نصوص قانونية

الجمعة، 21 أكتوبر، 2016

التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء المطالب في قانون التحفيظ العقاري

 التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء المطالب  في قانون التحفيظ العقاري








 التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء المطالب  في قانون التحفيظ العقاري



 التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء المطالب  في قانون التحفيظ العقاري


 التمييز بين رفض التحفيظ وإلغاء المطالب  في قانون التحفيظ العقاري




الأستاذ عبد الأله المرابط
كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية بالرباط – أكدال


مسطرة التحفيظ هي مجموعة الإجراءات القانونية الرامية إلى تحديد هوية العقار المراد تحفيظه و إشهاره للعموم قصد تطهيره من الحقوق و التحملات غير الثابتة و تأسيس رسم عقاري له يكون نهائيا و غير قابل للطعن. غير أن التحفيظ العقاري ليست نتيجة حتمية تفضي إليها الإجراءات المسطرية، بل إن مآل المطلب يكون رهينا بتلازم شرطان أساسيان : سلامة الإجراءات و صحة السندات و العقود.

ولما كان طالب التحفيظ فاعلا رئيسيا في مسطرة التحفيظ اعتبارا لمبدأ الاختيارية في الخضوع لهذا النظام حسب القانون المغربي فإن المشرع قد خول للمحافظ سلطة تقديرية واسعة لمراقبة سير إجراءات التحفيظ ومدى تفاعل طالب التحفيظ معها و تجاوبه مع الأعمال و الإجراءات المطلوبة منه مثل حضور أشغال عملية التحديد و إعداد الوسائل اللازمة لإجرائها، ومد المهندس المساح بالإرشادات الضرورية حول حدود العقار، و تكملة النقص الذي قد يظهر على طلب التحفيظ وما إلى ذلك من أعمال و إجراءات، و يلاحظ أن أي تقاعس من طالب التحفيظ في هذا الجانب من شأنه إطالة أمد المسطرة مما يجعل العقار المراد تحفيظه في منزلة وسطى بين نظامي العقارات المحفظة و العقارات غير المحفظة، الأمر الذي يعيق تعبئة العقار و إدماجه في التنمية الاقتصادية و الاجتماعية، و لتجاوز هذا الوضع غير المرغوب فيه، يتعين إعمال الجزاء القانوني الذي يتنوع بين إلغاء المطلب ورفض التحفيظ.

يلعب كلا من الرفض و الإلغاء دورا أساسيا لا غنى عنه في أي نظام للإشهار العقاري العيني يقوم على مبدأ الاختيارية، هذا فضلا عن كون مسطرة التحفيظ هي فقط وسيلة لتحقيق غاية تأسيس رسم عقاري للملك المطلوب تحفيظه في أسرع وقت ممكن. ولهذه الأسباب و غيرها  تم إقرار الإلغاء  و الرفض لفرض  الجدية في مسطرة التحفيظ و الحفاظ على الطابع المؤقت و الانتقالي لهذه  المسطرة وفي نفس الوقت إضفاء المشروعية على عملية التحفيظ.

    وقلما يتم الفصل بين رفض التحفيظ و إلغاء المطالب في مادة مسطرة التحفيظ، ولعل من أسباب عدم الفصل بين النظامين أن المشرع نفسه لم يميز بشكل واضح بينهما، بحيث تناول آثار رفض مطلب التحفيظ دون الحديث عن آثار إلغاء المطلب، وحدود حالات إلغاء  مطالب التحفيظ دون حالات الرفض، وغير ذلك من المقتضيات القانونية التي لا تساعد على التمييز بين نظامي الإلغاء و الرفض. ورغم ذلك ، فإن الفلسفة العامة التي سار على هديها مشرع قانون التحفيظ العقاري من خلال الإجراءات المنظمة لمسطرة التحفيظ، تدلنا على أن الإلغاء يعتبر وسيلة للضغظ على طالب التحفيظ وحثه على إيلاء العناية و الجدية لطلبه الرامي إلى التحفيظ، لذلك تتعدد حالات الإلغاء بتعدد التزامات طالب التحفيظ. أما رفض التحفيظ، فلا يعدو كونه آلية قانونية للتخلص من مطالب التحفيظ الفاقدة للصحة و المشروعية أو المفتقرة للحجج الكافية المثبتة الملكية الحق العيني لطالب التحفيظ.

و هكذا   سنحاول من خلال هذا البحث الفصل بين أحكام إلغاء  المطالب ورفض التحفيظ في مادة التشريع العقاري المغربي الصادر بظهير 12 غشت 1913 مع ما أدخل عليه من تعديلات بموجب القانون رقم 14.07.

الإلغاء وسيلة لفرض الجدية في متابعة مسطرة التحفيظ

يقوم طالب التحفيظ بدور رئيسي في مسطرة التحفيظ العقاري لقيام هذا النظام على مبدأ الاختيارية كما سبق القول، بحيث يتعين عليه الإدلاء بجميع البيانات الإلزامية. ومن بين هذه البيانات تعيين موطن مختار داخل دائرة نفوذ المحافظة العقارية التي يقع فيها العقار المطلوب تحفيظه إذا كان يقطن خارج هذه الدائرة، وذلك لتسير المخابرة معه أثناء جريان مسطرة التحفيظ و إشعاره بكل المعيقات التي تحول دون مواصلة إجراءاتها حتى يتسنى له التدخل في الوقت المناسب لرفعها. ويترتب على تخلف طالب التحفيظ عن تعيين محل للمخابرة أن تكون جميع الإنذارات و التبليغات الموجهة إليه بمقر النيابة العامة تعتبر تبليغات صحيحة و تترتب عليها آثارها القانونية، و من بينها إلغاء مطلب التحفيظ  إذا لم يقم طالب التحفيظ بتنفيذ الإجراء المطلوب منه أو لم يدل بمبررات مقبولة منعته من القيام بالإجراء المطلوب في الوقت المناسب. فما المقصود بإلغاء مطلب التحفيظ ومن هي آثاره؟

الإلغاء من حيث المعنى اللغوي و المفهوم الاصطلاحي: من حيث المعنى الاصطلاحي، اللغو و اللغا يعني السقط و ما لا يتعد به من كلام و غيرها و لا يحصل منه فائدة و لا نفع. قال تعالى : ” لا يؤاخذكم في اللغو في إيمانكم”،  و في الحديث : ” إذا قلت لصاحبك أنصت و الإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت “. و يقال ألغيت هذه الكلمة أي رأيتها باطلا أو فظلا و ألغيت الشيء أبطلته، و من الأثر ورد أن ابن عباس، رضي الله عنه ، كان يلغي طلاق المكره أي يبطله.

أما من حيث المفهوم القانوني، فقد يرد الإلغاء على القانون أو على القاعدة القانونية كما يرد على الأحكام القضائية و القرارات الإدارية . ويقصد بإلغاء القرار الإداري إنهاء القرار و إزالة آثاره بالنسبة للمستقبل فقط، بحيث يصبح القرار الملغي غير منتج لأي أثر قانوني من تاريخ إلغائه. وهذا ما ينسحب على قرار إلغاء مطلب التحفيظ، الذي يؤدي إلى التشطيب عليه من السجلات السابقة للتحفيظ وما يترتب على ذلك من محو جميع آثاره المادية والقانونية.

و يصدر قرار إلغاء مطلب التحفيظ عن المحافظ كجزاء يتعرض له طالب التحفيظ المتقاعس عن القيام بالتزماته لمتابعة مسطرة التحفيظ، لأن الخيار الممنوح له  في تقديم طلب التحفيظ ليس مطلقا يمارسه كيف يشاء كما كان الأمر في السابق بل أصبح حقا مقيدا بشرط عدم إمكان سحبه فيما بعد كما يقضي بذلك الفصل 6 من قانون التحفيظ العقاري بعد تعديله بظهير 1954. لأن مسطرة التحفيظ ترتبط بها عدة مصالح و تتأثر بها عدة مراكز قانونية، لذا يجب أن لا يكون السير في إجراءاتها رهينا بمشيئة طالب التحفيظ يتحكم في مواصلتها أو وقفها و تعليقها بمنظور مزاجي.

تعدد حالات الإلغاء بتعدد التزامات طالب التحفيظ

تعرض الفصل 23 من القانون 14.07 لثلاث حالات الإلغاء مطالب التحفيظ، وتدور في مجملها حول غياب طالب التحفيظ في موعد إجراء التحديد، و عدم قيامه بما يلزم لإنجاز عملية التحديد، وتعذر إنجاز التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك. ويلاحظ  أنه في الحالتين الأوليتين، لا يصدر المحافظ قرار الإلغاء إلا بعد توجيه إنذار لطالب التحفيظ بموطنه المختار مع الإشعار بالتوصل و انتظار مرور الأجل القانوني. أما في الحالة الثالثة و الأخيرة، فيصدر فيها قرار الإلغاء فور تحقق واقعة تعذر إجراء التحديد لمرتين متتابعتين بسبب نزاع حول الملك. بمعنى أن تتم برمجة عملية تحديد العقار لمرتين متتابعتين  وفق الطريقة المنصوص عليها في القانون، ولا يتم إنجاز التحديد بسبب منع المهندس النتدب لإجرائها من قبل أطراف لها علاقة بالعقار المراد تحديده. ويلاحظ في هذه الحالة، أنه ليس هناك من داع لإنذار طالب التحفيظ طالما أن واقعة تعذر إجراء التحديد للمرة الثانية، و التي يشترطها نص الفصل 23، قد تحققت في الواقع وتم إثباتها بموجب محضر التحديد الموقع من طرف المهندس المساح ومن طرف طالب التحفيظ وباقي المتدخلين، ما لم يثبت عكس ذلك.



حالة إلغاء المطلب لغياب طالب التحفيظ في الموعد المقرر لإجراء التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإجرائه

يجوز للمحافظ إلغاء مطلب التحفيظ عند توفر الشرطين  المنصوص عليهما في الفصل 23 من قانون التحفيظ العقاري، وهما غياب طالب التحفيظ أثناء إجراء عملية التحديد أو عدم قيامه بما يلزم لإجرائها.

   يحتل التحديد مكانة بارزة في مسطرة التحفيظ ، لأنه من الأسس التي يقوم عليها قرار التحفيظ المفضي إلى تأسيس رسم عقاري للعقار يكون نهائيا و غير قابل للطعن. وقد ذهب أحد شراح نظام التحفيظ العقاري المغربي إلى عملية التحديد ذات طبيعة مركبة، وهو بالفعل كذلك لأنها عملية طوبوغرافيا تحدد الرقعة الجغرافية للعقار المطلوب تحفيظه، وتتم بشكل علني بحضور جميع المعنيين و المتدخلين، وهي في نفس الوقت بحث قانوني على اعتبار أن المهندس المساح المنتدب يستفسر طالب التحفيظ و المجاورين و المتعرضين و جميع المتدخلين و أصحاب الحقوق عن كل ما يتعلق بالملك المراد تحفيظه. هذا فضلا عن كونه يقوم بمعاينة واقع الحيازة و مدتها وحالة العقار كما ينص على ذلك الفصل 20 من قانون التحفيظ العقاري.

واعتبارا لدور التحديد و أهمية في مسطرة التحفيظ ، فقد حظي بالتنظيم التشريعي و ذلك بهدف الإعداد الجيد له و إحاطته بالضمانات الكفيلة بإنجازه بشكل صحيح وفي الموعد المحدد له. وهذا ما سعى المشرع إلى تحقيقه من خلال الإعلان عن تاريخ إجراء العملية و إشهاره للعموم و استدعاء طالب التحفيظ و جميع المتدخلين في هذه العملية من مجاورين و متعرضين وغيرهم، و إنجازها بشكل صحيح وفق الشروط المنصوص عليها في الفصلين 19 و 20 من قانون التحفيظ العقاري. وتكون الأشغال التمهيدية للتحديد و إنجاز العملية بحد ذاتها تحت إشراف المحافظ على الأملاك العقارية وفي نفس الوقت تحت المراقبة القضائية، بحيث قد يكون مآل عملية التحديد الإلغاء إذا لم يتم استدعاء المتعرض مثلا الحضور أشغالها وفق مقتضيات الفصل 19 من القانون. أما إذا لم تنجز عملية التحديد بالمرة و أحيل ملف المطلب على القضاء للبت في التعرض المقام ضده، فيكون على المحكمة المعروض عليها النزاع العقاري إصدار حكم تمهيدي يأمر بإرجاع الملف إلى المحافظ قصد إتمام إجراء تحديد العقار.

ويجب على المحافظ، قبا إجراء التحديد بعشرين يوما، أن يقوم بتوجيه ملخص مطلب التحفيظ المنشور بالجريدة الرسمية، مقابل إشعار بالتوصل، إلى كل من رئيس المحكمة الإبتدائية و ممثل السلطة المحلية و رئيس المجلس الجماعي الذين يقع العقار في دائرة نفوذهم.

ويجب أن يبقى ملخص المطلب معروضا على أنظار العموم بمقر السلطات المذكورة إلى اليوم المقرر لإجراء التحديد . ومن المستجدات المهمة التي يمكن تسجيلها في هذا السياق، أن شهادة الإشعار بالتوصل بملخص مطلب التحفيظ أصبحت كافية في حد ذاتها للحكم بصحة تعليقه من طرف السلطات و بالتالي تغني عن رجوع شهادة التعليق أو ما كان بصطلح عليه بشهادة النفي.

وإذا غاب طالب التحفيظ في اليوم المقرر لإجراء التحديد أو حضر إلى عين المكان ولكنه لم يقم بإعداد ما يلزم لإجراء عملية التحديد، فإن المهندس المساح لا ينجز أي عمل من أعمال التحري و البحث و الاستفسار بل يكتفي بمعاينة واقعة الغياب و تدوينها بمحضر التحديد الذي يعتبر وثيقة يمكن الاحتجاج بها ما لم يثبت ما يخالفها. وبناء على هذه الوثيقة ، يقوم المحافظ بتوجيه إنذار لطالب التحفيظ واستفساره عن أسباب غيابه في الموعد المقرر لإجراء التحديد  أو عدم قيامه بما لإنجاز التحديد و ذلك داخل أجل شهر من تاريخ التوصل. وبمرور هذا الأجل وبقاء الإنذار بدون جدوى، يتخذ المحافظ قرار إلغاء المطلب و يقوم بتبليغه لطالب التحفيظ.



حالة الإلغاء التلقائي للمطلب عند تعذر تحديد العقار بسبب النزاع

    ينص الفصل 23 من القانون 14.07 في فقرته الثانية على أن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا و كأم لم يكن إذا تعذر على المحافظ على الأملاك العقارية أو نائبة إنجاز عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك .وكما هو ملاحظ، فإن حالة الإلغاء هذه لم تكن مقررة في نص الفصل 23 المنسوخ، بل هي من مستحدثات القانون رقم 14.07 سالف الذكر على خليفة النزاعات التي كانت تنشأ بين المتعرضين و طلاب التحفيظ أو بين هؤلاء و المجاورين أو مستغلي العقارات المراد تحديدها. إذا كان هؤلاء يتصدون بالقوة و العنف أحيانا للمهندس المساح لمنعه من إنجاز العملية المقررة، مما جعل المحافظين يلجئون إلى النيابة العامة و السلطة المحلية طلبا لتسخير القوة العمومية لتوفير ظروف أمنية مناسبة لإجراء  عملية التحديد.

    وكانت هذه المحاولات تنجح أحيانا و تفشل أحيانا أخرى، لأن هذه الممارسة كانت مجرد اجتهاد من بعض المحافظين لحل مشكل منع المهندس المساح من القيام بعملية التحديد، وهو اجتهاد نابع من الحرص على إتمام إجراءات مسطرة التحفيظ، لكنه اجتهاد يعوزه السند القانوني. وقد استمر هذا الفراغ التشريعي إلى حين صدور القانون رقم 14.07 الذي  نص على وجوب تسخير القوة العمومية بشكل صريح من طرف وكيل الملك كلما طلب منه ذلك من طرف  المحافظ أو من طرف كل ذي مصلحة.

    ورغم صدور النص القانوني المقرر لوجوب تسخير القوة العمومية من طرف وكيل الملك لتوفير الظروف الامنة الملاءمة لإجراء عملية التحديد، فإن المشرع  قد توقع قيام نزاع حول  العقار المطلوب تحفيظه من شأنه أن يحول دون إنجاز عملية تحديده. ولا أدل على ذلك من أن الفصل 23 في فقرته الثانية قد خول للمحافظين سلطة إلغاء مطلب التحفيظ إذا تعذر عليه  أو على نائبه إجراء  عملية التحديد لمرتين متتاليتين بسبب نزاع حول الملك. فهل هذا يعني أن وكيل الملك يجب عليه أن يمتنع عن مد المحافظ أو صاحب المصلحة بالقوة العمومية لإجراء التحديد، إذا كان هناك نزاع حول الملك؟ وما هي المعايير المعتمدة لتقييم الوضع على الأرضو تكييف واقعة منع المهندس من القيام بعملية التحديد؟ وهل يمكن الحديث عن نزاع حول الملك في جميع حالات المنع من إجراء التحديد حتى ولو  كان مصدر المنع هو مكتري العقار أو مستغله، أم لا بد من التأكد من شروط تكييف النزاع؟

    أم يجب  انتظار صدور مرسوم تطبيقي يجمع شتات القرارات الوزارية المتعلقة بتطبيق نظام التحفيظ العقاري وتنظيم مرفق المحافظة العقارية؟ هذه جملة من الأسئلة التي تطرحها حالة إلغاء مطلب التحفيظ لتعذر تحديد العقار لمرتين متتاليتين ، ولا ندعي الإحاطة بها في هذا البحث بقدر ما نبغي فتح النقاش حول هذه النقطة القانونية الهامة.

إلغاء مطلب التحفيظ في إطار الفصل 50 جزاء للتماطل في المسطرة و تمهيدا لرفض التحفيظ

    14 . يقرر الفصل 50 من قانون التحفيظ العقاري أن مطلب التحفيظ يعتبر لاغيا و كأن لم يكن إذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة، و ذلك داخل أجل ثلاثة أشهر من يوم إنذاره من طرف المحافظ بواسطة عون التبليغ من المحافظة العقارية أو بالبريد المضمون أو عن طريق السلطة المحلية أو بأية وسيلة أخرى للتبليغ. والجدير بالملاحظة هنا أن نص الفصل 50 الجديد قد جاء واضحا و متجاوزا للصياغة العامة و المبهمة للفصل 50 المنسوخ ومقلصا لأجل الإنذار من ستة أشهر إلى ثلاثة أشهر.

   ويمكن للمحافظ إلغاء مطلب التحفيظ فور انتهاء الأجل القانوني وعدم قيام طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة، وذلك ردا على تعنته و تراخيه عن القيام بأي مبادرة تنم عن استعداده لمواصلة إجراءات مسطرة التحفيظ، وذلك حتى لا تصبح هذه الإجراءات تحت رحمة طالب التحفيظ يتحكم فيها كيف يشاء ، وتتحول مسطرة التحفيظ من وضع انتقالي و مؤقت إلى وضع نهائي و دائم مع ما يترتب على ذلك من تداعيات على الدور الاقتصادي والاجتماعي للملكية العقارية.

   أجمعت المؤلفات و الأبحاث و المقالات التي تعرضت لموضوع إلغاء مطالب التحفيظ لعدم متابعة المسطرة على التفسير الواسع لمقتضيات الفصل 50. وذلك استنادا إلى عمومية الصياغة القانونية التي تضفي على النص من المرونة ما يكفي لاستيعاب جميع حالات الإلغاء المرتبطة بتراخي طالب التحفيظ عن متابعة المسطرة باستثناء الحالات التي أفرد لها المشرع نص خاص، وحتى بعض الحالات التي تدخل في باب الرفض وهذا ما يبرر الاستنتاج القائل بأن إلغاء المطلب وفق مقتضيات الفصل 50 هو جزاء لعدم متابعة المسطرة وعمل تمهيدي لرفض التحفيظ في نفس الوقت.

  و إذا كان المحافظ هو المشرف الرئيسي على سير إجراءات مسطرة التحفيظ ومراقبة مدى التزام طالب التحفيظ بمتابعتها حتى نهايتها، فإن صلاحية إلغاء مطلب التحفيظ ليست مطلقة من كل قيد بل مقيدة بشروط جوهرية يجب مراعاتها تحت  رقابة السلطة القضائية منعا لتجاوز السلطة و التعسف في استعمالها. وتتمثل هذه الشروط في توجيه إنذار لطالب التحفيظ يتضمن الإجراءات المطلوب منه وذلك عن طريق رسالة مع الإشعار  بالتوصل. و إذا لم يقم طالب التحفيظ بأي إجراء لمتابعة المسطرة داخل الأجل القانوني المحدد في ثلاثة أشهرمن تاريخ توصله بالإنذار، يتخذ المحافظ قرار إلغاء المطلب وتوجيهه إلى طالب التحفيظ بموطنه المختار للإخبار ولفتح المجال أمامه للطعن ضد هذا  القرار الذي يبدأ من تاريخ التبليغ.

الطعن القضائي في قرارات إلغاء المطالب

   من المؤكد أن جميع القرارات الصادرة عن المحافظ هي قرارات إدارية لكونه سلطة إدارية ، و لعل من بين هذه القرارات  قرار إلغاء مطلب التحفيظ في الحالات المحددة قانونا. ومن الإشكاليات التي أثارت جدلا في أوساط الفقه و الباحثين ، إشكالية مدى قابلية هذا القرار للطعن القضائي وما هي الجهة المختصة؟ وقد احتدم هذا النقاش والجدل بسبب سكوت المشرع عن التعرض للمسألة، وفي هذا الإطار انقسم الفقه إلى اتجاهين اثنين : فريق يقول بعدم قابلية قرار الإلغاء للطعن القضائي و فريق ينفي عن هذا القرار أي قابلية للطعن.

   ذهب الفريق الذي ينتصر لفكرة عدم قابلية قرار إلغاء المطالب للطعن القضائي إلى كون سكوت المشرع عن الخوض في هذه المسألة يفهم منه استبعاد هذه الطائفة من القرارات من دائرة الطعن القضائي. وقد تلقف واضع المسودة الأولى لمشرع تحفيظ العقارات هذه الفكرة وضمنها في الفصل 71 من المشروع.

   ويذهب الفريق الثاني إلى أن قرارات إلغاء مطالب التحفيظ غير محصنة ضد الطعن القضائي ، لأن الأصل أن جميع قرارات المحافظ العقاري قابلة للطعن الإداري أو القضائي إلا ما استثنى بنص قانوني خاص.

   ويبدو من خلال الاتجاهين السابقين أن الرأي الأول لم يستطع الصمود أمام قوة الرأي الثاني وحججه الدامغة المستمدة من المعقول و القانون. فمن المعقول، يقضي المنطق القانوني السليم أن عدم تعرض المشرع لمسألة الطعن ضد قرارات إلغاء مطالب التحفيظ لا يعني إفلات هذه القرارات من المراقبة القضائية. أما الحجج المستمدة من القانون، فيمكن إجمالها في العمل القضائي للمحاكم الإدارية الذي انتصر لفكرة القابلية للطعن، والتي تكرست تشريعيا بصدور القانون رقم 41.90 المتعلق بإحداث المحاكم الإدارية.

وبعدما تأكد لنا قابلية  قرارات إلغاء مطالب التحفيظ للطعن القضائية من النواحي الفقهية و القضائية التشريعية ، بقي علينا الآن تحديد الجهة القضائية المختصة للبت في هذا النوع من القرارات. وهنا نبادر إلى القول إن العمل القضائي قد استقر على أن الطعن في قرارات المحافظ العقاري تحكمه قاعدة و استثناء. فالقاعدة هي أن جميع قرارات المحافظ يجوز الطعن فيها أمام القضاء الإداري، أما الاستثناء فهو ما ورد عليه النص في الفصلين 37 مكرر و 96 وفصول أخرى من قانون التحفيظ العقاري، وهذا ما جرى عليه العمل القضائي على مستوى محاكم الموضوع و محكمة النقض.

    أما فيما يتعلق بأجل الطعن ضد  قرار ألغاء المطالب، فإن سكوت القانون رقم 14.07 لا يعني بتاتا استبعاد هذه الطائفة من القرارات من المراقبة القضائية، لأنه بالرجوع إلى مقتضياة القانون رقم 41.90 ، نجد المادة 23 منه تستوجب تقديم طلبات إلغاء القرارات الصادرة عن السلطات الإدارية داخل أجل ستين يوما يبتدئ من نشر أو تبليغ القرار المطلوب إلغاؤه إلى المعنى بالأمر. ويجوز لأصحاب الشأن أن يقدموا تظلما إداريا ، قبل انقضاء الأجل المذكور، وفي هذه الحالة يمكن رفع طلب الإلغاء إلى المحكمة الإدارية المختصة داخل أجل ستين يوما يبتدئ من تبليغ القرار الصادر صراحة برفض التظليم الإداري كليا أو جزئيا.

رفض التحفظ آلية لاستبعاد المطالب الفاقدة للمشروعية

  21.ينص الفصل 30 من قانون التحفيظ العقاري على أن المحافظ يقوم بتحفيظ العقار خلال الثلاثة أشهر الموالية لانصرام أجل التعرض ،  وذلك بعد التحقق من تمام جميع الإجراءات المسطرة ومن شرعية الطلب ومن كفاية الحجج.

      ولما كان المحافظ يشرف على تتبع إجراءات مسطرة  التحفيظ منذ انطلاقها، فإن هذه الإجراءات يمكن تصحيحها إذا أنجزت بشكل غير صحيح أو تتميمها إذا لم تنجز بكاملها وفق نصوص قانون التحفيظ العقاري. ورب سائل يسأل عن جدوى تحقق المحافظ من شرعية الطلب وكفاية الحجج بعد نهاية إجراءات مسطرة التحفيظ، على اعتبار أن هذه المراقبة من المفروض أن تمارس عند تقديم طلب التحفيظ، لأن قبول تسجيله ومتابعة إجراءات المسطرة بشأنه قد يفيد ظاهريا بأن مطلب التحفيظ مشروع و أن الحجج المؤيدة له كافية؟ ثم ماهي الحالات التي يرفض فيها المحافظ تحفيظ العقار رغم إنجاز جميع الإجراءات المسطرية المنصوص عليها في القانون ووجود الحجج و السندات المؤيدة للمطلب وخلو العقار من أي تعرض؟.

    بالرجوع إلى الفصل 37 مكرر الذي أضاف المشرع إلى قانون التحفيظ العاري بموجب القانون رقم 14.07، نجد أن هذا الفصل يقتصر على إلزام المحافظ بتعليل قراره وتبليغه لطالب التحفيض في جميع الحالات التي يرفض فيها التحفيظ دون أن يحدد لنا هذه الحالات أو على الأقل أسباب الرفض كما كان الأمر في الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري قبل التعديل. بحيث كان الفصل المنسوخ يجيز رفض التحفيظ في حالتين : عدم صحة الطلب و عدم كفاية الحجج. وقد نصل إلى نفس الاستنتاج عن طريق استقراء الفصل 30 من القانون الحالي الذي يستفاد منه أن المحافظ يقوم بتحفيظ  العقار بعد التحقق من إنجاز جميع إجراءات مسطرة  التحفيظ، و من شرعية  طلب التحفيظ وكفاية الحجج المدلى بها ، وعدم وقوع تعرض . وهذا يعني أن إعمال مفهوم المخالفة يدلنا على أن رفض التحفيظ لا يعدو أن يكون وراءه سببان اثنان لا غير وهي عدم عدم صحة الطلب أو عدم شرعية الطلب و عدم كفاية الحجج.

    و قبل المضي قدما في تحليل و مناقشة رفض التحفيظ، يلاحظ بداية  أن هذا النظام كمفهوم قانوني  في ظل التشريع المغربي للتحفيظ يراد به رفض إضفاء الشرعية القانونية على العقار المطلوب تحفيظ عن طريق تحويل المطلب إلى رسم عقاري. ورفض التحفيظ بهذا المفهوم الخاص يختلف عن رفض تسجيل طلب تحفيظ تحت رقم ترتيبي معين عند تقديمه لأول مرة للمحافظة العقارية ، لأن قرار رفض التحفيظ كجواب عن الطلب الرامي إلى إخضاع عقار صاحبه إلى نظام التحفيظ العقاري، لا يمكن تصور صدوره مبدئيا إلا بعد إخضاع العقار لمسطرة التطهير و الإشهار و التحديد. و الدليل  على ذلك أن المشرع لم يتحدث عن رفض التحفيظ إلا ابتداء من الفصل 37 مكرر من القانون، و من المعلوم أن ترتيب هذا الفصل في القسم الاول من القانون رقم 14.07 يقع بعد المرحلة الإدارية للتحفيظ و المرحلة القضائية للبث في التعرضات و إحالة الملف على المحافظ، ثم إن الترتيب العددي للفصل المذكور ليس من باب الصدفة بل له مدلوله الخاص و يزكي ما قلناه سابقا.

رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب

       يستفاد من الفصل 37 من قانون التحفيظ العقاري أن المشرع غلب كفة تعليل قرارات رفض التحفيظ على حساب حالات أو أسباب الرفض، و الدليل على ذلك أن الفصل 96 المنسوخ كان يجمع بين الأمرين معا. ولكي تتبين لنا أسباب رفض التحفيظ، لا بد من البحث عنها في الفصول القانونية ذات الصلة أو العلاقة، ولعل من أهم هذه الفصول نجد في طليعتها الفصل 30 من نفس القانون، الذي يستفاد منه أن المحافظ لا يبادر إلى اتخاذ قرار التحفيظ إلا بعد التحقق من شرعية الطلب. وهذا يعني أنه إذا كان الطلب غير شرعي، يحق للمحافظ أن يرفض التحفيظ. لكن نعود من حيث بدئنا لنتساءل عن الحلات التي يكون فيها طلب التحفيظ غير شرعي و بالتالي تخول للمحافظ الحق في رفض التحفيظ؟ وهل حالات الرفض قد جاءت على سبيل الحصر أم أن مفهوم الرفض جاء عاما مما يترك هامشا واسعا للمحافظ لتقرير رفض التحفيظ؟

       لئن كان المشرع لم يحدد المقصود من شرعية طلب التحفيظ في الفصل 30 من قانون التحفيظ العقاري، فالمراد من ذلك أن يكون طلب التحفيظ مطابقا لمقتضيات القانون بصفة عامة و قانون التحفيظ العقاري على وجه الخصوص و من أهمها أن يكون مقدما من مالك العقار أو صاحب حق من الحقوق العينية الواردة على سبيل الحصر في الفصل10 من قانون التحفيظ العقاري بدليل استعمال المشرع لصيغة النفي لمنع تقديم طلب التحفيظ من غير الأشخاص الواردة صفاتهم في الفصل المذكور.

     و يتحقق المحافظ من صفة طالب التحفيظ  عند تقديم الطلب من خلال دراسة الحجج و السندات المدلى بها و التحقق من هوية و أهلية  صاحب الطلب. وهذا قد يوحي كذلك بـأن رفض التحفيظ لعدم صحة الطلب يجب أن يكون عند تقديم الطلب لأول مرة أمام المحافظة العقارية، ولكن الأمر ليس كذلك لأن قرار رفض التحفيظ لم يتناوله المشرع إلا بعد قطع عدة مراحل من مسطرة التحفيظ. هذا فضلا عن كون عمليات التحقق و التحري لا تتم دفعة واحدة عند تقديم الطلب ، بل يقوم بها المحافظ  خلال جريان مسطرة التحفيظ و عبر مراحل و منها التحريات التي يقوم بها المهندس المساح المنتدب من قبل المحافظ أثناء إجراء التحديد، بحيث يستفسر طالب التحفيظ و المجاورين و المتدخلين و المتعرضين عن كل ما يتعلق بالملك المطلوك تحفيظه.

ومن التطبيقات القضائية لرفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب، نذكر الحكم الصادر عن المحكمة الإدارية بوجدة بتاريج 05/02/1997 و الذي جاء ضمن حيثياته أن قرار المحافظ القاضي برفض التحفيظ لعدم صحة الطلب بعلة عدم موافقة أحد الملاكين على الشياع على طلب التحفيظ لئن كان قرارا إداريا، فإن المشرع المغربي مراعاة منه لخصوصيات أعمال المحافظ العقاري التي ترتبط بالملكية العقارية ترك الاختصاص للمحاكم العادية عملا بالفصل 96 من ظهير التحفيظ العقاري.

     وثمة حكم آخر صدر بتاريخ 09/09/2008 عن المحكمة الإدارية بأكادير ذهبت فيه إلى تكييف قرار إلغاء مطلب التحفيظ لوقوع العقار موضوع المطلب داخل رقعة الملك الغابوي بأنه رفض للتحفيظ لعدم صحة الطلب، وحكمت بعدم اختصاصها للبث في الطلب استنادا إلى مقتضيات الفصل 96 من قانون التحفيظ العقاري التي تم تكريسها في ظل القانون الجديد مع تعديل طفيف يتمثل في الإبقاء على قواعد رفض التقييد أو التشطيب لعدم صحة الطلب أو عدم كفاية الحجج في موضعها الخاص بالعقارات المحفظة، و نقل هذه القواعد إلى القسم المتعلق بالعقارات في طور التحفيظ و إدراجها في إطار الفصل 37 مكرر المضاف بمقتضى القانون رقم 14.07.

     و آخر مثال على رفض التحفيظ لعدم شرعية الطلب يبرز لنا تميز رفض التحفيظ عن الإلغاء ، نذكر حالة صدور أحكام قضائية نهائية تقضي بصحة تعرض كلي على العقار المراد تحفيظه. إذ في هذه الحالة ، يتعين على المحافظ رفض التحفيظ في مواجهة طالب التحفيظ الأصلي ، لأن الحكم القضائي الفاصل في التعرض و الكاشف عن الحق أظهر انعدام الصفة القانونية لطالب التحفيظ لتقديم المطلب كما يقضي بذلك الفصل 10 من قانون التحفيظ العقاري ، بل أصبح المتعرض الذي حكمت المحكمة لصالحه هو صاحب الصفة في تقديم طلب التحفيظ إذا اختار إخضاع عقاره لهذا النظام القانوني. ولا شيء في قانون التحفيظ العقاري يمنعه من تقديم طلب تحفيظ العقار الذي أقر له القضاء بملكيته، و ذلك عملا بمقتضيات الفصل 13 من قانون التحفيظ العقاري كما كان الوضع في ظل الفصل 37 المنسوخ ، وتطبيقا لمبدأ الاختيارية في التحفيظ. لكن من مصلحة المتعرض الاستفادة من المقتضيات الجديدة التي جاء بها الفصل 37 من القانون رقم 14.07 ، وذلك الحلول محل طالب التحفيظ الأصلي استنادا إلى مقتضيات الفصل 83 من قانون التحفيظ العقاري، ومن تم استكمال ما تبقى من إجراءات مسطرة التحفيظ مما يوفر عليه الجهد و الوقت. و تتمثل مسطرة الحلول في إشهار الحق الذي أقره القضاء بالجريدة الرسمية مع نشر إعلان جديد عن انتهاء التحديد لفسح المجال أمام كل من يرغب في التعرض ضد تحفيظ هذا الحق الجديد المنشأ في المرحلة القضائية.

     لكن الإشكال المطروح في هذا الإطار، هو كيفية التوفيق بين مقتضيات الفصل 38 من قانون التحفيظ العقاري وبين مقتضيات الفقرة الأخيرة من الفصل 37 من نفس القانون؟  لأن الفصل الأول يقرر بأن رفض مطلب التحفيظ لأي سبب كان يؤدي إلى اعتبار التحديد لاغيا و يلزم طالب التحفيظ بمحو آثاره، في حين ينص الفصل الثاني على أن الحق المحكوم به قضائيا لفائدة المتعرض يتم الإعلان عنه بمقتضى ملخص إصلاحي، ومن المعلوم أن المسطرة المنصوص عليها في الفصل 83 من قانون التحفيظ العقاري لا تلغي عمليات التحديد و المسح العقاري و باقي الإجراءات التي تمت بشكل صحيح، بل تبني على نتائجها لمواصلة مسطرة التحفيظ إلى نهايتها مع الأخذ بعين الاعتبار للحق المنشأ.

المصدرEconomieDroit.com