوع عدة انتقالات أو اتفاقات متتابعة فلا يمكن تسجيل آخر انتقال أو اتفاق قبل تسجيل الاتفاقات السابقة."، وبمفهوم المخالفة لا يمكن تسجيل أي انتقال بسقوط الانتقال الذي بني عليه، ليكون على الأقل ما أعطي من تبرير لهذا الاتجاه مستمدا من داخل منظومة قانون التحفيظ العقاري، لكن هذا المنحى في جميع الأحوال لم يصل إلى حد التواتر لوجود قرارات قضائية أخرى تبنت حرفية نص الفصل 66( فقرة 2) من ظهيـر 12/08/1913 والفصل 3 من ظهير 2 يونيو 1915 وذلك على غرار القرار موضوع التعليق الذي اعتبر أن مقتضيات الفصلين المذكورين جاءت صريحة وواضحة في أن الغير المقيد عن حسن نية لا يمكن أن يواجه بما يقع من إبطال لاحق لتسجيله ولا يمكن أن يلحق به أي ضرر، لأنه استند إلى ما هو مضمن بمندرجات الرسم العقاري، وأن المصداقية المعطاة لمؤسسة السجل العقاري تقتضي أن لا يفاجأ بوقائع وتصرفات خارج هذه المندرجات، وأنه ليس هناك ما يستثني حالة البطلان بسبب ثبوت التزوير في عقد وقع تقييدهوأنه يبقى من حق الغير الأجنبي عن العقد المزور والمقيد عن حسن نية، التمسك بمقتضيات الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري والفصل 3 من ظهير 2 يونيو 1915، ليظل دور المحكمة محصورا في البحث في حسن أو سوء نية الغير المقيد لترتيب آثار تقييده بالرسم العقاري، وهو اتجاه ينتصر لمصداقية ومناعة مؤسسة السجل العقاري.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن المشرع في مستجدات القانون العقاري في ضوء القانون رقم 08-39(مدونة الحقوق العينية)، حاول علاج الإشكال بسلوكه طريقا وسطا بين حماية المالك الحقيقي الذي يمكن أن يكون ضحية تزوير أو تدليس وبين إعطاء نوع من الاستقرار لمؤسسة السجل العقاري حين أعطى الإمكانية في المادة الثانية من مدونة الحقوق العينية رقم 08-39 لصاحب الحق الذي تضرر بسبب تدليس أو زور شريطة أن يرفع الدعوى للمطالبة بحقه داخل أجل أربع سنوات من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله أو تغييره أو التشطيب عليه. أي إمكانية طلب التشطيب على التقييد الذي تم بناء على عقد مدعى فيه التزوير أو التدليس وما استتبعه من تقييدات أسست عليه، مع ملاحظة أن هذا المقتضى ورد في مدونة الحقوق العينية بينما بقي الفصل 66 من ظهير التحفيظ العقاري ـ كما عدل وتمم بالقانون رقم 07-14ـ على إطلاقه في عدم إمكان التمسك بأسباب الإبطال في مواجهة الغير حسن النية، مع أن المنطق كان يقتضي أن ذات التعديل يشمل أيضا الفصل 66 باعتباره هو الأصل ويخص حجية التقييدات. وفي جميع الأحوال فإن الحسم تشريعيا في إمكانية التمسك ببطلان التسجيل للزور أو التدليس من طرف صاحب المصلحة داخل أجل أربع سنوات تحتسب من تاريخ التقييد المطلوب إبطاله، كفى القضاء عناء الخوض في مدى هذه الإمكانية من عدمها ليستند القاضي إلى النص في تقرير ذلك البطلان، ولكن لنا أن نتساءل هل المشرع بتدخله هذا لم يزعزع مصداقية مؤسسة السجل العقاري من خلال فترة الأربع سنوات التي لا يكون فيه المتعامل مع هذه المؤسسة بمنآى عن أية مفاجأة تنال من حجية التسجيل الذي ارتكز عليه والتي بإمكانها أن تعصف بحقه العيني في العقار، وماذا عن المستثمر الذي اقتنى العقار لإقامة مشاريعه، فهل عليه أن ينتظر مرور أجل أربع سنوات لوضع حجر الأساس لأن تسجيله لمشتراه معلق على شرط فاسخ وهو عدم ظهور متضرر خلال هذه المدة التي أعطى القانون فيها لهذا الأخير إمكان التمسك بإبطال التقييد للزور أو التدليس بغض النظر عن حسن نية الغير المقيد لحقه العيني على العقار من عدمه، وماذا عن الموثق الذي يتولى تحرير العقد، ألا تقيده هذه المقتضيات ليحتفظ بالثمن إلى حين انتهاء أجل الأربع سنوات على غرار الاحتفاظ بالثمن في البيع الرضائي للأصل التجاري إلى حين انتهاء أجل التعرض المنصوص عليه في المادة 84 من مدونة التجارة تحسبا لكل منازعة مستقبلية مردها ما قد يحدث من طارئ خلال ذلك الأجل الذي فتحه المشرع أمام كل ذي مصلحة لتغيير مجريات الأمور. وكيف لمؤسسات الإئتمان أن تقبل ضمانا عينيا على عقار انتقل لزبونها حديثا ومنذ أقل من أربع سنوات ضمانا لمبلغ القرض، يبقى كل ذلك وغيره تساؤلات مشروعة في ظل معادلة صعبة تسعى للجمع بين إعطاء مؤسسة سجل عقاري حصانة ومناعة مطلقة حفاظا على استقرار المعاملات وبين حماية المالك ـ الذي كان مقيدا في هذا السجل ومحتميا هو الآخر به ـ من ممارسات غير مشروعة تروم إخراجه منه دون موجب حق.

الهامش:
[1]- د. مأمون الكزبري - التحفيظ العقاري والحقوق العينية الأصلية والتبعية في ضوء التشريع المغربي ـ الجزء الأول، الطبعة الثانية 1987. ص 165.
[2]- د .مأمون الكزبري ـ نفس المرجع ـ ص 169.
[3]- قرار منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 157 ص 155.
[4]- قرار منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 156 ص190.